دراسة الجامعة بعد العمل

السلام عليكم

مرت بي خاطرة في الفترة اﻷخيرة أن تكون دراسة الجامعة بعد ما ينخرط طالب الثانوي في العمل، مثلاً لمدة سنة، يذهب إلى العمل في أي مجال ينوي التخصص فيه ليكسر حاجز الصمت النظري، ثم بعدها يدخل الجامعة ليتم المسيرة النظرية لكن هذه المرة إستناداً على الواقع العملي الذي مر به. أو يُمكن تأجيل العمل إلى ما بعد العام اﻷول في الجامعة، ليكون قد اختار التخصص. مثلاً يدرس سنة واحدة علوم حاسوب، ثم يذهب للعمل في إحدى الشركات أو المؤسسات، يختلط بمن لديهم خبرة عملية، يتفتح ذهنه، يتعلم بعض الأمور اﻹدارية والعمل المشترك، ثم بعدها يرجع للجامعة ليتم دراسته في التخصص الذي اصبحت له فيه خبرة عملية.

بهذه الطريقة نكون قد فتحنا المجال لترسيخ النظريات، لأنها ليست كُل شيء، فالدراسة النظرية هي بداية الطريق وليست كل الطريق، الواقع العملي هو باقي القصة التي بدأت في الجامعة أو الثانوي. لا تكتمل العلوم بدون الشق العملي منها، علم بلا عمل أو عمل بلا علم، لا يستقيمان. كل واحد في أشد الحاجة إلى الثاني.

هذه النظرية أو هذه الفكرة كانت حصيلة تجارب كثيرة حدثت لي أو لغيري. اذكر منها مثال على دراسة المحاسبة في الجامعة، حيث أني درست نظم كمبيوتر وتقنية معلومات، فلم تكن مادة المحاسبة المالية مادة اساسية، كُنا نتسائل،لِم ندرس المحاسبة! ولم تكن هُناك اجابة مقنعة. في الحقيقة لم افهمها ولم استفد منها شيئاً، إلا أني نجحت، كغيرها من المواد التي يدرسها الطالب لغرض اﻹمتحان والنجاح. مرت سنين بعد الجامعة، ربما أكثر من عشر سنين واحتجت لكتابة برنامج محاسبي كمثال في كتاب الخطوة الثانية مع أوبجكت باسكال. قُمت بتحميل كتاب من اﻹنترنت عن المحاسبة المالية، قرأته بين صلاة العصر إلى صلاة العشاء، ولا اذكر هل توقفت قبل صلاة العشاء أم بعدها. هذه الساعات القلائل كانت أفضل لي من فصل دراسي كامل في الجامعة لدراسة هذه المادة. صدّق أو لا تُصدق، فقد فهمت المحاسبة لأول مرة، ثم في اليوم التالي قمت بكتابة برنامج بسيط لدفتر اليومية واستخراج تقارير، ثم تطور هذا البرنامج البسيط ليصبح نظام تسجيل المحاسبي.

هذه المرّة كان الفرق بأني عايشت المحاسبة طيلة هذه الفترة، فاصبحت أعرف ماهي اﻷصول، وماهي اﻷرباح والخسائر، وماهي أهمية المحاسب في أي مؤسسة، وكيفية صرف المرتبات، اصبحت كأني اقرأ عن خبر رأيته بعيني، بعكس المرّة اﻷولى في الجامعة حينما كانت كل هذه المصلحات أشياء مبهمة.

التجربة الثانية كانت عن كتاب في شبكات الحاسوب قرأته، حيث قرأنا نفس المادة في الجامعة، لكن كانت دراسة نظرية بحتة، أما عندما قرأت هذا الكتاب اﻵن فكان يحكي عن أشياء مررت بها وأمر بها في كل يوم، فكانت واقع ملموس وقصّة شيقة سمعت معظم تفاصيلها من قبل.

ربما في الغرب لديهم مثل هذه التجارب أكثر منا، حيث لا يرتبط العمل بدراسة الجامعة، فيُمكن دراسة الجامعة بعد سنوات من العمل. لكن حتى يكون للعمل أثر قوي في الدراسة فلابد أن يكونا في نفس المجال.

إذا لم نستطع تنفيذ هذه التجربة بسبب السُلم التعليمي، هذا اﻹرث الثقيل الذي لا نستطيع الفكاك عنه، فيُمكن على اﻷقل تأخير دراسة الماجستير، بدلاً من إلحاقها مباشرة بعد دراسة البكلاريوس، يُمكن أن يكون بعد عدة سنوات من العمل. كذلك يُمكن للطُلاب اﻹلتحاق بوظائف مؤقتة في فترة اﻹجازات بين الفصول الدراسية

بالنسبة لأرباب العمل فهم مستفيدين أيضاً من هذه الطريقة، فبدلاً من يلتحق معهم في مؤسساتهم خريجي جامعات ليس لديهم خبرة ويحتاجون لوقت حتى يتعلموا وفي المقابل يتوقعون راتب كبير نسبةً لأنهم خريجي جامعة. بدلاً من ذلك تكون لديهم فرصة تشغيل طُلاب لديهم طاقة أكبر في العمل وأمامهم وقت ومتسع أكبر للتعلم، ونكون قد أتحنا لهم أن ينظروا في اﻷفق عن ماهي اﻷشياء التي يجب أن يدرسوا عنها أكثر ليفيدوا الواقع العملي بها فائدة مباشرة.

16 thoughts on “دراسة الجامعة بعد العمل

  1. في النظم التعليمية المتخلفة مهما قمت بتطبيق اساليب جديدة للتعليم فانها ستأخذ ذلك الطابع القديم و المتسلسل بحيث لن تستفيد منه إلا بعد خروجك من الجامعة و دخولك العالم الحقيقي.
    اما عن المواد التي لا نلقي لها باللا فانا لا الوم النظام التعليلمي فقط بل الوم الطلاب أو اولياء الطلاب أو كما قلت ذلك الارث الذي ورثناه عن ابائنا و اجدادنا
    الطالب عندما تمر عليه معلومة جديدة يجب على المعلم ان يضعه في الصورة الحقيقية لحادته لهذه المعلومة حتى لو كان التطبيق العملي بعيد عنها.
    على الطالب ان يحاول فهمها بعيدا عن شرح المعلم لا ان يكتفي بأن يتلقاها لتكون سبب في النجاح.

    اذكر قصة ايام الثانوية عندما اخذنا درس عن استقطاب الضوء، كان الشرح نظري بحت، لا احد يفهم الفائدة من الاستقطاب، مع ذلك بعد الدرس استدرت إلى صديقي و سألته: “هل تعرف فائدة الاستقطاب الضوئي” فأشار لي بيده: “لا يهمني مادمت سآخذ علامته في النهاية” لو لم يجبني بهذه الطريقة لأجبته “ان الساعة الرقمية التي في يدك تعمل على مبدأ الاستقطاب الضوئي”

  2. ايضا لم يغرس من قبل آبائنا حب العلم بغض النظرعن الفائدة المادية منه، لدينا في كلية التجارة مادة عن البرمجة و التعامل مع الحاسب، و الكل اخذ يتململ منها فما هي الحاجة لها بالنسبة لمحاسب، و بما ان زوجتي تدرّس ايضا مادة الحاسب في معهد تجاري (محاسبين) فانها تعلمت مني هذه القصة لتخبرها للطلاب.

    في شركة تجارية كبيرة احبت أن تعمل موقع لها على الانترنيت، لم يكن هنالك متخصص في هذا المجال في هذه الشركة اذ لا داعي لوجود هذا التخصص، فتم التعاقد مع مبرمج مواقع كلفهم كلفة كبيرة للموقع و لكن لا بأس بذلك حتى الآن و لكن احبت الشركة ان يكون له ترجمة انكليزية، فكلفهم ذلك المبرمج نفس المبلغ المدفوع، بعد ذلك احبوا ان يأخذو نسخة محلية من الموقع على CD ايضا كلفة اخرى و لكن أقل، طلبو 100 CD من هذا الموقع، فقام بضرب كلفة نسخة القرص الأول بعدد النسخ الباقية مع ان كلفة نسخ قرص زهيد جدا، لكن لم تدرك الشركة ذلك بسبب جهلهم بهذا الأمر البسيط (القصة حقيقية).

    العبرة ليس بالضرورة ان يكون لديك عمل في هذه المادة التي تدرسها بقدر انه تكون لديك اطلاع على مالدى الاخرين، على الاقل لتقييم ادائهم.

  3. الطالب يُمكن أن نقسمه إلى نوعين، نوع يتماشى مع النظام مثل ماتتماشي قطعة فلين في مياه فيضان، فأبواه هما الذان يُفرضان عليه ماذا يدرس ومتى يدرس وفي ماذا يتخصص وأنه شاطر أو بليد، كذلك فهو يتماشى مع السلم التعليمي ومع أساتذته ومع مقرره. مثل هذا سوف لن تجد عنده مكتبة خاصة.
    أما النوع اﻵخر فهو يعتمد على نفسه في تلقي المعلومة ويكون أكثر مقاومة في مقاومة الفشل والآثار السالبة في هذا النظام التعليمي المفروض عليه. وفي النهاية تكون لديه فرصة أكبر لأن ينجح ويكون إنسان متميّز برغم البيئة التي نشأ فيها، لكن للأسف هذا النوع لا يُمثل السواد اﻷعظم من الطلاب.

  4. أو ما تعلمته من اهلي أبي و امي أن اقرأ، كان هنالك ثواب على القراءة، كانت لدينا مكتبة ضخمة في البيت، فيها مجلتي العربي و الفيصل من الرقم 1 و هي مجلة منوعة و ليست متخصصة، بالنسبة لطالب صغير يقرأ هذا الكم كانت لدي ثقافة جيدة بالنسبة لأقراني، و اجتهدت ان اشتري كتبي الخاصة و تكون مكتبتي (ذهبت كلها الآن)

    لم اكن ادرك مقدار التخلف في البيئة عندنا إلى بعد اختلاطي بالآخرين، كنت اعتقد انني مجرد نموذج عن القاريء العادي إلى انني اصدمت باناس قامو بتقييمي من خلال شهادتي المحصلة (كلية التجارة) لا من خلال علمي، و لو قمت بتقييمهم (مهندسين و دكاترة) على اساس علمهم و ثقافتهم لصدمت من هذا تقييمي هذا.

  5. السلبية عندها للأسف متعدية، يعني لا يكتفي الأهل الذين يُربون أولادهم على القنوات الفضائية وألعاب الفيديو، لا يقتصرون على تربية أولادهم بهذه الطريقة بل يحاولون مجتهدين نشر هذه الثقافة للغير، فأصبحت اجد مقاومة كبيرة في أن اربي أولادي بطريقة مختلفة، بدون قنوات فضائية وبإستخدام كُتب متنوعة، ليست كُتب دراسية، إنما موسوعات علمية، وحتى بإستخدام اﻷطلس. فيستنكر الناس هذا النهج.
    الحمد لله أولادي اﻵن لديهم معلومات سابقة لأقرانهم، ولديهم معرفة بدول العالم وحتى أسس الفيزياء، كالمغناطيسية والضوء والحرارة، ومعلومات عن قصص الأنبياء والصحابة، كلها عن طريق الكُتب الورقية والموسوعات والقصص، واﻷفلام الوثائقية التي تُعلمهم العلوم المختلفة في الحياة. ولديهم هوايات في الرسم وعمل اﻷشكال بالورق. عندما اشتري ورق A4 لا استخدم منه سوى من عشر إلى عشرين ورقة باﻷكثر، والباقي يستخدموها في اللعب والرسم كمساحة للإبداع بدلاً من الوقت الذي يقضه بعض اﻷطفال جالسين كاﻷصنام أمام التلفاز.

  6. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    بارك الله فيكم على هذا الاراء و موفقون باذن الله لايجاد الحلول كل بما تيسر له من تجارب و خبرات.
    ما شاء الله عليك ابو اياس على كتاباتك ونحن نستفيد منك . لكن اتماما للفائدة لو سميت لنا عناوين الكتب التي تحدثت عنها.
    اسأل الله لكم التوفيق و السداد

  7. وعليكم السلام ورحمة الله وبركتاته ومبرحباً بك
    ماهي الكُتب التي تقصدها أخي مصعب، هل تقصد كتاب المحاسبة، أم الشبكات أم كُتب اﻷطفال

  8. لا داعي لتسأل عن اسماء الكتب للأطفال لانه مهو موجود لدينا قد يكون غير متوفر
    اذهب إلى اقرب مكتبة اشتري قصص مصورة Commic و اشتري كتب عليمة للأطفال، ارميها بين يديهم ثم احرمهم من التلفزيون و الكومبيوتر لمدة لا تقل عن 3 ايام، بعد 3 ايام تبدأ برؤية النتائج.

  9. اعذرني استاذي علي رفع المواضيع القديمة ‘
    فعلا الجانب العملي مهم جدا قبل النظري نظرا للمناهج المطروحة فحاليا انا في عامي الدراسي الاول بالجامعة لكن للاسف حتي اساسيات الحاسوب تدرس بطريقة قديمة جدا
    الاجهزة ذات عتاد ممتاز لكن للاسف مدير اللابات مصر علي نظام اكس SP2 كنظام رئيسي
    والدراسة باوفيس 2003 للتعامل مع الانظمة المكتبية في ظرف ثلاثة اشهر ينتهي تعليمك لحزمةمكتبيةكاملة ثم تنتقل للبرمجة اما c\cpp ايضا لمدة ثلاثة اشهر لكن التعامل فقط
    في الـconsol وطريقة لا تعلمك حتي الـsyntax الخاص باللغة , اكثر شيء يؤلمني اعتقد الطالب انه بانتهاء السمسترانه اتقن لغةبرمجة وانه جاهز لسوق العمل , والنتيجة هي الاصتدام بالواقع المرير .

  10. طلب مني أحد الزملاء البحث عن مترجم Turbo Pascal 7 وقد احضرته له اليوم، وهو يتم تدريسه في الثانوية، فطرحت لباقي الزملاء لماذا لا نُقنع الوزارة بالتغيير إلى لغة وأداة تطوير جديدة، مثلاً البايثون، فقالوا لي أن التكلفة عالية في تعليم اﻷساتذة هذه التقنية الجديدة ، ومعهم حق، ربما يحتاجون إيضاً لتغيير كل العتاد القديم
    بما أنك في العام الأول في الجامعة فلديك فرصة كبيرة أن تُصبح مبرمج ذو قدرة عالية، حاول أن تكسب كل وقتك ولا تضيع منه شيء، ربما لا تجد فرصة مشابهة بعد التخرج. وفرصة الدراسة في الجامعة ربما يترتب عليها مستقبلك المهني كله.

  11. بالنسبة للدراسة الخاصة بالثانوي لغة الباسكال لن تفي بالغرض حتي وان تم التغيير للبايثون لن يفهم الطالب اي شي نظرا لعدم وجود الجانب العملي , لدي تجربة مع كتاب الصف الثاني مثلا كنت افكر في عمل تشفيرةبسيطة فتذكرت الكتاب فعلا اثناء تصفحي للكتاب وجدت طرق متعددة لعمل الخوارزميات لكن عند دراستي لها لم اعطي لها اي اعتبار ‘ لذا المشكلة الرئيسية هي الجانب العملي من الافضل التركير جوانب بسيطة واساسية مثل الدوال الجمل الشرطية عمل المقارانات فتقريبا هي اساسي وموحدة في اغلب لغات البرمجة .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s