الموازنة بين اﻹنتاجية واﻹنسانية

السلام عليكم ورحمة اللهcofee

تعودت أن أكتب مقالات في هذه المدونة أيام الجمعة صباحاً، وفكرت أمس قبل أن أنام ماذا سوف أكتب، ولم أجد شيء، كذلك في الصباح لم أجد ما أتكلم عنه. وقد تعودت أن أكتب بعد أن تأتيني فكرة أو خاطرة أو موضوع يستفزني للكتابة عنه، لذلك في بعض اﻷسابيع لا أكتب لأني لم أمر بخاطرة أو فكرة تستحق أن تتحول إلى مقالة، وأحياناً تأتي بعض اﻷفكار لكنها لا تتخمر وتموت في منتصف طريقها للإخراج، حيث أن الكاتب هو مُخرج لديه سيناريو لابد أن تُحبك أطرافه حتى يكون له فائدة مُصاغة بطريقة لها أثر ووقع في نفس القُراء والمتابعين.

بعد أن عدلت عن الكتابة انشغلت بأشياء أخرى  وذهبت للسوق لشراء بعض متطلبات اﻹسبوع، ثم رجعت وشاهدت بعض الفيديوهات في اليوتيوب وكان آخرها فيديو- من اقتراحات يوتيوب- يشرح طريقة عمل خبز في البيت، فأسرعت مع أبنائي أن نقوم بعمل هذا النشاط بدلاً من أن نُشاهد فقط ولا نفعل. فكان أن تشاركنا في صنع بعض الخبز، وكانت طريقة بها تفاصيل كثيرة وأخذت وقت طويل وكان بعضها يحتاج لمجهود كبير في عمل العجين وجعلها متماسكة، فهي نشاط بدني متعب لكنه يعود بفائدة بدلاً من الرياضة التي تكون من أجل الرياضة فقط، بعض اﻷعمال هي عبارة عن رياضة مستمرة. كل هذا المجهود والوقت نتج عنه عدد معدود من الخبز ربما لا يتجاوز العشرة، وبتكلفة أعلى بكثير من شراءه من المخبز، فعرفنا ما كان يكابده القدماء لصنع حاجياتهم البسيطة واستيقنا أن التخصص والتقنية قد ساهمت في تقليل التكلفة والزمن الذي هو أغلى شيء، فبدلاً من أن يصنع كل شخص ما يحتاجه بنفسه نترك لكل شخص تخصص واحد، فبدلاً من صنع الخُبز في كل بيت وضياع آلاف الساعات في تجهز رغيفات قليلة منه، نترك اﻷمر للمتخصصين وللأفران اﻵلية التي تُنتج عشرات اﻵلاف في وقت أقل من صنع عشرة رغيفات في البيت. وهكذا نطبق الفكرة مع كل التخصصات في نواحي الحياة المختلفة، وهذا ما تتجه له المدنية والمجتمع المتمدن بخلاف المجتمع الريفي الذي يميل لأن يستقل كل شخص بذاته وتكون لديه مصادر مؤونته واكتفائه ذاتياً. هذه الفكرة اﻷولى التي جائت بعد اﻹنتهاء من عجن دقيق الخبز وتركه يتخمر، و لتتخمر معها فكرة المقالة هذه.

الخاطرة والفكرة الثانية التي جائت كانت عكس اﻷولى، وهي بسبب أن هذا النشاط لم يكن متعباً فقط، لكن كان به جانب من المتعة والتغيير وتجربة شيء جديد غير معتاد في الروتين اليومي، ومناقشة تفاصيل هذه العملية من خميرة وفائدتها وعملية التخمر وثاني أكسيد الكربون الناتج من التخمر والذي ينفخ الخبز، واﻷعمال التي تحتاج مجهود رياضي، وأنواع الدقيق المزروع في بلادنا والمستورد حيث مزجناهما ببعض، كل هذه النقاشات والأفكار صاحبت هذا النشاط، ثم رائحة الخبز وهو ينضج في الفرن وهذه الرائحة لا نشمها عندما نشتري خبز جاهز من البقالة أو المخبز، ثم طعمه المختلف. الفكرة الثانية كانت تقول أن المجمتع المدني المبني على التخصص والإنتاجية والاستهلاك لا يترك لنا مجال لنتمتع بمثل هذه النشاطات، هو يفترض أن كل شخص عليه أن يستثمر فقط في تخصصه، فالطبيب عليه فقط دراسة الطب وممارسته ولا يلتفت لشيء آخر، والمهندس المعماري عليه بدراسة متطلبات مهنته وأن يتقنها وأن يُنجز لنا مباني يُعتمد عليها بأفضل المواد وأقل التكلفة وبمنافسة عالية و سباق مع الكل. هذا المجتمع وهذه الطريقة لا تشجع على تعلم مهارة أخرى غير التخصص، وفي المقابل تُساعد بل تُشجع على الاستهلاك، مثلاً الطبيب إذا تعطلت أو تقادمت سيارته عليه شراء سيارة جديدة ولا يضيع وقته في صيانة تلك السيارة لأن وقته مخصص فقط للطب، والمهندس ليس عليه أن يتعلم عن الصحة واﻷمراض وطُرق الوقاية منها، عليه أن يُوكل ذلك اﻷمر إلى الطبيب حتى إذا كان المرض نزلة برد، وحتى المبرمج إذا تعطل جهاز اللابتوب الخاص به عليه أن يصلحه عند فني متخصص لأن تخصص البرمجة لا يشمل إصلاح العتاد.

الطريقة اﻷولى والتي تُشجع الفرد على الاستمتاع بالنشاطات المختلفة وتنمية مهاراته في أشياء كثيرة لا تستقيم معها الحياة بمتطلباتها المتسارعة ولا تستقيم معها المدنية، هي تصلح للمجتمع الريفي فقط، والطريقة الثانية هي استهلاك للفرد مقابل أن يكون منتنجاً ومقابل أن يكون هناك لحاق بالمنافسة والتطور، فما هو الحل، وماهو عكس مفهوم اﻹنتاجية هذا؟ أنا أعطيته إسم اﻹنسانية لغرض هذه المقالة، حيث أن الإنسان بطبيعته ليس آلة وليس مَلك من الملائكة يُنفذ فقط ما خلق لأجله بدون تفكير، اﻹنسان لديه خيارات وتفكير وقرارات ويمل من التكرار ويحتاج لأن يرى الجمال ويستكشف ويستمتع بالحياة ولم يُنكر الله علينا هذه الطبيعة حيث قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿٦ وهذه من نعم الله عليها فلا بد أن نستشعرها ونتذوق طعمها قبل أن تذهب هذه المدنية بأعمارنا وتفوت علينا كثير مما لم نرى ولم نُجرّب.

رحلتي إلى مدينة شندي التي تكلمت عنها في المقالة السابقة شعرت فعلاً كم نحن محبوسون في مكان محدود في خريطة العالم وروتين مكرر في حين أن هذه الطبيعة والجمال والتغيير ليس بعيد عنا لكنه كان مخفي لأعوام عديدة، نحتاج كل مرة أن نخرج لنستنشق بعض الهواء كما يفعل الحوت عندما يخرج من أعماق المحيط ليرتشف رشفة كبيرة في لحظات قليلة لتعينه على الاستمرار في الغوض في الأعماق مرة أخرى.

أنصح بتجربة أشياء في غير ما نتخصص به إذا لم تكن بها خطورة كل فترة، مثلاً كل إسبوع، خصوصاً من لديه أطفال يُريدهم أن يتعلموا بطريقة عملية وليس نظرية هذا يفتح أفقهم وهو تغيير أفضل من بعض النشاطات الأخرى التي نقضي فيها وقت دون أن نفعل شيئاً بأيدينا

8 رأي حول “الموازنة بين اﻹنتاجية واﻹنسانية

  1. هذه التدوينة رائعة صدقاً!
    شكراً لمشاركتها 🙂
    أحب فكرة العمل باليد بدلاً من العمل بالآلة خصوصًا في الأشياء البسيطة و مشاركة الأطفال بهذا العمل ، و أحببت طرح موضوع التخصصات و عدم تكريس نفسي فقط لتخصصي الجامعي… في بداية دراستي الجامعية كنت أقول لنفسي دائماً أن تخصصي الجامعي ليس هو محور حياتي و لن أنقطع عن مطالعة و تجربة الأشياء الأخرى التي أحبها لمجرد إني أتخصص فقط في مجال ما و ربما كان هذا أيضاً محاولة مني لإقناع نفسي بدراستي و ما اقوم به في حياتي في هذه

    الفترة
    شكراً مرة أخرى على مشاركة هذه الأفكار🙂

  2. ذكرتني بأشياء فعلتها في طفولتي، والآن أقوم بممارسة بعض الأمور المتعلقة بالدراجات الهوائية من صيانة وتنظيف والرد على اسئلة المبتدئين، أيضًا تعلم مبدأ (افعلها بنفسك – DIY)، التدوينة جزء كبير منها اتفق معك فيه، خاصة نقطة كسر الروتين والتوازن بين ما نعمل وما نحب، نقطة هامة نحن لم تكن هذه الأمور مختفية عنا أعتقد نحن من تجاهلنا هذه الأشياء تأثرًا بالسلب بالمدنية والثورة الصناعية.

    1. الدراجات الهوائية من هواياتي منذ الطفولة، وأتمنى أن أرجع لها اﻵن، لكن للأسف الخرطوم أصبحت ليست مناسبة لقيادة الدراجات من طُرق ضيقة ومزدحمة بالسيارات، لكني أنتظر أن يكبر أولادي فأشتري لهم دراجة أكبر من دراجتهم الحالية فأقودها معهم في الحي، في اﻹسبوع الفائت بدأت أتابع يوتيوبرز يسافران في أفريقيا بدراجاتهم الهوائية (رجل وأمرأة) وكذلك شخص آخر أسترالي يسافر بدراجة أحادية unicycle، وهي أشياء مشجعة للعودة لتلك الهواية، لكن أحياناً نكتفي بالمشاهدة فنكون كأننا قد مارسنا تلك الهواية بالفعل.
      وكلامك صحيح نحن من تجاهلنا هذه النقطة عند التحول إلى المدنية، لكن النظرة كانت مختلفة، وهي الاتجاه إلى الراحة وتوفير الوقت ولم يفكر اﻹنسان حينها أنه سوف يفقد جزء من إنسانيته بتعمقه في التخصص، بل نظر إلى أنه متجه إلى الراحة، ثم رجع بعضهم إلى بعض هذه اﻷمور في شكل هوايات

      1. أسعدني نيتك للعودة للدراجات الهوائية، ونيتك لتشجيع أطفالك على ممارسة هذه الرياضة والهواية الرائعة، من أمنياتي الترحال بالدراجة باءذن الله وشرفت بمقابلة اكثر من رحالة بالدراجة الهوائية حول العالم مروّا على بلدي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s