هل الوصول للتميز يتطلب أن يمر الشخص بمرحلة النجاح العادي

السلام عليكم ورحمة الله، وتقبل الله منا ومنكم سائر العبادات في شهر رمضان المبارك.

خطر لي سؤال هذه اﻷيام، فاحببت أن اشارككم به لعلي أجد منكم مداخلات حول هذا الموضوع المهم: وهو هل عندما يريد الشخص للوصول للتميز أن يكون في البداية شخصاً ناجحا بمقاييس النجاح اليوم؟ لكن قبل الإجابة لابد من أن نقوم بتعريف ماهو التميز الذي اقصده في هذه المقالة وماهو مصطلح النجاح العادي الذي استخدمناه.

التميز نقصد به أن يأتي الشخص بجديد – بالطبع شيء نافع لمصلحة البشر – وأن يعمل عملاً نتيجته متعدية يتعدى نفعه إلى أكبرعدد من الناس. أما تعريف النجاح العادي – لأغراض هذا المقال- هو أن يكون الشخص ناجح اجتماعياً، مثل أن يكون قد تخرج من جامعة ولديه شهادة بكلاريوس أو ماجستير أو حتى دكتوراه، ولديه وظيفة ثابتة ومرتب كافي، ولديه منزل خاص وسيارة، وغيرها من اﻷشياء التي فرضها المجتمع لتعريف شخص بأنه ناجح. لكن هذا النجاح يمكن أن يكون لازم للشخص وعائلته فقط.

بعد التعريف السابق نريد إعادة السؤال: هل الشخص الذي يريد أن يقدم شيئاً جديداً للعالم أو لبلده أو لمدينته أو للمؤسسة التي يعمل فيها، أو للمجال الذي تخصص فيه، هل عليه أن يكون شخص ناجح اجتماعياً ووظيفياً وأكاديمياً؟ هل هذه متطلبات حتى يصبح شخص مميز؟ أم أن التميز ليس له علاقة بالنجاح العادي أم أن النجاح العادي في طريق مختلف لا يقود إلى التميز وأن التميز لديه طريق مختلف لا يمر بالنجاح العادي.

جميع هذه اﻷجوبة يمكن أن تكون صحيحة، والدليل أن هناك أشخاص مييزين كانوا ناجحين نجاح عادي، ويوجد أشخاص قدموا الكثير للعالم والعلم ولم يدرسوا جامعات، وبعضهم كان فقيراً. كذلك يمكن أن يكون الجواب إيجابي بأن طريق التميز يختلف عن طريق النجاح العادي، كذلك يمكن أن يكون الجواب بإيجاب بأن التميز يتطلب نجاح عادي أو على الأقل أن يكون شخص مقبول اجتماعياً ولديه امكانات يوظفها في طريق تميزه.

الجواب باﻹيجاب لجميع هذه الأسألة ليست نهاية الحديث وليست جواب شافي لهذا التساؤل، حيث أن العمر محدود لكل شخص، لا يستطيع أن يقوم بتجربة كل الخيارات. فمع محدودية عمر اﻹنسان ومحدودية فترته اﻹنتاجية لا بد أن يسلك الشخص اقصر الطرق التي تؤدي إلى التميز. و النجاح العادي ليس بالشيء السهل، فمع تعقيد الحياة وكثرة تفاصيلها أصبح اﻷقل اليوم هو ما كان غاية بعيدة في القديم، ودائماً اتذكر هذا البيت عندما انغمس في تفاصيل الحياة وتكثر واجباتها “ولقد سأمت تكاليف الحياة ومن يعش … ثمانون حولاً لا أباً لك يسأم“. فيمكن للشخص أن يجري وراء هذا النجاح المكلف ويقوم بدراسة الجامعة ثم الماجستير على اﻷقل، ويقوم بدراسة ونيل شهادات المهنية في مختلف مجالات تخصصه، ثم يسعى في وظيفة، وترقى فيها أو ينتقل من عمل إلى عمل أفضل منه، ثم يقوم بتأسيس منزل وشراء سيارة فخمة ويستطيع الحصول على كل سبل الرفاهية للمنزل لأبنائه ولعائلته، ويأخذهم في رحلات إلى عدد من الوجهات السياحية، وغيرها من التكاليف التي اصبحت في زيادة مستمرة. ربما يكلفه هذا حياته العملية كلها، فيصل إلى المعاش ويكون مازال يحاول تحقيق كل هذه اﻹمتيازات، وربما ينجح في تحقيقها كلها أو بعضها بقدر ما قسم الله له من الاستمتاع بالدنيا.

أما الشخص الثاني والذي يريد التميز واﻹضافة، فإن أول عقبة يجدها هو الوقت، حيث أن في ظل هذه المنافسة مع الأشخاص الذين تميزوا في هذا الوقت أو من تميزوا قبلنا فالتحدي هو أن تأتي بشيء لم يأتوا به، فلابد أن يتعلم أولاً، ثم يتخصص ثم ينجح في هذا التخصص ثم يتميز فيه، لذلك تجد أنه من الصعب التوفيق للجمع بين اﻹثنين: النجاح الإجتماعي والمادي، والنجاح والتميز في التخصص. فكما ذكرنا فإن كثير من المتميزين لم يصلوا إلى درجة النجاح العادي بل قفزوا مباشرة إلى مرحلة التميز والعطاء، فلا يمكن لشخص واحد أن يكون لديه كل الوقت ليقضيه في تفاصيل الدنيا وكامل زخرفها ويكون لديه وقت للمجتمع الذي يريد أن يضيف إليه شيء جديد. فكلما كان الطموح كبير كلما صغرت في نفسه هذه أﻷشياء البسيطة مثل شراء سيارة وبناء بيت، والسياحة، ورصيد في بنك، وشاشة تغطي الحائط. فهل يقضي وقته في معرفة أنواع الشاشات ومقاساتها وتقنياتها وأنواع السيارات وموديلاتها أم يقضي كل وقته محاولاً كسب الوقت للوصول إلى نقطة لم يسبقه شخص عليه في مجتمعه؟ والمجتمع العلمي يختلف عن مجتمع العائلة أو الحي، حيث أن حدود المجتمع العلمي – في ظل العولمة- هو كافة الكرة اﻷرضية.

سؤال آخر مهم: هل على الشخص المتميز أن ينوي أن يكون متميزاً أو على اﻷقل يدرك أنه مختلف عن الباقين؟ أو مشابهه للمتميزين؟ أم يكفي بأن يكون لديه مقومات التميز مع أنه يرى نفسه شخص عادي لكن سلك طريق – بتوفيق من الله- وقاده هذا الطريق لأن يصل إلى شيء جديد ينتج عنه كتابة كتاب يقرأه الناس ويستفيدوا منه، أو يقوم باختراع يغييرالعالم، أو يقوم بعمل تغيير في بلده يكون له تأثير على ملايين الأشخاص. ويمتد هذا العطاء حتى بعد موت الشخص لفترة من الزمن ربما تستمر لأجيال.

سؤال آخر: عندما يمشي هذا الشخص في طريق التميز، فهل لا بد أن يصل إلى نتيجة إيجابية يكون لها تأثير عالمي، أم يكفي أن يحقق إنجار له أثر محلي فقط في المؤسسة التي يعمل فيها مثلاً، أم يكفي أن يقوم بالتوقف عند المنتصف ممهداً الطريق لمن خلفه حتى يصلوا إلى نتيجة لم يستطيع هو أن يصل إليها، مثلاً لموظفين يعملون معه أو لأبنائه من بعده.

هناك فصل آخر: وهو أن التميز أحياناً يقود إلى النجاح الإجتماعي والمادي، واحياناً لا يقود، كمثال: شخص قام بابتكار جديد في مجال صناعي أو في مجال الاتصالات أو تقنية المعلومات، فيمكن أن يدر عليه نجاحه هذا الربح الوفير ويصبح في مرتبة أعلى ممن نجح نجاحاً عادياً. ويمكن لشخص آخر في مجال أكاديمي مثلاً و متميز أن يقوم بأبحاث ويصل إلى نتائج جديدة، فيترك الفرصة للجهات الصناعية أن تستفيد من نتيجة بحثه هذا دون أن يكون له مردود مادي بل مردود أدبي فقط. كذلك شخص داعية مثلاً تابعه واستمع له عدد من الشباب وكان سبباً في هدايتهم ونجاحهم، لكن تميزه هذا ربما لا يقوده إلى النجاح المادي الذي تكلمنا عنه.

سؤال آخير: هل خلقنا الله بهذه اﻹمكانات اللا متناهية في العقل والفكر والتدبير حتى نكون أشخاص عاديين؟ نحن نعيش في هذه الدنيا مرة واحدة فهل نجعلها عيشة عادية؟

Advertisements

4 أفكار على ”هل الوصول للتميز يتطلب أن يمر الشخص بمرحلة النجاح العادي

  1. هل الوصول للتميز يتطلب أن يمر الشخص بمرحلة النجاح العادي؟

    اعتقد ان النجاح العادي قد يكون نتيجة للتميز(كما ذكرت).لكن التميز ليس نتيجة للنجاح العادي.

    هل على الشخص المتميز أن ينوي أن يكون متميزاً أو على اﻷقل يدرك أنه مختلف عن الباقين؟

    عليه ان يكون صبورا ومجتهدا، حسب اعتقادي معظم البشر متقاربون من ناحية القدرات العقلية والابداعية، بالطبع البيئة المحيطة تؤثر، لكن يوجد من يستغل قدراته ويوجد من لا يستغلها فانا اعرف اشخاصا لديهم ذكاء وسرعة بديهة ولكنهم لم يستغلوا هذه الميزة (لم يتميزوا ولم ينجحو نجاحا عاديا).

  2. >>فانا اعرف اشخاصا لديهم ذكاء وسرعة بديهة ولكنهم لم يستغلوا هذه الميزة (لم يتميزوا ولم ينجحو نجاحا عاديا).
    نعم هذه نقطة نسيت الكلام عنها، حيث أن الجري وراء التميز في بعض الأحيان يفقد الشخص أن ينجح نجاحاً عادياً، فيكون لم يصل إلى أي هدف من اﻷهداف، لا الهدف السهل ولا الهدف الصعب. مثل أن يرفض الشخص أي عمل بسيط ويظل في حال إنتظار للفرصة ظناً منه أن العمل البسيط والسهل سوف يقلل من طموحه

  3. بصراحة لا أحب كلمة نجاح هذه حيث أن مقابلها الفشل . تجد بعض الأشخاص يقتلون أنفسهم للوصول الى أهداف أو انجاز أعمال معينة وفى رأيهم أن من يعمل كذا فهو ناجح أما من لايعمل مايعتقدونه مهما فهو فاشل. يمكن القياس على النظام الأكاديمى مثلا , فمن يحرز أعلى الدرجات فهو متفوق وناجح وعبقرى …الخ أما من يريد أن يتعلم فعلا ولايريد هذه الألقاب بل يريد أن يوسع أفقه أو يزيد معارفه ولايهتم بالدرجات والشهادات الأكاديمية فيعتبر فاشلا وينظر له شذرا كأنه أرتكب جريمة !!
    هذه المفاهيم موجودة فى أذهان الناس فقط. رأيى أن يعمل الانسان مايراه مناسبا له ولايلقى كثير اهتمام لأراء الناس المتغيرة والمتعددة والمختلفة . كن نفسك فقط.
    تجنبت الاطالة لذلك تركت بعض الجوانب ولم أتطرق لها .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s