فيضانات عام 88 في السودان

السلام عليكم ورحمة الله

ارتبط عام 1988 ميلادية بأمطار غزيرة وفيضان لنهر النيل تأثرت البلاد بسببه وكان أكبر كارثة طبيعية شهدتها، حيث كان قبلها فيضان عام 46 كما سمعنا من آبائنا، وفيضان عام 6 كما سمعنا من أجدادنا. وما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع هي اﻷمطار الغزيرة المتتابعة على السودان منذ عيد اﻷضحى إلى اﻵن في هذا العام والذي رجع بذاكرتي لفيضان عام 88.

في ذلك العام كُنت أدرس في المرحلة اﻹبتدائية في جنوب السعودية في قرية النجامية وكُنا نسكن في مدينة صامطة جنوب جازان، لكننا كنا نرجع السودان في إجازة المدارس وكانت توافق فترة الخريف. في تلك الأعوام أي في نهاية الثمانينيات، كانت اﻷمطار غزيرة في الخرطوم تختلف عن أمطار اليوم والتي انخفضت بنسبة كبيرة وتسببت بتغيير المناخ في الخرطوم لشبه صحراوي.

أكتب هذه التدوينة واﻷمطار مازالت تهطل، نسأل الله أن يأتينا من خيرها.

2019floods
صورة لفيضان النيل عام 2019، تم أخذ الصورة من مسجد النيلين بأمدرمان

في عام  88 هطلت عدة أمطار، وكان أغزرها أمطار بدأت وقت العشاء واستمرت إلى صباح اليوم التالي، كانت أمطار بدون رعد وبدون رياح، ظلت تمطر بإنهمار، أذكر أننا خرجنا من البيت ووقفنا في الخارج تحت شجرة، واصبح الناس ينقلون الأثاثات واﻷدوات من البيوت القديمة اﻵيلة للسقوط، وبينما نحن نشاهد اﻷمطار إذا أحد البيوت ينهار أمام أعيننا وسط فزع من الناس – في منظر لا زلت أذكره إلى اﻵن-، وتبين لنا بعد ذلك أن ابن خالتي كان في ذلك البيت ينقل اﻷثاث مع الجيران فانهار فيه البيت، فقام الجيران بإخراجه من اﻷنقاض ، والحمد لله لم يُصب إلا ببعض الرضوخ في ركبته. بعد ما خفّت اﻷمطار وذهبنا للنوم سمعنا بيت آخر ينهار، وفي الصباح الباكر سمعنا أن عدد كبير من البيوت القديمة قد انهار في عدة مناطق من الخرطوم، وأصبح الخطر القادم هو فيضان النيل، حيث تأثرت المناطق القريبة منه بالفيضان وكان أشهرها جزيرة توتي التي تقع عند ملتقى النيلين: اﻷزرق والأبيض، لكن الفيضانات كانت تأتي من النيل الأزرق والذي ينبع من بحيرة تانا في الهضبة اﻷثيوبية. فأخذ أهل توتي يتكاتفون لعمل ترسانات ترابية لحماية جزيرتهم التي هي دائماً في مهب الفيضانات.

أنقطعت الكهرباء لمدة إسبوع بعد هذه اﻷمطار، واصبح هُناك شح في الخبز والطعام وأنقطعت سبل المواصلات، وقامت دول الخليج بعمل جسر جوي لإمداد السودان وإنقاذه من هذه الكارثة الطبيعية، وكان من أهمها الخيم التي تؤوي من تهدمت منازلهم.

في العام الذي يسبقه أي عام 87 كانت هُناك أمطار غزيرة أيضاً وكانت هناك صواعق شديدة، فأذكر في صباح إحدى هذه الليالي الماطرة طرقت جارتنا – رحمها الله- الباب ففتحته فقال لي أخبر أهلك أن أخاها قد أصابته صاعقة وتوفي ، وكان أخاها -رحمه الله- يعمل في اﻷرصاد في مطار الخرطوم، فذهب لأخذ قياس كمية اﻷمطار وهو في طريق العودة في ساحة المطار أصابته الصاعقة. وبفضل الله اﻵن اصبحت التقنية الحديثة واﻹتصالات بديل لهذه المهام الخطرة. و بسبب هذه الحادثة اصبحت أخاف من الصواعق واﻷمطار خوفاً شديداً، وقد كان نوع الخوف المرضي الذي يُسمى فوبيا، فاصبحت لا أنام عندما تهطل أمطار إلى أن تتوقف، ومن سؤء حظي كنا نشهد جزء كبير من الخريف في السودان، ثم نرجع لبداية العام الدراسي في السعودية لنشهد موسم اﻷمطار الشتوية في جنوب السعودية، لكن كُنت استمتع بالوادي الذي يمر جوار البيت، اسمه وادي تعشر يمربين النجامية وصامطة يأتي من جبال في اليمن، أحياناً بدون أمطار نجد أن الوادي بدأ يندفع وله صوت هدير، فيخرج الناس ليروه، وكان هذا الوادي بيننا وبين النجامية التي كُنت أدرس فيها فينقطع سبل الوصول للمدرسة في ذلك اليوم.

 

أتابع بصورة مستمرة مشروع سد النهضة اﻷثيوبي والذي سوف تتأثر به هذه البلاد الثلاث: دولة المنبع: أثيوبيا، ودولة العبور: السودان، ودولة المصب: مصر. المشكلة تكمن في ملأه، حيث يحتاج لحوالي 65 مليار متر مكعب من المياه، والتي تعادل تدفق النيل لعام كامل، وهنا تكمن المشكلة! حيث أنه كلما سارعت أثيوبيا بملأه – بعد الإنتهاء من بنائه- كلما تأثرت السودان ومصر بنقص المياه في النيل والذي تعتمد عليه السودان بشكل كبير ومصر بشكل أكبر، وكلما جزأت أثيوبيا ملأه في أعوام عديدة كلما زاد من خسائرها باعتباره استثمار كبير يحتاج لأن يكون به مردود سريع. فلذلك هي معادلة صعبة، أتمنى أن يمن الله علينا بأن تُحل بزيادة فيضان النيل في اﻷعوام التي تلي اﻹنتهاء من تشييده والشروع في ملأه بالمياه. لو كان لي من اﻷمر شيء في ذلك المشروع لجعلت صلاة الإستسقاء جزء من الخطة حتى تمتلائ بحيرة الخزان، لكن للأسف كل هم المسؤولين في الدول الثلاث هي إتفاقية تقسيم المياه التي قررتها بريطانيا كحصة لكل دولة، لاأدي ما علاقة بريطانيا بهذا الامر، هل هي من جعلت النيل يجري أم تنزل الأمطار من السماء!

زيادة السكان والذين يعتمدون على نهر النيل في الشرب والزراعة وحتى الصناعة وإنتاج الكهرباء لابد أن يصحبه زيادة في منسوب تدفق النيل السنوي، لأن الله يقسّم الرزق بعدد الناس، لكن من بات يؤمن بهذا ويجعلها أحد أركان ما يُستند عليه في اﻹتفاقيات!. يقول الله تعالي : وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴿٢٢

بعد اﻹنتهاء من بناء خزان النهضة اﻷثيوبي سوف يكون هُناك تحكم في منسوب المياه ويزول عن السودان خطر الفيضان بإذن الله، كما أن السد العالي في مصر حجز عنها خطر الفيضانات، حيث أصبحت الفيضانات هي خير لمصر وليست مصدر خطر، لكنها اﻵن ما تزال مصدر خطر بالنسبة للسودان بالرغم من وجود عدد من الخزانات في النيل في السودان وهي سد الرصيرص والذي يقع مع بداية دخول النيل الأزرق السودان، وسد مروي في شمال السودان، إلا أن سد الرصيرص له مساحة تخزينية محدودة لا تجعله يستوعب كل مياه الفيضان.

هذه بعض الصور أخذتها أثناء زيارتنا لخزان مروي شمال السودان مع زملائنا في الشركة التي كُنت أعمل بها سابقاً:

 

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

وهذا فيديو لخزان مروي

وهذا تقرير من قناة الجزيرة عن سد النهضة:

رأي واحد حول “فيضانات عام 88 في السودان

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s