المرونة والتكيّف، من متطلبات الحياة

السلام عليكم ورحمة اللهchange

القدرة على التغيير ومعايشة الاختلافات والمرونة في القرارات والقدرة على التعلم وتغيير القناعات، وتبني اﻷفكار الجديدة، كلها أشياء يتطلبها الشخص ليس للنجاح فقط، إنما حتى أن يستطيع أن يحيا في هذا العالم المتسارع والمتغير. من صفات الشخص الناجح والشخص المُبدع هو أن يكون مرن بحيث يتراجع عن قراراته التي أضرت به إلى قرارات صحيحة، ومن خيارات حسنة إلى خيارات أفضل منها، وقناعاته العتيقة إلى أفكار حديثة. ولشرح هذه المفاهيم سوف نتكلم بذكر أمثلة في هذه المقالة حتى يكون الكلام واقعي وسهل الفهم.

تخيل شركة تعمل في مجال تقني مثلاً وحدث تغيير في مجالها، نذكر كمثال مجال البرمجة، حيث تظهر دائماً تقنيات ولغات برمجة جديدة، فكلما سارعت الشركات بالتحول إلى التقنية اﻷفضل -بعد أن يثبت نجاحها- كانت النتيجة أنها تواكب تلك التقنية وتواكب سوق العمل، أما إذا أصرت على التقنيات والمدارس القديمة في طُرق البرمجة وحتى في اﻹدارة فإن تلك الشركة ما تلبث أن تتأخر عن الباقين إلى أن تخرج خارج المنافسة وتتوقف عن العمل. ومن الشركات التي خرجت من سوق العمل التقني هي شركة نوكيا التي كانت رائدة في مجالها، إلا أنها لم تستطع مجاراة تغير انظمة التشغيل الجديدة في الهواتف، وكذلك شركة كوداك التي أفلست بعد أكثر من مائة عام بعد التميز في مجال التصوير، حيث لم تستطع أن تترك إرثها القديم من تقنيات التصوير التي حل بدلها التصوير الرقمي.

أما بالنسبة للأفراد فإن أي شخص يقاوم التغيير والتكيّف في الظروف المختلفة للحياة فإنه يجد نفسه في تدني في مستواه الفني أو اﻹداري، وربما يجد نفسه في النهاية بلا عمل. اعتدنا مثلاً في شركتنا تعيين خريجين جُدد لنُدربهم على التقنيات التي نستخدمها، بدلاً من تعيين أشخاص لديهم خبرة في التقنيات التي نستخدمها أو تقنيات جديدة، وكان أحد اﻷسباب أن الخريجين الجدد هم أكثر تقبلاً للتغير والتعلم و تقبل اﻷفكار الجديدة وتقبل وطريقتنا وتقنياتنا ومدرستنا التي نعمل بها، وعندما نختبرهم تكون أحد الاختبارات هي تعلم تقنية جديدة لنقيس سرعة تعلمهم وتقبلهم لتلك التقنية، مقارنة بأشخاص لديهم خبرة وأحياناً يُصرون على التقنيات التي اعتادوا عليها، فنجد أحياناً من لديهم خبرة أقل مرونة في التغيير، لذلك لا نميل لأن يعملوا معنا. كذلك طبيعة الشخص نفسه لها تأثير على تقبل التغيير والتعلم، فكلما كان الشخص مبدع فنجد أن من علامات الإبداع هو تقبل الجديد وسرعة التكيف، حتى في الظروف الصعبة، فالشخص الناجح والمبدع يعمل رغم العقبات، أما الشخص غير الناجح فدائماً لديه أعذار ولديه عقبات لا يستطيع تجاوزها، أحياناً هذه العقبات يضعها أمامه بنفسه ولم يفرضه عليها العمل. فنجد أن كثير ممن فشلوا في الاختبارات والمشروعات هم أشخاص وضعوا افتراضات غير صحيحة أصبحت عقبات وضعوها بأنفسهم ثم أصروا عليها ولم يبدلوها إلى أن فشلت تلك المشروعات والاختبارات.

بعض من يُسافر إلى دول أخرى سواءً بغرض العمل الدائم أو مهمة مؤقتة أو حتى للسياحة، تجد أن بعض الناس لا يستطيعون التأقلم في كثير من اﻷشياء، مثلاً اﻷكل، تجدهم دائماً يبحثون عن اﻷكل الذي اعتادوا عليه، مع أن هذه فرصة كبيرة لتجربة مأكولات جديدة لا يجدونها في بلادهم والتعرف على ثقافات مختلفة بواسطة المأكلولات الشعبية لتلك البلدة. بالنسبة لي في السفر أُصاب بخيبة أمل عندما أسافر إلى بلد جديد ولا أتذوق فيه مأكلولاته الشعبية، بدلاً من ذلك أُعزم على موائد ومطاعم بها أكل عالمي يمكن أن أجده في بلدي، فلا يكون هُنالك جديد. أما عند أكل المأكولات الشعبية فلا أزال أحكيها للناس عندما أرجع إلى وطني.

شركات السيارات عليها التخطيط لإنتاج سيارات لما بعد النفط، مثل السيارات الكهربائية مثلاً البديلة للتي تستخدم الوقود، وبالتالي محلات الصيانة والفنيين عليهم تعلم ميكانيكا وكهرباء السيارات الكهربية الجديدة وإلا سوف لن يستطيعوا العمل. الكل عليه أن يجهز لتغيير كبير أو صغير في مهنته، أو ربما يغير تخصصه إذا وجد أفضل منه، من قال أن الشخص سوف يعمل في حياته كلها في تخصص واحد! عرفت عدد من اﻷشخاص الناجحين درسوا تخصص معين ثم غيروا مجالهم بعد أن تخرجوا، مثلاً أعرف شخص درس هندسة مدنية وعندما تخرج أشتغل في مجال البرمجة، وقد كان هذا الشخص مديراً لي في أول وظفية لي، وفي النهاية أسس شركته الخاصة التي تعمل في مجال الحلول البرمجية، وشخص آخر درس محاسبة ثم عمل كمبرمج بعد التخريج، وهو من المعلقين في هذه المدونة، وشخص آخر درس طب ثم تحول إلى مجال التجارة وفتح محلاً تجارياً للمعدات المنزلية هو اﻷفضل على مستوى البلد. كل هذه ثوابت نحتاج أن لا نتمسك بها، أعني فرضية أن العمل لابد أن يرتبط بالدراسة أو يرتبط بشهادة علياً.

fuelcellcar

أزمة كورونا التي حلت الآن هي منعطف كبير في كثير من اﻷمور التي اعتدنا عليها بل وتوارثناها بأنها ثوابت، بل ظننا أنها ثوابت من العمل واﻷكل وكثرة الاختلاط بالناس وقضاء كافة متطلبات حياتنا اليومية، اﻵن أصبحت تنكشف على أنها ليست ثوابت وأننا نستطيع تركها مثل السهر والخروج من البيت بعد صلاة العشاء، فأصبح بديلاً عنها المكوث في البيت والنوم باكراً وهي أشياء أفضل لنا. هذه اﻷزمة تتطلب التغيير، فبعض الناس سريع التغيير ويتكيف مع هذا الوضع، بل ربما يجد في الوضع الجديد طريقة أفضل لإنجاز المهام اليومية. وكلما كان المنعطف ذو زاوية حادة تطلب منا أن نكون أكثر تكيفاً، فتخيل سيارة مسرعة وجدت منعطف حاد، فإذا كانت هذه السيارة مهيأة لمثل هذه المنعطفات يمكن أن تجتازه دون جهد كبير، وسيارة أخرى تحتاج تقليل السرعة ثم الانعطاف، وسيارة أخرى ليس بها ممتص للصدمات إذا حاولت الانعطاف يمكن أن تنقلب أو تخرج من المسار، وسيارة تتوقف قبل هذا المنعطف بسبب أن صاحبها غير متعود على مثل هذه المنعطفات، وكما يُقول المثل: الخيل الجيدة تُعرف في المنعطف.

يبقى السؤال هل القدرة على التكيف وتقبل التغيير شيء مكتسب، أم فطري، أم شيء يجب أن نعلمه إلى أبنائنا، أم يتعلمه الشخص بنفسه. للإجابة على هذا السؤال يختلف حسب وضع الشخص: هل هو ما زال في طور التعلم، أم شخص يعلم نفسه بنفسه أم هو المعلم نفسه، ويختلف حسب البيئة أو الحادثة التي تتطلب التغيير: هل هي جائحة أصابت العالم وتتطلب التغيير السريع وإلا كان هُاك خطر على حياتنا، أم هو شيء خاص بالفرد أو البيئة التي نحن فيها، أم هي تقنية ومدرسة جديدة نحتاج إلى أن نتغيير إليها ونحتاج أن نعلمها و لدينا متسع من الوقت.

نحتاج جميعنا إلى تقبل تلك التغيرات بروح إيجابية وليس بإستسلام، وأن نتهيأ إلى كل حدث قبل حدوثه، حيث لا يتفاجأ الفرد منا إلى أن يصل إلى سن المعاش ولا يكون قد جهز له، أو حدوث مرض وراثي له يحدث في عمر معين ولم يضع خطة تعايش معه، وتقنية جديدة سوف تكون سمة العقد القادم، وأسلوب للحياة يساعد على تخطي اﻷزمات القادمة.

في الماضي وردت لنا أخبار أقوام قاوموا التغيير ولم يتكيفوا مع نزول دين جديد يغيير حياتهم إلى اﻷفضل،  فكانت سمتهم الكبر والتعنت واﻹصرار على معتقداتهم القديمة، فتجد أن الله ذمهم في كتابه في كثير من اﻵيات، ولم تمر بي آية إلى اﻵن بها مدح لمن يتمسك بعادات آباءه وأجداده – لكني لست متأكد، يمكنكم تصحيحي في هذه المعلومة- من هذه اﻵيات:

  • وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴿١٧٠
  • قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّـهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٧٠
  • قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿٦٢
  • قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴿٨٧
  • وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ﴿٥١ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴿٥٢ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴿٥٣

اﻷطفال ثم الشباب أكثر مرونة مقارنة بمن هم أسن منهم، لكن يحتاجون لمن يوجههم، وإلا ضاعت هذه الفرصة. أما من تقدموا في العمر فأنهم أقل مرونة وتقبلاً للتغيير، لذلك يحتاجون لمجهود أكبر ليتغيروا، لابد أن يكون محركهم داخلي، ونادراً ما يتقبلون النصيحة من شخص يصغرهم في العمر، لأنهم يحسبون أن الخبرة هي اﻷهم، أحياناً الخبرة تكون عثرة في التغيير، لذلك تجربتنا في تعيين الخريجين الجدد ذوو الخبرة اﻷقل كانت ناجحة لأنهم أسهل في التعليم.

فكرة التكيّف هذه ليس فقط في البشر، بل هي مطلوبة حتى في اﻷحياء اﻷخرى، مثل النباتات والحيوانات، فتجد أن التي تتكيف عند حدوث تغيير في البيئة هي التي تعيش وتتكاثر والتي لا تستطيع التكيف تموت ويمكن أن تنقرض، بل حتى الجمادات، فتجد اﻵلات واﻷجهزة التي تستطيع التكيف في العمل في ظروف مختلفة هي التي تنجح والتي لا تتكيف تتعطل وتُفشّل معها شركاتها التي صنعتنا، وحتى البرامج والمواقع والتطبيقات يكون نجاحها مرهون بتقبلها للتغيير ومرونتها في العمل في بيئات وبلدان وثقافات مختلفة.

هذه فرصة لنا لنصبح أكثر مرونة وأكثر تقبلها للتغير وسنن الحياة الختلفة، حتى نصبح أكثر نجاحاً وأكثر مقاومة نُهيء الجيل الذي نحن مسؤولون عن تنشأته أن يتعايشوا مع بيئة وظروف نحن أنفسنا لا نعرفها ولم تأت بعد.

رأي واحد حول “المرونة والتكيّف، من متطلبات الحياة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s