النشاطات الجماعية والفردية

السلام عليكم ورحمة اللهteam

تكلمت قبل تسعة أعوام عن الفرق بين العمل الجماعي والفردي بطريقة حيادية، تعكس حالتي حينها، حينما كُنت موظف أو شخص في بداية استقلاله الوظيفي، لكن اﻵن تغير الوضع بعد أعوام من العمل اﻹداري، عرفت أهمية العمل الجماعي، لذلك سوف يكون الحديث فيه تحيّز لصالح العمل الجماعي بناءً على تجربة، لكن مع تعاطف مع النشاطات الفردية، وفي هذه المرة غيرت الإسم من عمل إلى نشاط وذلك لأن النشاط أكثر عمومية من العمل، فيدخل في النشاط الترفيه مثلاً، وهذا ما دفعني لكتابة هذه المقالة.

إذا بدأنا بالجانب الترفيهي فنجد أن النشاطات الجماعية يكون لها طعم أفضل وذكريات أكثر رسوخاً، تخيل شخص ذهب إلى رحلة مع صديق، أو صديقين مقارنة بشخص ذهب مع عدد كبير من اﻷصدقاء أو كل زملاء العمل، أو رحلة عائلية مقارنة برحلة فردية أو بها أفراد قليلون، فنجد – حسب تجربتي- أنه كلما كان العدد كبير كان الاستمتاع والفائدة من الرحلة أكبر. لكن في المقابل نجد مثلاً من يقدم محتوى مرئي ويُسافر لوحده أو معه شخص واحد أو إثنين، فنجد أنه يستمتع بالسفر لكن أحياناً يشعر بالوحدة، فنجده يملاء فراغه بالكلام أمام الكاميرا مخاطباً آلاف المشاهدين، ففي هذه الحالة دافعه لتلك الرحلة وتخطيه للمصاعب ساهم فيها العدد الكبير من المتابعين والمشاهدين، فكلما كان عدد المشاهدين أكثر كانت صعاب المغامرة تستحق العناء وتسهل لشعوره بروح الجماعة. في كثير من اﻷحيان عندما يعجني محتوى – خصوصاً المرئي- لا استمتع به إلا عندما أشاهده مع غيري من الناس، سواءً العائلة أو اﻷصدقاء، وفي بعض اﻷحيان أعيد ما شاهدته لوحدي لأشاهده مرة أخرى مع الجماعة لأن الشعور يكون مختلف وأثر ذلك المحتوى والتعليقات والتفاعل يكون أكبر. في أحيان أخرى عندما أجد محتوى جيد أتوقف عن مشاهدته وأدخره إلى الوقت الذي أتواجد فيه مع أبنائي فأحفظه لمشاهدته لاحقاً، لكن أحياناً يكون الوقت ضيق مثلاً وليس لديك نشاط آخر أوأن الشخص ليس لديه رفقة وهو لا يريد أن يتعطل عن الاستفادة من المحتوى، في هذه الحال ليس لنا إلا أن نتعاطف معه أو نتعاطف من أنفسنا بأننا وحيدون – وهذا يحدث كثيراً حتى لشخص اجتماعي محاط بالناس- .

بالنسبة للعمل فحسب تجربتي اﻹدارية فإن العمل الفردي دائماً ينتج عنه إحراج للمؤسسة عندما يغيب الشخص الذي يعمل لوحده في هذا العمل أو المشروع ولا يتوفر شخص آخر يحل محله ويعرف كيف كان يعمل زميله الغائب. وكتجربة آخرى في العمل الجماعي أنه كلما كانت هُناك جماعة كبيرة في مشروع يكون التشجيع على الاستمرار فيها أعلى، مثلاً توجد طريقة في البرمجة تُسمى pair programming وهي أن يعمل مبرمجين أو أكثر على برنامج واحد، ويكون شخص واحد هو الذي يكتب في الكمبيوتر والثاني والثالث يشاهدوه ويوجهوه أثناء كتابة البرامج ويفكروا معه وينتبهوا للأخطاء ، فحسب تجربتنا يمكن أن يعمل المبرمج  أربع ساعات فقط في اليوم ثم يمل، لكن باتباع تلك الطريقة الجماعية يمكن أن يستمر ثماني ساعات بدون أن يمل من كتابة البرنامج.

قابلني كثير من المبرمجين ممن لا يحبون العمل الجماعي ولا يحبون أن يكون معهم شخص آخر أثناء كتابة كود البرامج، لكن حسب ما شهدت فإن هؤلاء اﻷشخاص لا يتطورون إدارياً ولا يستطيعون قيادة فُرق برمجية، بل تصبح برامجهم عبئاً على المؤسسات لإنعدام روح الجماعة والاستمرارية فيها، فعندما يترك تلك المؤسسة تموت تلك البرامج والمشاريع التي كان يعمل فيها لأنه لا يوجد شخص آخر شاركهم لذلك لا يحمل هم تلك المشروعات والأنشطة شخص آخر.

الفاصل في هذا الموضوع وهذه الخيارات ليست التجربة فقط، إنما نرجع لنرى ماذا قال الله تعالى و قال رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن. فنجد أن الله تعالى يقول وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ”. فمن رحمة الله ومن نعمه أن ألف بين قلوبنا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يد الله مع الجماعة“، وقال ” عليكَ بالجماعةِ فإنَّما يأكلُ الذئبُ منَ الغنمِ القاصيةَ” وهي المنفردة، و في العبادة فإن بعض العبادات يكون فيها الجماعة أفضل مثل الصلاة المكتوبة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة” أما صلاة النافلة فهي فردية ويمكن صلاتها في البيت، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً”، كذلك فإن الصدقات عبادة فردية، والدعاء، بل اﻷفضل فيها اﻹخفاء، والحج من العبادات الجماعية، بل هي أعظم جماعة يجتمع فيها المسلمون.

فنجد حسب ما يوصي به الدين فإن اﻷفضل هي الجماعة، لكن هُناك وقت للفردية في بعض النشاطات حيث يكون أدائها أفضل من أن تكون جماعة.

قرأت كتاباً عن الشبكات وقرأت فيها اقتباساً يقول “أن أهمية الشبكة تزيد بطريقة أُسيّة بزيادة عدد المستخدمين”، لذلك نجد أكبر شبكة هي اﻷكثر قيمة وهي شبكة اﻹنترنت.

يوجد نوع آخر لتأدية النشاطات أو المهام: أن تكون فردية في بيئة جماعية، وهذه عن تجربة، فعندما أعمل في عمل فردي يختلف عندما أكون في البيت أو في العمل، ففي العمل أكون أكثر تشجيعاً واستمراراً منه في البيت. فهذا النوع يمكن تصنفيه بأنه نشاط فردي – جماعي، فتجد أن بعض المقاهي مخصصة للأفراد الذين ليس لديهم مكاتب ويريدون اﻹحساس برسمية العمل المكتبي. ويشابه هذا النوع عكسه: عمل جماعي لكن في انعزال، مثلاً مشروع يعمل عليه أكثر من شخص لكنهم متفرقون كل شخص في مكتب منفصل أو بلد منفصل، فتجد أن به روح العمل الجماعي يُثابر كل شخص أن ينتهي من واجبه الذي أوكل إليه ليشاركه للآخرين.

وصايتي في الخلاصة الاتزام بأفضلية الجماعة لمعظم اﻷنشطة، لكن في النشاطات التي تحتمل اﻷفضلية في النوعين – وهو يريد أن يزيد قيمتها – عليه أن يدرس أيهما أفضل: فإذا كانت الجماعة فاليبحث عن الجماعة، وإذا كان فردياً فيمكنه تأديته فردياً، وإن كان لديه وقت يمكنه تجربة اﻹثنين ثم يقرر أيهما أفضل

5 رأي حول “النشاطات الجماعية والفردية

  1. دائما اقول أن الامة الاسلامية أو العربية أو الشرق الاوسطية في الدرك الأسفل بين الامم بل تحت الدرك الاسفل، لاننا لا نؤمن بالمفهوم الجماعي، هذا كلامي من 30 سنة و مازلت انتظر السنين ان تعلمنا بدلنا من ان نتعلم من تجارب الآخرين.

    راجع تعليقي على مقالتك القديمة.

    1. نعم صحيح، أتذكر تعليقك جيداً،
      المشكلة هي في اﻹدارة وليس في اﻷفراد، يمكن للإدارة تشجيع وتوفير البيئة الجماعية وتقليل الفردية والشخصية في العمل والنشاطات

      1. المشكلة الاساسية في التربية من الاهل ثم المجتمع قبل ان ننتقل للادارة، المدير (انا نفسي تعبت في بث مفهوم العمل الجماعي للافراد لدي)
        لا تسستطيع التغلب على مفاهيم في المجتمع علمتنا اننا لا يجب ان نعمل مع بعض، بل يجب ان نضرب في ظهر بعض، حتى اصبح عرف اخلاقي بيينا، يعني اصبحنا نعيب على الشخص الذي يبحث عن شريك في مشروع مثلاً و نخترع الحجج لذلك.

        انا بدأت بنفسي و بأولادي بتعليمهم العمل الجماعي حتى لو احتاج ذلك إلى التضحية ببعض العمل.

        1. المدرسة نفسها تُشجع على العمل الفردي من طريقة عمل الواجبات الفردية والامتحانات والمنافسة الفردية حتى تكريم اﻷوائل يُشجع على عدم العمل الجماعي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s