اﻹزدحام في حيّز ضيق من اﻷرض الواسعة

السلام عليكم ورحمة الله

استكمالاً لما تكلت عنه في موضوع سابق عن وباء كورونا والرجوع إلى الفطرة، فأريد أن أتكلم عن موضوع آخر مرتبط بهذا الوباء وبُعدنا عن الفطرة، وهو موضوع الإزدحام في المباني، والعمل والموارد، وهو اﻹزدحام في العواصم والمُدن الكبرى.

rular

 لفت نظري موضوع قرأته أمس عن مغادرة أكثر من مليون فرنسي مدينة باريس إلى الضواحي أو خارج العاصمة. هذه باريس التي تغنى لها الشرق والغرب اﻵن أصبحت منفّرة، وسبب شرود نسبة منهم ليس بسبب تفشي وباء كورونا لكن بسبب خوفهم من حالة اﻹكتآب بمكوثهم في منازلهم الضيقة في العاصمة، حيث وصفت إحدى المُغادرات أنها تسكن في شقة بمساحة 30 متراً مربعاً، أي 5 أمتار في 6 أمتار، ففضلت البقاء في الريف الوريف في بيت أهلها الواسع.   في نظري بيت بهذه المساحة هو زنزانة، فلِم نسجن أنفسنا اختيارياً في زنزانة؟ وربما ندفع ثمناً باهظاً على هذا السجن الاختياري. في نظري السكن في شقة أو بيت ضيق ليس فيه سماء هو سجن مهما كبرت مساحته، نحتاج في فطرتنا إلى رؤية السماء واﻹتجاهات اﻷربع، لا أشترط رؤية شروق الشمس وغروبها – مع أن أوقات الصلاة مرتبطة بشروق وغروب الشمس والشفق وتعامد الشمس وزاوية الظل- فهذا صعب حتى في البيوت الواسعة أو العالية في المُدن الكبرى والعواصم.

rular

إذا حسبنا من ناحية جغرافية وإحصائية لبلد متوسط المساحة مثل فرنسا فنجد أن نسبة الكثافة السكانية فيها هي 104 أشخاص لكل كيلو متر مربع، أي لكل مليون متر مربع، أي أن الشخص الواحد لديه مساحة أكثر من 9 آلاف متر مربع، ودولة مثل السودان فيها كثافة السكان فقط 21 شخص لكل كيلو متر مربع، أي أن الشخص لديه مساحة 47 ألف متر مربع، فإذا حسبنا أن ثلاث أرباع هذه المساحة هي مساحات طبيعية من غابات وأنهار وجبال ومساحات عمرانية مشتركة بين الناس من طرق ومرافق عامة، يتبقى  الربع وهو حوالي 12 ألف متر مربع للشخص الواحد أي 100 متر طول في 120 متر عرض مثلاً، هذا للشخص الواحد، فإذا كانت عائلة من خمس أفراد فلديها مساحة 500 متر في 120 متر أي 60 ألف متر مربع! فماذا يبحث الناس عن الزحام!

هل الفطرة السليمة هي تزاحم الناس في العواصم الضيقة أم أن الفطرة السليمة تدفع اﻹنسان إلى البحث عن المكان الواسع حتى نسكن فيه ونتنفس هواء فيه ونجد متسعاً لمساحة عمل تُناسب طموح اﻹنسان ولا تحد قدراته. هل يضطر الشخص إلى المكوث في هذه المُدن المكتظة هروباً من الريف الواسع ليعيش حياة أفضل من الريف! هل يستبدل أحدنا العمل لساعات متوازنة يتخللها راحة وعبادة وساعات للأهل وشمس وهواء بعمل طول اليوم وهواء ملوث وعدوى لتأمين ثمن المسكن والمأكل والمركبة، هل تخدمنا المُدن أم نحن من نخدم المُدن بطريقة السخرة!.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “مروا اﻷقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا” أي أنه أمر الناس أو نصحهم بالتباعد في المساكن وتعويض البُعد  بالزيارات، فبهذه الطريقة لا يتنافس الناس على الموارد.

هذا الضيق والازدحام أصبح بيئة خصبة لانتشار اﻷوبئة، وقد اعتاد العرب قديماً للسكن والتخييم في المناطق الصحراوية، حيث كان بسبب التنقل من منطقة إلى منطقة، أما اﻵن فمازال البعض منهم كنوع من الرفاهية يذهب إلى البر ليخييم أو يخييم أثناء السفر أو الرحلات. في الغرب يتخذ المُيسر منهم بيتاً في الريف يذهب إليه ليقضي إجازة بعيدة عن ضوضاء المُدن. لكن نادراً ما يكون الذهاب هو هجرة من المدينة إلى الريف بصورة دائمة.

المشكلة تكمن في ارتباط العمل بالمدن أو العاصمة، مثلاً في عملنا في البرمجة فإن السوق ينحصر فقط على العواصم، لا يوجد سوق خارج العواصم، سواءً عاصمة البلد أو عواصم الولايات في حال أن البلد بها إقتصاد قوي  وتوزع سكاني كبير في الولايات المختلفة. لكن توجد مجالات عدة لا ترتبط بالعواصم، مثل مجالات الصناعة والزراعة وحتى التعليم، فنجد جامعات في مدن أصغر من العاصمة أو حتى يمكن أن تكون هذه الجامعات أو كليات تابعة لها في القرى اﻷصغر، كذلك فإن مجال الصناعة فإن اﻷفضل فيه أن يكون في المدن الصغرى أو اﻷرياف، حيث اﻷيدي العاملة والتكلفة اﻹنتاجية اﻷقل مقارنة بالمُدن الكبري التي تتطلب تكلفة عالية للمعيش فيها.

في الختام نحتاج لنغير طريقة تفكيرنا في سكننا وعملنا اﻵن، حتى بعد أن ينحسر وباء كورونا بإذن الله فعلينا تغيير البيئة بما تتناسب لتجنب الوباء القادم، أو حتى بدون أن يكون هنالك وباء، نفكر في أن نعيش حياة أفضل من ناحية فطرية وجسدية فالجسد يحتاج للهواء النقي والشمس واﻷنهار والبحار و رؤية اﻷشجار والجبال، نحن لسنا آليين تحتاج إلى كهرباء وإتصال بالشبكة حتى يُتحكم فيها من بعد، نحن بشر خلقنا الله من طين، وطننا هو الطبيعة البكر وهذا الوطن لا يختلف باختلاف العصر الذي نعيش فيه.

3 رأي حول “اﻹزدحام في حيّز ضيق من اﻷرض الواسعة

  1. ازدحام الناس يسهل توصيل الخدمات اليهم، كلما كبرت المدينة كلما ازدادت الخدمات المقدمة وتحسنت نوعيتها وقل سعرها ،اقصد بالخدمات المياه و الكهرباء و المستشفيات و توصيل البضائع (البضائع في المدن ارخص من القرى اذا استثنينا المنتجات المزروعة محليا) والتعليم..الخ، لكن ذلك ياتي على حساب الكثير من الأشياء كما ذكرت انت في التدوينة
    >>إذا حسبنا من ناحية جغرافية وإحصائية لبلد متوسط المساحة مثل فرنسا فنجد أن نسبة الكثافة السكانية فيها هي 104 أشخاص لكل كيلو متر مربع
    هنا ياتي السؤال ما الكثافة السكانية المناسبة للمدن؟

    1. توجد عدة أنواع من المُدن: مُدن الشرق آسيوية والتي يكتظ سكانها اكتظاظاً، تكون المعيشة فيها رخيصة لكن البيئة سيئة، و تنتشر فيها اﻷوبئة.
      وتوجد مُدن على الطراز الغربي بها مساحات واسعة ومنتزهات وبيوت كبيرة لكن بتكلفة معيشة عالية واستهلاك موارد عالي بطريقة غير عادلة مقارنة بنسبة السكان في باقي العالم، مثلاً مرة سمعت أن صناعة السيارات سوف تنتقل إلى الصين وذلك لقلة تكلفة العمال في الصين، حيث أن العامل اﻷمريكي يستهلك 20 ضعف من الموارد مقابل العامل الصيني، ولو عاش الصينيين مثل اﻷمريكان فإنهم يحتاجون لموارد مثل الكرة اﻷرضية أربع مرات.
      وتوجد حلول وسط من مُدن غير صناعية أو مُدن صغيرة فيها بعض التوازن.
      في السودان مثلاً أعجبتني مدينتي بورتسودان ومدينة ود مدني حيث كل منها به عدد سكان يبلغ حوالي نصف مليون، فلا توجد زحام في الشوارع والهواء نقي، أما مدينة شندي فشبه خالية من السكان في كثير من المناطق

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s