رحلة إلى مدينة شندي

السلام عليكم ورحمة الله

بعد أن فاتتني رحلة إلى شمال السودان تكلمت عنها في تدوينة سابقة، جلست أخطط لرحلة بديلة، فخططت أكثر من مرة لكن بدون نجاح للسفر إلى الشمالية بالسيارة لرحلة تمتد إلى أكثر من 400 كلم لقطع صحراء غرب النيل. وبعد أن تعذرت تلك الرحلة فكرت في مدينة أقرب وهي مدينة شندي التي تبعد عن الخرطوم أقل من 200 كلم مع محاذاة الساحل الشرقي للنيل، وهي مدينة لم أزرها من قبل، إنما مررت بالقرب منها أثناء السفر لمدينة بورتسودان.

كادت أن تفشل تلك الرحلة بسبب أني لم أجدد شقة، فأعدت تفعيل حسابي المجمد في الفيسبوك للبحث عن شقق معروضة للإيجار لكن لم أجد، فأرسلت طلب اشتراك في مجموعة باسم شندي، وكانت الخطة أن نسافر يوم الخميس، لكن إلى يوم الأربعاء لم أجد أي حلول فألغيت الرحلة وبدأت أخطط لمشاريع أخرى في إجازة نهاية اﻹسبوع. لكن في منتصف اليوم  وجدت إشعار بقبول الاشتراك في مجموعة شندي، فسارعت بطلب رقم شخص لديه شقق في مدينة شندي، فوجدت رقم هاتف لأحدهم، فطلبت منه الحجز يوم الخميس إلى السبت صباحاً. ورجعت باكراً إلى البيت للتجهيز لهذه الرحلة المفاجئة، وأعني بباكراً قبل صلاة المغرب.

أحياناً التخطيط الطويل وإعادة التخطيط والتفكير في المشاكل والعقبات يحول دون تنفيذ مثل هذه الخطط، فكان التوكل على الله ثم السرعة في اتخاذ القرار من أهم أسباب النجاح لهذه المهمة، ولم أخبر إلا قليل من الناس بهذه الخطة وفي الساعات اﻷخيرة قبلها. وكانت هذه أول رحلة سفر لي مع أبنائي بالسيارة، لم أكن متأكد من أنهم سوف يتحملون السفر بالسيارة ولم أتأكد من تتحمل سيارتي القديمة هذه الرحلة، فكان الفاصل هو صلاة الاستخارة، كما صليتها من قبل للسفر للشمالية ولم يكتب لنا الله تلك الرحلة لخير لم نعلمه، أما اﻵن فقد يسر لنا الله السفر، فلم نشك في أن هذه الرحلة سوف تكلل بالنجاح والتوفيق بإذن الله.

shendi

كانت الخطة أن نخرج من البيت باكراً حوالي الثامنة أو الثامنة والنصف صباحاً حتى نخرج من الخرطوم قبل حلول زحمة السير، لكننا تأخرنا كثيراً في التجهيزات فخرجنا من البيت الساعة العاشرة صباحاً، فصادفنا بعض الزحمة في الطريق ولم نصل إلى طريق السفر والخروج من الخرطوم إلى بعد أكثر من ساعة مما زاد زمن الرحلة، وكان الجو بارداً وهو مناسب للسيارة و يقلل من احتمال تعطلها والذي يمكن أن يحدث بسبب ارتفاع درجة الحرارة.

عندما خرجنا من الخرطوم وتركنا كل الهموم وما تجره المُدن من تلك الدوامة، أحسسنا بالارتياح، خصوصاً أن يوم الخميس يوم عمل وهو يوم مزدحم، وبالنسبة لي فقليلاً ما أغيب عن العمل، لذلك كان إحساس أننا في إجازة وباقي الناس يعملون أحسست أن هذا فضل من الله بأن متعنا بهذا اليوم دون غيرنا. كنت أود الهروب من الروتين والقيادة إلى طريق طويل وأنظر إلى الفضاء الصحراء والجبال بصحبة أبنائي وأريهم مناطق جديدة من هذا القُطر بدلاً عن المناظر والشوارع التي ألفناها لعدد من الأعوام، فالتغيير له طعم، بأن نرى أرض غير أرضنا وسماء مفتوحة وهواء مختلف عن هواء المُدن المليء بعوادم السيارات وأن ترتاح آذاننا من اﻹزعاج، وبالتالي تتغير نفسيتنا إلى اﻷفضل.

بدأت أثناء الطريق تظهر لنا الجبال والتي لا نراها في الخرطوم واﻷودية وبعض الأشجار والشجيرات على جوانب الطريق، خصوصاً في اﻷودية، فسألت أبنائي عن تلك المنطقة من ناحية طبيعة جغرافية فقالوا أنها من نوع السافانا الفقيرة – حسب ما درسوا في العلوم- لكنها كانت غنية مقارنة بطريق غرب النيل إلى مدينة مروي والتي نخطط للذهاب لها في وقت ما إن مد الله في العمر.  توقفنا في منتصف الطريق في منطقة جبال البكّاش في مطعم بنفس الاسم، للفطور، ثم واصلنا السفر فشعرنا بالتعب بعد فترة فتوقفنا يمين الشارع قبل مدينة شندي وجلسنا قليلاً في منطقة عالية مطلة على بعض القرى المنخفضة والتي تظهر من بعيد وبها أشجار فأعجبنا ذلك المنظر لذلك اخترناه للتوقف فيه ومكثنا نستكشف المنطقة وكان الهواء عليلاً مع أن الساعة كانت الثانية ظهراً.

shendi-road

بعد تلك الاستراحة واصلنا السير إلى أن دخلنا إلى مدينة شندي ووصلنا إلى الشقة وكانت في وسط السوق، صلينا الظهر والعصر جمع تأخير، حيث أخدت الرحلة أكثر من أربع ساعات، بعد ذلك فتحت خريطة قوقل في الهاتف حتى أعرف أين نحن في مدينة شندي وأين النيل، فوجد معلم أثار انتباهي مكتوب عليه (محرقة إسماعيل باشا) فقلت لهم هيا نذهب لنرى تلك المحرقة، فخرجنا قبل أن نرتاح من السفر مستخدمين خرائط قوقل إلى أن وصلنا إلى ميدان يلعب فيه بعض اﻷولاد فسألناهم فدلونا على مكانها، فوجدنا ميدان لم نعرف بالضبط أين كانت المحرقة، ولم تبقى منها شيء يُذكر وهناك أختلاف حول مكانها بالتحديد. ولم أسمع بهذه الحادثة من قبل لكن أبنائي قالوا أنهم درسوها في التاريخ وقصوا لي حكايتنا بأنه في عهد احتلال محمد علي باشا للسودان جاء ابنه إسماعيل ليفرض ضرائب على السودانيين فأحرقوه هو وجنوده في مدينة شندي.

تجولنا في مدينة شندي وعبرنا نهر النيل إلى الضفة الغربية وتجولنا في تلك المنطقة مروراً بالمزارع إلى أن غربت الشمس فشهدنا الغروب في أرض مفتوحة لم نتعود أن نرى غروب مثله في الخرطوم. في صباح اليوم التالي توجهنا إلى منطقة البجراوية والتي بها إهرامات المعروفة بإهرامات مروي أو إهرامات البجراوية، وكانت على بعد خمسين كيلومتراً شمال مدينة شندي، توجهنا إليها في الصباح الباكر وكان الجو بارداً. كانت الإهرامات بعيدة عن الشارع، وبعد أن وصلنا إليها كان الطريق من موقف السيارات إلى داخل منطقة اﻹهرامات طويل كذلك. خاف ابني الصغير – محمد – كثيراً من اﻹهرامات وكان يُصر من البداية على عدم الذهاب إلى الإهرامات ظناً منه بأن بها مومياءات، فأقنعناه بصعوبة أن يخرج من السيارة والذهاب معنا وأن يراها من بعيد.

لم نمكث في تفقد اﻹهرامات وقتاً طويلاً وتوجهنا بعدها إلى جبال مطلة عليها والغريب أن الجبال والصعود إليها أعجبنا أكثر من رؤية اﻹهرامات، لكن كان الجو بارداً والهواء شديد عندما بلغنا قمة الجبل فلم نستمتع كثيراً برؤية المنظر من قمة الجبل، كانت الجبال رملية وبها صخور لها نفس الاتجاه، لم نعرف كيف تكونت تلك الجبال هل هي بركانية أم كيف تشكلت تلك الصخور وكان لها هذا الميلان المطابق، فهذه أية من آيات الله لا نراها كل يوم ولم نر مثلها. رجعنا مسرعين حتى نُدرك صلاة الجمعة في مدينة شندي، ثم بعدها توجنا مرة أخرى لمنطقة غرب النيل بعد أن فطرنا وصلينا. ثم زرنا مدينة المتمة التاريخية و تجولنا في مزارعها.

صحينا السبت صباحاً على أن نُسافر في الثامنة أو الثامنة والنصف صباحاً للرجوع للخرطوم ، وبعد أن استعدينا ووضعنا كل أمتعتنا في السيارة، حاولت تشغيل السيارة فلم تعمل، حاولت عدة مرات وساعدني أحدهم حتى نفذت طاقة البطارية من كثرة المحاولات، ذهبت أبحث عن شخص لمعالجة تلك المشكلة الكهربائية في السيارة، فوجدت أحدهم، لكن تأخرنا بسبب أن البطارية نفذت طاقتنا فشحناها فترة طويلة ، ثم أعدنا تشغيل السيارة بعد عدة محاولات أخرى وكانت المشكلة أن أحد الأسلاك أو المقابس انفصل فكان الحل بفكه ثم إعادة توصيله مرة أخرى، لكن كان هذا الاكتشاف والحل بعد أربع ساعات. في البداية خفت أن نمكث يوماً إضافياً وأغيب عن العمل يوم اﻷحد ويغيب أبنائي عن المدرسة، لكن تذكرت صلاة الاستخارة فلم أشك أن السيارة سوف تعمل وأننا سوف نرجع بالسلامة.

كنت أخاف أن يستمر العطل واﻹصلاح إلى ما بعد منتصف اليوم فندخل الخرطوم في الليل والطريق الذي سلكناه لا يُشجع للسفر في الليل خصوصاً لشخص لا يعرفه وغير متعود للسفر فيه، لكن الحمد لله خرجنا من شندي في وقت يسمح لنا بالدخول إلى الخرطوم قبل مغرب الشمس، ومع تلك العجلة ومسابقة الشمس إلا أننا استمتعنا بطريق العودة وتوقفنا في نفس المطعم في جبال البكّاش ثم توقفنا مرة أخرى في أحد الجبال الصخرية حتى نتسلقه ومكثنا بجواره مدة قصيرة من الزمن ثم عاودنا طريق الرجوع من السفر. عند المرور بالطريق الدائري والذي يمر بالقرب من مصفاة قرّي وجدنا عدد من الشاحنات الذاهبة إلى المصفاة أو المحطة الحرارية وبها فحم حجري وكان يتساقط من بعضها الفحم، فأردت أن أتوقف لرؤية الفحم الحجري لأول مرة ورؤية ذلك المعدن الذي سمعنا عنه كثيراً، لكن للأسف لم أتوقف في الوقت المناسب إلى أن أختفى أثر الفحم المتدفق من جوانب الطريق، وكان هذا من اﻷشياء التي تأسفت عليها وفاتني استكشافها في تلك الرحلة.

مع أنها كانت إجازة صغيرة – حيث أخذت يوم واحد فقط إجازة من العمل بالإضافة إلى يومي إجازة اﻹسبوع- إلا أن أثرها كان كبيراً، واستفدنا استفادة كبيرة من الزمن، لم تكن إجازة للراحة إنما كانت للاستكشاف لذلك استغلينا كل الوقت الذي نستطيع  ولم نشعر بالتعب البدني رغم كل هذا المجهود وعدم الراحة وذلك لأن معظم طاقة الشخص تكون نفسية أكثر من كونها بدنية. أضافت إلينا تلك الرحلة مدينة جديدة زرناها لأول مرة وطريق جديد وجبال أمست لنا فيها ذكريات مصورة ومعلومات جغرافية وتاريخية جديدة يستفيد منها أبنائي بطريقة أفضل من مجرد دراستها من ناحية نظرية في كتاب مدرسي أو حصة مدرسية، إنما كانت معلومات يعيشونها ويحسونها ببعدها المكاني.

هذا ألبوم للصور من منطقة البجراوية، وبعده بعض الفيدويهات من الطريق والجبل الذي صعدنا عليه بالقرب من اﻹهرامات:

pyramids

4 رأي حول “رحلة إلى مدينة شندي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s