المبرمج بدون حاسوب

السلام عليكم ورحمة الله

في مقالة سابقة تكلمت عن المهارات غير البرمجية التي يحتاجها المبرمج ليكون مبرمج ناجح، لكن هذه المرة أتكلم عن المهارات الحياتية التي تأتي للمبرمج بسبب العمل في تطوير البرامج واﻷنظمة والتعامل مع تقنية المعلومات عموماً. ولا أريد فقط التكلم عن الإيجابيات بل حتى السلبيات التي يمكن أن تنال المبرمجين في حياتهم العامة.

يوثر عمل اﻹنسان على حياته تأثيراً مباشراً، حتى أنه في بعض اﻷحيان يمكنك أن تعرف أن هذا الشخص طبيب، أستاذ، مهندس، أو مبرمج من خلال تعامله مع الناس وطريقة نظرته للمشاكل والحلول.

تتطور للمبرمج من خلال عمله في اﻷنظمة المختلفة مهارات تحليل المشاكل وفهم سير اﻷنظمة المعقدة، إبتداءً من نظام إدارة المحال التجارية، مروراً بالمدارس، والبنوك، وأنظمة اﻹتصالات، وأنظمة اﻷلعاب والبرامج التعليمية، وإنتهاءً بأنظمة التشغيل ولغات وأدوات البرمجة.

لتحليل وتصميم ومتابعة ودعم نظام ما، يحتاج المبرمج أو المطور أو المحلل (حسب الوظيفة ودوره في النظام) إلى دراسة كافة الجوانب المتخصصة في المجال الذي هو بصدد بناء نظام له، دراسة متعمقة تنتج عنها أحياناً توليد خبرة عملية أكبر ممن هم متخصصين أصلاً في هذا المجال. فمثلاً يمكن للمطور بعد تنفيذ برامج محاسبة وتطويرها لفترة طويلة لجهات مختلفة، أن تكون له خبرة أكبر ممن درس محاسبة في الجامعة وعمل بها في مجال واحد فقط.

نجد أيضاً أن المبرمج الذي يعمل بتحليل اﻷنظمة أن نظرته للمشاكل الحياتية نظرة متفحصة أكثر من باقي اﻷشخاص، مثل اﻷمور المالية وإدارة المنزل ونظرته للمنصرفات، ومشاكل الصفوف في المؤسسات المختلفة، وحتى الطريقة التي يتم تصميم الشوارع والتقاطعات لسير السيارات فيها.

كذلك فإن تربيته لأولاده يكون فيها نوع من التعمق لفهم اﻹحتياجات من التغذية، والتعليم، والتربية. ويُساعده في ذلك توفر الإنترنت والتقنية عموماً، ومن المؤكد أن المبرمج يستخدم الإنترنت للبحث عن أي معلومة أفضل من غيره، فهو يعرف كيف تعمل أدوات البحث وما ورائها من برامج وقواعد بيانات.

وحتى نظرته للأمور الشرعية تكون مختلفة، حيث أنه يلجأ للمنطق وعمق التفكير، مما يجعله أكثر إيماناً بتشريع الإسلام وتنظيمه للحياة العامة، وأكثر فهماً للقرآن والأحاديث. حيث أن العمل مع البرامج تُنمى وتستخدم الذكاء، والذاكرة والمنطق في الإنسان، والإنسان الذي يتمتع بهذه الخواص يصبح أكثر استفادة من علوم الشرع.

هذه المقالة إلى اﻵن يمكن أن تُشجع الراغبين الجدد (مثل الطُلاب) في إختيار مهنة مبرمج ومن بعدها مطور نظم. لكن اﻷمانة تُحتم علينا أن نتكلم عن السلبيات إيضاً التي تنتج عن العمل كمطور برامج لسنوان عديدة.

ومن بعض السلبيات هي أن بعض المبرمجين يصبحون انطوائيين وبعيدين من المجتمع، ويعيشون في عالم افتراضي. كذلك فإن الجلوس أمام الحاسوب والإنترنت تكون أحياناً على حساب بعض الأساسيات، مثل العبادات، وزيارة الناس ومخالطتهم. وتمنعهم من مزاولة بعض النشاطات التي يحتاجها جسم الإنسان مثل الرياضة.

كذلك فإن من بعض السلبيات التي يتسبب بها الجلوس الطويل أمام الحاسوب هي احتمال تعرضهم لبعض المشاكل الصحية مثل مشاكل السلسلة الفقرية، ومشاكل النظر، والسمنة. (الحمد لله لم تحدث لي أي منها إلى الآن، أما اﻷخيرة لا أتوقعها أبداً).

لكن تكمن الحلول في الموازنة، فيجب على اﻹنسان أن يعيش حياة متوازنة فيها نشاط وحركة، وإهمامات وهوايات مختلفة، وأن يحاول إستثمار أكبر وقت يُقضيه أمام الحاسوب، فإذا كان يُمكنه إنجاز عمل ما في ساعة، فلِمَ يجلس ساعتين، وإذا كان يُمكنه إنجاز مهمة تحليلية بدون استخدام الحاسوب، فِلمَ يحمل معه الجهاز المحمول إينما ذهب ويُثقل ظهره به.

الأنظمة التي يقوم بتنفيذها المبرمج تُساعد على الإدارة والاستفادة من الموارد والوقت، وهو أولى إذاً بإدارة حياته ومن حوله بنجاح.

3 thoughts on “المبرمج بدون حاسوب

  1. أصبت يا أبا إياس، و أزيدك من الشعر بيتا بخصوص مساوئ العمل كمبرمج: و هو أن المبرمج يتعامل مع الناس على أنهم حواسيب يمكن أن ينقل لهم المعلومات و البيانات بشكل جاف صرف، و قد نبهنى اثنين من أصدقائى (الذين هم بأكملهم لا يزيدون عن ثلاثة أو أربعة أصلاً) إلى هذا كثيراً، و أخبرونى أن أتلطف فى التصريح بآرائى و أن أجعلها مغلفة بقدر من المجاملة حتى لا يركلوا مؤخرتى فى المرة القادمة 🙂
    و قد جعلنى هذا أتنبه إلى أننى أتعامل معهم كما أتعامل مع الحاسوب (نظراً ﻷننى أحبهم جميعاً كما أحب الحاسوب) و لكننى فى تعاملى مع من لا أعرفه أكون متودداً جداً حتى فى التقاشات التى تثار فيها أمور دينية و يكون من أمامى متمسكاً بقول فى غاية المصادمة لصريح الدين، و انتبهت إلى أن هذا يماثل بالضبط تصميم و بناء واجهة مستخدم لطيفة تخبئ التعقيد الداخلى فى البرنامج الضخم.
    حقاً إن لكل صاحب مهنة من مهنته نصيب ^_^

  2. طبعاً هناك شيء مهم نسيته، وهو عامل الزمن، فقد لاحظت أيضاً أن المبرمج الجديد تنقصه طريقة التعامل مع الناس، وحتى طريقة التعبير كانت جافة، فأذكر أني كُنت إذا طلب مني تقرير عن مشكلة ما، كنت لا أعرف ماذا أكتب، وتكون مختصرة، ربما سطر واحد مكتوب بطريقة جافة ينقصها الكثير.
    أما بعد أن أصبحنا نستخدم البريد بشكل يومي فقد تحسنت طريقة التعبير كثيراً.

  3. أذكر هذه الطرفة
    كان احدهم ذاهبا لتأدية الخدمة العسكرية، على الطريق رأى عرافاً فسأله عن حظه في العسكرية، فأجاب العراف “فقط أول ثلاث أشهر عذاب بعذاب” استبشر الشاب و سألة عن باقي فترة الخدمة فأجاب العراف “بعد ذلك ستعتاد على هذا العذاب”

    الفكرة أننا في بداية تعلم البرمجة تنقلب طريقة تفكيرنا بشكل كبير مما يؤثر على طبيعة تعاملنا مع الآخرين، احيانا كثيرة نقع في مواقف محرجة.
    أذكر انني رأيت أبي في الطريق فلم اعرفه، أو ادفع لوسيلة المواصالات عند الصعود و عند النزول.
    للأسف الآخرين يعتبرون ذلك مؤشر على الغباء و السذاجة، و يبدأ بالسخرية في بداية الأمر إلى أن يصدم بأن معالجتك للأمور هي أرقى بكثير من معالجتة نتيجة للممارسة في عملية تحليل الأنظمة من حولك، أو قد لا يكتشف هذا و يبقى مصرا على أنك أقل منه شأنك.

    بعد بداية التعلم تبدأ بأن تعتاد على وضعك الجديد و يبدأ من حولك بهذا إذا أرادوا جديا التعامل معك و البعض يبقى مستمتعا بالسخرية منك إلى الأبد.

    ربما انا عانيت أكثر منكم من هذا الأمر عندما تبدأ هذا الأمر في إحدى سنين المراهقة فلا يميز الأهل بين هذا الأثر و أثر لهذه السن، مشكلتي بدأت مع البرمجة و المراجع قليلة جدا، كانت حتى الكتب ممنوعة من التصدير إلى سوريا، لا انترنت و لا كتب إلا ماندر، فلنجأ إلى التجريب و المحاكمة المنطقية، مستهلكين كل الخلايا العصبية التي لدينا، منذ ذلك الوقت بدأت أنا و رفاقي لتوفير المجود فكرة نشر المعلومات و تبادل الكود لنوفر العبئ على انفسنا، من هنا بدأ اعجابي بالمصادر المفتوحة، اخخخ دخلنا في موضوع آخر.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s