أوقات الفراغ المتفرقة

السلام عليكم ورحمة الله

منذ أن بدأت أتعمق في اﻹدارة ظهرت لدي مشكلة جديدة، وهي مشكلة عدم المقدرة على الاستفادة من اوقات الفراغ الصغيرة أثناء العمل، ربما كانت هذه المشكلة قديمة، لكن بدأت تظهر اﻵن بصورة أكبر وأصبحت تؤثر على أدائي بصورة كبيرة وتحول دون الاستفادة من جزء لا يُستهان به من الوقت.

لشرح المشكلة، تخيل أن لديك صندوق كبير لكن بسعة محددة، وتريد أن تضع فيه عدد من الصناديق ذات اﻷحجام المختلفة، فإذا وضعتها بطريقة عشوائية فسوف تكون هُناك فراغات لا تستطيع الاستفادة منها كما في الصورة أدناه:

boxes
مصدر الصورة: https://milliefeuille.com/

نفس المشكلة تحدث مع إدارة الزمن: الصندوق الكبير هو وقت الدوام، مثلاً الثماني ساعات، والصناديق الصغيرة هي اﻷعمال المختلفة التي تريد أنجازها داخل هذه المساحة الزمنية.

ما دفعني للكتابة لهذا الموضوع هو أني كنت أنتظر اجتماع بعد صلاة الظهر، وتبقى للصلاة 20 دقيقة، ولدي عمل يتطلب أكثر من 30 دقيقة، فلم استطع الاستفادة من تلك الفترة الزمنية، وذلك بسبب أن بعض اﻷعمال تتطلب إنجازها في وقت واحد دون تقطيع، لذلك بدلاً من محاولة بداية الشروع في ذلك العمل، قمت بتصفح النت واﻹنشغال بأشياء لتمضية الوقت، مع أني كُنت في زحمة من العمل في ذلك اليوم.

هذا الموضوع الذي أتكلم عنه هو عرض لمشكلة لم أجد لها حل، ربما نجد حلول لدى المعلقين، أو ربما أجد حل لاحقاً فأتكلم عنه بإذن الله.

المشكلة هي  أن هُناك بعض اﻷعمال يتطلب إنجازها يوم واحد و وقت متصل، هذه المشكلة يمكن أنها تكمن في نوعية العمل نفسه ويمكن أن تكمن في طريقة مؤديه، أي يمكن أن تكون هذه اﻷعمال قابلة للعمل في أكثر من يوم، لكن من يؤدي هذا العمل لديه مشكلة أو يُمانع أن يُقسم العمل بين يومين. أنا لا أتكلم عن عمل سبيكة معدنية يتطلب صبها كاملة في قالب دفعة واحدة، أو صبة خراصنية يتطلب تنفيذها وقت واحد وإلا أصبحت مجزأة وأصبح بينها تشققات تفصل بين الفترات الزمنية التي تم صبها فيها، لكن أتكلم عن أعمال ليس فيها هذا الحاجز الفني، مثل كتابة برامج، أو كتابة وثيقة، لذلك افترضت أن المشكلة ربما تكمن في من يقوم بإنجاز العمل  هو من وضع لنفسه حاجة أن يقوم بإتمامها في وقت  واحد أو لا يبدأ فيها إذا لم يتوفر له هذا الوقت المتصل.

هذه المشكلة أصبحت تتفاقع علي أكثر، حيث لم اعد استطيع البداية في كتابة برنامج أو جزئية متكاملة منه أو عمل صفحة أو تقرير ضمن برنامج إلا إذا ضمنت أنه لا يوجد لدي مهام أخرى في ذلك اليوم، بل أحياناً أضع شرط أن أبدأ في الفترة الصباحية، أي أن اليوم كاملاً يكون محجوز لهذه المهمة حتى لو كانت تتطلب ساعتان أو ثلاث ساعت فقط، و إذا لم أقوم ببدايتها في الصباح لا أبداها بعد الظهر. كذلك إذا كان في الخطة اجتماع بعد الظهر مثلاً يمنعني هذا من بداية أي مهمة طويلة الزمن في الفترة الصباحية مخافة أن تنقطع قبل تمامها.

أريد أن أعرف هل هذه المشكلة خاصة بي فقط، أم أن هناك من يُعاني من هذه المتلازمة،  نسميها لأغراض هذه التدونية: متلازمة الخوف من إنقطاع إنجاز العمل.  في السابق لم تكن لدي مهام إدارية كثيرة، لذلك كان معظم الوقت هو وقت متصل استطيع إنجاز مثل هذه المشروعات فيه بدون خوف، لكن مع المهام الإدارية والتي تعتمد على اجتماعات مخطط لها، واجتماعات غير مخطط لها، ورد على رسائل بريدية، وتعامل مع مهام إدارية روتينية – مع أنها ربما لا تتطلب وقتاً طويلاً- هذه المهام ينتج عنها فراغات في اليوم، فإذا قمت بتجميعها ربما لا تتجاوز أربع أو خمس ساعات، وتصبح هناك من أربع إلى ثلاث ساعات للفراغ في اليوم لكنها مجزأة، أكثرها يمكن أن يكون ساعة أو نصف ساعة فيكون كل هذا الوقت الثمين المتبقي عرضة للضياع.

الصلاة والطعام وشرب الشاي هذه كلها لا تؤثر على إنقطاع العمل، حيث أقوم بترك العمل معلقاً إلى أن أقضي هذه اﻷشياء، فهي بحد ذاتها لا تجعل اﻷفكار تنقطع، لكن إجتماع لمناقشة مشكلة ما يستمر لساعة أو حتى نصف ساعة كفيل بأن يقطع لك أفكارك، جرب كتابة مقالة أو تدوينة، ثم إحضر اجتماع لمناقشة مشكلة لا تتعلق بموضوع التدوينة وقل لي عندما ترجع للتدوينة كيف تشعر.

في إحدى المرات ناقشنا مع زملائنا الموظفين موضع أن بعضهم يُفضل تطوير البرامج في المساء لأنه فترة ممتدة ليس فيها مقاطعات وتوقف عن العمل، لكن كانت وجهة نظري أننا نحتاج لهذه المقاطعات حتى لا نجلس جلسة طويلة فهي ضارة صحياً، فإذا بدأت العمل في الصباح تأتي استراحة الفطور، ثم نرجع للعمل، ثم تأتي صلاة الظهر، وبعدها بفترة قصيرة صلاة العصر، وبالنسبة لي أُفضل الصلاة في المسجد عن الصلاة في مقر العمل حتى لو كان به مصلى للجماعة، فبالإضافة لأفضلية الصلاة في المسجد عن المصلى يكون هذا الخروج من مقر العمل ورؤية السماء والشارع واستنشاق هواء جديد، يكون بمثابة إعادة شحن للطاقة وتجديد للنشاط وله أثر كبير في كسر الروتين، بعض الناس لا ينتبهون هذه الأشياء، حيث يختلف إدراك الناس بالشعور بالبيئة وما حولهم، بعضهم لا ينظر لهذا التغيير، وبعض الناس له ارتباط كبير للبيئة وتؤثر فيه عناصرها ويبحث عن التغيير فيها والجديد، فتجده ينتبه لتراكم السحب وهبوب الرياح واﻷمطار وغروب وشروق الشمس، وتغيير منازل القمر وتغير لونه وحجمه، كل هذه اﻷشياء يراها من يداوم على الصلاة في المسجد، وكلما كان المسجد بعيد عن البيت أو العمل كلما كانت هُناك فرصة أكبر لنشبع روحنا بهذه العناصر البيئية والجمالية، كذلك الاختلاط بالناس له أثر.

السؤال اﻵن كيف أقضي هذه اﻷوقات التي لا استطيع استغلالها: اﻷجابة هي أني أقضيها في أشياء متفرقة، مثل قراءة مقالات أو مراقبة برامج قديمة تعمل قمت بتطويرها أو قام زملائنا بتطويرها وذلك لشحذ أفكار جديدة عن إضافات أو لمجرد معرفة أنها تُستخدم من قبل مستخدمين ومراقبة أدائها، لكن في معظم اﻷحيان لا أخرج بأفكار جديدة، فكون ذلك الزمن قد ذهب سُدى، كذلك أقوم بقراءة تدوينات عن مواضيع مختلفة، و في قليل من اﻷحيان أشاهد فيديو أو أقوم بالبحث والتنقل في خرائط قوقل لاكتشاف مناقطة جديدة أو مناطق قديمة تم تحديث صور لها، وفي أحيان أخرى استفيد من هذه اﻷوقات بمتابعة زملائنا في العمل في إنجازاتهم وإذا كانت لديهم مشكلة يمكنني حلها أو يمكن أن أنصح بطريقة حلها.

أعتقد أن هذه المشكلة حدثت لي في هذه الفترة الإنتقالية والتي أجمع فيها بين عملين ذوات طبيعة مختلفة: عمل فني يتطلب زمن طويل لإنجازه وبيئة هادئة، وعمل إداري يتطلبت التعامل الآني مع اﻷحداث والاستجابة الفورية لمتلطلبات، فإذا كان العمل فني فقط فسوف لا يكون هُناك فراغات حيث أن كل الوقت يكون متصل، وإذا كان العمل إداري فقط، فسوف تكون كل الأعمال ذات طبيعة منفصلة وأزمان محدودة فيتم إنجازها بالترتيب.

أريد سماع رأيكم ونظرتكم لهذه المشكلة وخصوصاً من يمر بمثل هذه الحالة

تحديث:

أحد الحلول هي إتباع مفهوم العمل العميق، في مقالة لتلخيص كتاب قرأتها اﻵن:

https://bit.ly/2kyjakM

3 رأي حول “أوقات الفراغ المتفرقة

  1. لا أمر بهذه الحالة كثيراً، عندما يحدث ذلك أفكر هل من المجدي إنجاز شيء مقابل تقبل أن هذا وقت فارغ ولا أفعل شيئاً؟ بعض الأيام تكون مزدحمة بالعمل وبالتالي أخذ قسط من الراحة أمر ضروري، لكن في الغالب أجد نفسي أفعل أشياء صغيرة، قراءة مقالات من المواقع، قراءة صفحات من كتاب، إن وجدت فرصة للحديث مع شخص حتى لو كان غريباً سأفعل ذلك، المهم هنا ألا أبدأ عملاً جاداً، أعمال صغيرة فقط.

    ذكرتني بما قاله ابن الجوزية (أو هو ابن الجوزي؟) عن فعل المفيد في أوقات غير مفيدة، كأن يحدثه شخص في أمور غير مفيدة فيستمع وهو يعد أقلامه وأوراقه، أمر يجب إنجازه على أي حال، فلم لا يفعل ذلك عندما يجلس مع الناس؟ هذا كلام قرأته قبل ما يزيد عن 20 عاماً، علي إعادة قراءة هذه الكتب 🙂

    1. نعم الحل أن لا يكون عملاً جاداً حتى لا ينقطع في تلك الفترة الصغيرة، وعلينا البحث عن أشياء تأخذ وقت قليل نتركها لمثل هذه اﻷوقات

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s