العبرة في التطبيق وليس التقنية

السلام عليكم ورحمة الله

في عالم تقنية المعلومات أصبحت هُناك أشكال جديدة ومفاهيم متجددة ومنافسة حادة بين الشركات، وطُرق عدة ومدارس مختلفة. ومن الناس من يتسابقون لكل ماهو جديد في هذا العالم، حتى أصبح التدريب عبيء ثقيل على كاهل كل من يعمل في هذا المجال، وكما يدعي البعض فإنه لو تأخر الشخص لمدة شهور عن تعلم ماهو جديد سوف لن يجد وظيفة، أو سوف يخرج من هذا المجال.

هذا الكلام نظري بحث في أن التقنية في تغيير مستمر وأنه لا بد من تدارك هذه التغييرات والجري ورائها. لكن في الواقع العملي نجد أن العبرة ليست في التقنية، كونك تستخدم آخر تقنية لا يعني أنك تُقدم أفضل حلول. لكن العبرة – في رأيي- هي كيف تُطبق هذه التقنية، حتى لو كانت قديمة. فربما تكون مؤسسة بها مخدمات تحتوي على وندوز 2000 ومعالجات من جيل Core 2 مثلاً يكون أداؤها التقني أفضل من شركة تحتوي على مخدمات وندوز 2008 (إذا افترضنا أنها صدرت فعلاً) وتستخدم مُعالجات Ivy Bridge.

المنتجات التقنية مثل أنظمة التشغيل وقواعد البيانات وأدوات التطوير أصبحت متجهة لتضخم وبها إمكانات تفوق الحاجة الفعلية للإستخدام. حيث أن الإستخدام يكون هو نسبة مئوية من اﻹمكانات الموجودة في تلك المنتجات. مثلاً إذا افترضنا أن قاعدة بيانات تستطيع تخزين بيانات تصل إلى حد تيرا بايت ثم ظهرت نسخة جديدة من نفس قاعدة البيانات أو قاعدة بيانات أخرى تستطيع التعامل مع بيانات تصل إلى 10 تيرابايت، والمؤسسة التي تستخدم النسخة القديمة قاعدة بياناتها هي 1 قيقا، ويُتوقع أن تصل إلى 5 قيقا في الخمس سنين المُقبلة، فهل هُناك حاجة إلى الترقية أو التغيير إلى النسخة الجديدة من قاعدة البيانات؟ بالطبع لا. مادامت اﻷنظمة تعمل بكفاءة عالية فلم الحاجة إلى التغيير.

أحياناً التغيير إلى المنتجات الأحدث تتطلب تغييراً في العتاد، مثلاً نسخة وندوز 8 تطلب عتاد ذو أمكانات أعلى مما تتطلبه نسخة وندوز 7، أو نظام أوبونتو الحديث المحتوي على واجهة يونتي يحتاج لعتاد أفضل من أوبونتو الذي يستخدم واجهة جنوم 2. والتغيير إلى العتاد الجديد ليس بالضرورة أن يكون حاجة للمستخدم، إنما يُمكن أن يكون هو حاجة للنظام الجديد نفسه، حيث أن الشاشات البراقة تحتاج لذاكرة أكبر ومعالج أسرع. فتقوم المؤسسة بالصرف على التغيير دون أن يكون هُناك عائد حقيقي، فقط زيادة بريق للشاشات.

إذاً العبرة في الكفاءة وليست في اﻷداء. فيمكن أن يكون هُناك موقع ويب يحتوي على جهاز به معالج ذو ثماني أنوية مثلاً، وموقع ويب آخر به مخدم ثُنائي النواة، وكلاهما يعملان بدون مشاكل. لكن الموقع اﻷول ذو الثماني أنوية نقول أن أداء مخدماته أعلى، لكن الموقع الثاني هو الذي يعمل بكفاءة أعلى. فمادام استطعنا إرضاء زبائننا بالخدمة بهذا العتاد المتواضع فهذه هي الكفاءة. فالكفاءة إذاً هي أن تختار الحل المناسب واﻷقل تكلفة وأداء مقبول.

كمثال آخر لتوضيح هذه المسألة هي قضية النسخ اﻹحتياطي. حيث توجد عدة مراحل أو درجات من النسخ اﻹحتياطي بالنسبة للبيانات مثلاً. إبتداءً من النسخ اليدوي في وسائط خارجية بصورة يومية مثلاً، إنتهاءً بتشغيل جهازين بطريقة الـ mirroring حيث يكون كلا الجهازين يعملان وبهما نفس البيانات. يجب في هذه الحالة أن تتناسب قيمة البيانات وقيمة الخدمة بدرجة النسخ اﻹحتياطي. فإذا افترضنا مثلاً أن المؤسسة هي عبارة عن مركز صحي داخل الحي لتحصين اﻷطفال، فلا يحتاج لعمل clustering للمخدم، ولا يحتاج لمخدمين لتوزيع الحمل load balancing. فمادامت الخدمة التي تُقدمها المؤسسة أقل من تبريد لمفاعل نووي أو تقديم أي خدمة حساسة للوقت لجهات مهمة أخرى، فيمكن أن نختار خيار بسيط وغير مكلف في النسخ اﻹحتياطي.

أذكر مرة في إجتماع لتحديد مواصفات مخدمات لشركة حجم قاعدة بياناتها أقل من مائة ميغا، اقترح المستشار شراء أجهزة بقيمة 40 ألف دولار وطلب وجود clustering بقيمة 20 ألف دولار، و2 ألف دولار للمسامير واﻷشياء الصغيرة. علماً بأن المخدم الذي كان يعمل آنذاك كانت قيمته أقل من ألفي دولار، حيث أن قاعدة البيانات ذات السبعين ميغا كانت تعمل في جهاز PIII بدون مشاكل والنسخ اﻹحتياطي كان يتم في نهاية اليوم يدوياً، وعمل النظام لعدة سنين دون توقف ولم تحصل أي حاجة  لأي نسخة إحتياطية طيلة عمل البرنامج في هذا المخدم المتواضع.

أصبحت أدوات التطوير مليئة بأشياء تُصعب العمل على المبرمجين الجدد وهي من نوع الطرق التي يخدع بها المسوق لبضاعته الزبون. فمثلاً نجد أن أدوات التطوير بها UML و XML Editor و واجهة لعرض جداول قواعد البيانات، و منقح debugger و متصفح ويب، ومخدم ويب، يكاد أن يكون نظام تشغيل بحد ذاته. لكن السؤال هل كل هذا الترهل في أدوات التطوير يُساعد في إنتاج برامج ذات كفاءة عالية في وقت مقبول؟ وهل كل المبرمجين يحتاجون لها. في حين تجد أن المواقع الناجحة في اﻹنترنت تستخدم تقنيات بسيطة، مثلاً موقع ويكيبيديا يستخدم PHP وقاعدة البيانات MySQL ومخدم Apache وكلها أدوات مجانية ليس فيها كل التعقيد وكل اﻹمكانات الموجودة في اﻷدوات الحديثة المكلفة، لكن مع هذا كله عندما تحتاج لأي معلومة تجدها مباشرة بدون أي تأخير. كذلك موقع قوقل يستخدم أدوات حرة ومجانية، والفيسبوك. وتويتر كذلك يستخدم اﻷنظمة والأدوات المجانية.

في الختام فإن التقنية بحد ذاتها ليست هدف، ليس الهدف أن أستخدم آخر صيحات التقنية، لكن العبرة في أن استخدم التقنية التي اخترتها بكفاءة عالية وأن يكون هُناك تناسب بين النتيجة النهائية للعمل أو الخدمة التي أُقدمها مع الجهد المبذول في استخدام وتبني تلك التقنيات.

Advertisements

3 أفكار على ”العبرة في التطبيق وليس التقنية

  1. هنالك امثلة كثيرة على ذلك مرت على رؤسنا، بدءا من شراء مخدم ضخم لقاعدة بيانات لن تتجاوز 1 غيغا كما قلت، بل ان الزبون اشترى هذا المخدم، و جاء إلينا ليطلب تخفيض في السعر على برنامج المحاسبة.
    نفس العته (للأسف هذه هي التسمية) التقني الذي نواجهه في شراء أجهزة الهواتفي الخلوية من “أي فون” للـ “سم سونغ” 😛

    و كمثال على المخدمات مرة رأيت شركة فيها قرابة 50 جهاز لديها مخدمين على واحد منهم mirror للقرص الصلب، عليها ويندوز 2003 أدفانس Advance هو مخصص لتخديم عدد أكبر 200 جهاز بينما كان يكفي 2003 ستاندرد ،لما سألت لماذا المخدمين أجاب انه يضع DHCP عليهما واحد يدعم الآخر بحيث إذا فشل الأول الاجهزة تأخذ من الجهاز الاحتياطي، هنا اصبت بالصدمة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s