قصتي مع حاسوب صخر . الجزء اﻷول

السلام عليكم ورحمة اللهSakhr

تعود بداية هذه القصة لثمانينيات القرن الماضي، في عام 1987 م تقريباً، حيث كنت في الصف الأول أو الثاني متوسط في مدرسة النجامية الإبتدائية والمتوسطة للبنين جنوب جيزان أبلغ من العمر أحد عشر أو أثناعشر عاماً. إذاً هذه قصة من قصص الوقوف على اﻷطلال فابقوا معنا.

لخولة أطلالً ببرقة ثهمد       تلوح كباقي الوشم من ظاهر اليد

ذهبنا في عام 1986 أو 1985 عندما كنت أبلغ من العمر عشرة أعوام، في إنتداب لوالدتي من الخرطوم إلى جيزان لتدريس اللغة اﻹنجليزية في مدرسة النجامية المتوسطة للبنات، وسكنا في مدينة صامطة وكانت المدرسة على بُعد 15 كيلو متراً يفصلنا بينها وادي يسيل أيام الشتاء في موسم اﻷمطار، مع أن هذه ليست قصتنا اليوم، إلا أني أردت أن أصف اﻷجواء التي كُنت فيها قبل الحصول على جهاز حاسوب صخر.

كان بالنسبة لي التحدي الكبير هو التأقلم مع نمط حياة جديدة وبيئة جديدة ومجتمع مختلف بعد أن عشت في السودان عشر أعوام واستعد لأن أعيش خمسة أعوام في مدينة صامتة. أكبر تحدي كان هو التأقلم على تلك المناهج المختلفة في الصف الخامس الإبتدائي. حيث بدأت أيامي كلها كدراسة وملاحقة للواجبات المدرسية. واللعب كان فقط يبدأ من يوم الخميس عصراً بعد الرجوع من المدرسة وإلقاء الشنطة  إلى أن نرجع لها يوم الجمعة بالليل لكتابة الواجبات التي أخرتها إلى ذلك الوقت.

كان ما يتوفر لنا من ترفيه ولعب هو التلفاز الذي يفتح في التاسعة أو الثامنة صباحاً ببرامج أفلام الكرتون توم وجيري وبنك بانثر، وغيرها من الأفلام اﻷخرى، ثم المسلسل الكرتوني قصص من حياة الشعوب، أو قصص الشعوب، ثم المسلسل الكرتوني الرئيس وكان وقتها زينة ونحول و إسألو لبيبة، لا أذكر أيهما بدأ أولاً. ثم كُنا نلعب أيام اﻹجازة بكرة القدم.

في ذلك الوقت بدأت لدي هواية الاستكشاف، حيث أصبحت أربط ما أدرسه في حصة العلوم مع اﻷشياء الموجودة في البيت لعمل تجارب بها، وكانت لدينا مكتبة في المدرسة وكنت استلف منها كتاباً كل يوم، فلاحظ الأستاذ المُشرف على المكتبة أني اختار فقط الكُتب العلمية، فأعطاني كتاباً آخر غير علمي عن قصة لا أذكرها، فلما رجعت إلى الفصل سألني زملائي هل سمحوا لك باستلاف كتابين في مرة واحدة! ومنذ ذلك الحين أصبحنا نستلف كتابين في اليوم بدل كتاب واحد، لكني اصبحت أستلف كتابين علميين كل يوم. كان لهذه الكُتب عظيم الفائدة في استكشاف العالم واستشكاف العلوم واﻵلات والاختراعات.

في هذه الأثناء سمعنا بأن هُناك لُعبة فيديو أسمها أتاري، فوعدني أهلي بشرائها لي، ثم بعد فترة أخرى سمعنا بأن هناك شيء أسمه كمبيوتر وهو أفضل من اﻷتاري بل يحتوي أتاري داخله! ففضلنا الكمبيوتر على اﻷتاري. مرت اﻷيام ثم أشترو لي أتاري به ستة عشر لعبة ويُمكن تشغيل أشرطة كارتيردج إضافية به، وجدت قبل أيام موقع به محاكي لنوع هذا الأتاري وسوف أضع في أسفل التدوينة هذه رابط لأحدى اﻷلعاب الشيقة التي كُنا نتنافس فيها مع أصدقائي وهي لعبة الطائرة التي تطير فوق النهر وتفجر الجسور والطائرات والسُفن

 .في هذه اﻷثناء قال لنا أحد معارفنا أن زميله مسافر إلى جدة لشراء حواسيب صخر، فأعطيناه مبلغاً لشراء حاسوب، حيث لم تكن متوفرة في جيزان في ذلك الوقت، فبعد شهر تقريباً وصل هذا الجهاز وكان سعرة حوالي 800 ريال ومعه شريط برنامج اختبر ذكائك، وقد وجدت موقع قبل فترة به برامج  صخر جلست فيه فترة طويلة استرجع ذلك الماضي الجميل، سوف أضع الرابط في الأسفل بإذن الله.

اﻷتاري كان واضحاً أنه جهاز للألعاب، وأظنني لعبت به في أحد المحلات قبل أن أتحصل عليه، أما الكمبيوتر فلم يعرف عنه أي شخص من حولنا عن ماهيته، فقط كنا نتخيل أنه جهاز به معلومات، مثلاً تسأله عن أي شيء ثم يجيبك. إلى أن وصل وكان معه كتابان: دليل المستخدم ولغة البرمجة بيسك. استلمنا هذا الجهاز في مدينة قريبة من جيزان تُسمى أبو عريش، حوالي ساعة من صامتة، فطول الطريق كنت أقرأ الكتاب على ما أذكر للتحضير لتشغليه.

Ax170e
مصدر الصورة: https://www.msx.org/wiki/Sakhr_AX-170

عندما وصلنا البيت وصلته مع التلفاز ثم شغلته، حيث كان جهاز سهل التشغيل وباللغة العربية فظهرت لنا خمس خيارات من البرامج المحملة به وهي: برنامج التقويم الهجري والميلادي، ثم برنامج الرسم، ثم برامج محرر النصوص باللغتين، ثم لغة البيسك. وأذكر أني بدأت تشغيل لغة بيسك واستكشافها من أول يوم، حيث كتبت هذا البرامج:

basic

وكانت مخرجات تلك البرنامج هو كتابة كلمة سعود فقط في الشاشة، في الحقيقة لم أفهم المعني كثيراً وماهي البرمجة، ثم أغلقت الجهاز وفتحته مرة أخرى لأرى هل خُزن هذا البرنامج أم لا، فتفاجأت بأنه لا يخزن ما نكتبه فيه، فكانت هذه خيبة أمل كبيرة، وقرأت في كتاب دليل المستخدم أن هناك طريقين للتخزين: أولهما محرك اﻷقراص، واﻵخر هي مسجل الكاسيت للتسجيل في شرائط عادية، فاشتريت مسجل من نوعية خاصة به المقابس المطلوبة، لكن التوصيلة بين الحاسوب والمسجل لم تكن موجودة فأرسلنا في طلبنا لخالي الذي كان يعمل في الرياض. في ذلك الوقت أصابني بعض اﻹحباط من الحاسوب، لم يكن كما أتوقع أن أسأله عن المعلومات فيجيبني، لم أفهم ماهي الفائدة الحقيقية من كتابة تلك البرامج التي أتعب في كتابتها ثم تنمحي من الذاكرة قبل أن تتوفر لدي وسيلة تخزين. بعدها أتجهت لتشغيل البرامج الجاهزة مثل لعبة اختبر ذكائك، ثم اختبر معلوماتك، وقد فتح محل ليس ببعيد عنا به أشركة كارتيردج للبرامج التعليمية، وكان سعرها حوالي 100 إلى 150 ريال. لكن استفدنا منها كثيراً حيث اصبح الحاسوب جهاز تعليمي يختلف تماماً عن جهاز الأتاري الذي انتشر أكثر منه في هذه الفترة وكان كل من لديه حاسوب يكون لديه أتاري لللعب، حيث لم يكن معروف عن الحاسوب إمكانية اللعب، على اﻷقل لا يُنافس اﻷتاري.

كان هذا الحاسوب له هيبة مقارنة بالأتاري، ولم يكن متوفر عند كل الناس، اصبحت أكلم زملائي عنه في المدرسة، وقد أخبرني أحد زملائي بعد رجوعي للسودان أنه أحب الكمبيوتر واشتراه عندما تخرج من الجامعة بسبب كلامي عنه. لكن كانت هُناك حلقة ناقصة وهي أننا لم نحس أنه هو نفس الكمبيوتر المُستخدم في العمل أو الذي يظهر في التلفاز والذي تأتي معه طابعة وله شاشة خلفيتها سوداء والكتابة باللون اﻷخضر كما كان يظهر في اﻷفلام، كانت تظهر عليه جدية أكثر مقارنة بجهاز صخر الذي كان بين جهاز للتعليم وجهاز حقيقي يمكن الاستفادة منه في اﻷعمال. ومن الجدير بالذكر أن خلفية لغة البرمجة بيسك في جهاز صخر كانت زرقاء والأحرف باللون اﻷبيض، فكُنت في كثير من اﻷحيان أغيير هذه اﻷلوان إلى خلفية سوداء وأحرف خضراء حتى يأتيني هذا اﻹحساس بأنه كمبيوتر حقيقي مثل ما يظهر في اﻷفلام:) تماماً مثل الصورة التالية:

old-monitor

  بعد عدة أشهر أرسل لي خالي من الرياض وصلة للمسجل الذي اشتريته من صامتة، وهو مسجل عادي من نوع سانيو على به ثلاث فتحات : Audio, Mic, Control ، حينها تمكنت من تخزين البرامج والنصوص والرسومات، فكان للحاسوب طعم آخر بعد هذا المسجل فأصبحت أكتب برامج وأسجلها، ثم أزيد عليها في مرة أخرى وانسخ مقالات من كتب ومجلات لتخزينها في الحاسوب

Sanyo_M1010_rear
مصدر الصورة mkvirtual.com

بعدها بدأت أدرك أهمية الحاسوب وإمكانية الاستفادة منه في التعليم. وأود هُنا أن أشكر الشركة التي وقفت ورائه وهي شركة العالمية و شركة صخر والتي كان مقرها الكويت حيث وفرت البرمجيات باللغة العربية لهذا الجهاز الذي صُنع لها في اليابان من شركات يابانية مثل سانيو وياماها، وقد كانت أول شركة تُعرب أجهزة الكمبيوتر، حتى قبل مايكروسوفت، وقد سمعت أن ميكروسوفت قد أخذت المبرمجين من شركة صخر.

في الحقيقة استفاد جيل من شركة صخر والتي كانت على رأسها مؤسسها اﻷستاذ محمد الشارخ ، والدكتور نبيل علي مدير مشروع صخر نسأل الله أن يتقبله ويغفر له مغفرة واسعة بقدر ما أفاد المسلمين. نشكر الشركة لما قدمته من تقنية مفيدة ودخول سهل سلس حيث كان موجهاً للكبار والصغار وكان لا يتطلب مستوى عالي من المعرفة، وكان جهاز مرتّب بطريقة كاملة، ومعظم من رأيتهم بدأوا وتميزوا من جيلنا كانوا قد بدأو مع كمبيوتر صخر وهم لم يتجاوزا الأحد عشر عاماً. إذا قارنا ذلك باليوم فنجد اﻵن أن الجهود مشتتة والتقنيات صعبة ومعقدة و الملهيات كثيرة فلا يمكن بسهولة توفير بيئة علمية وتقنية مُتقنة كما توفرت لنا في ذلك العصر.

في الجزء الثاني سوف أتكلم  بإذن الله عن المواصفات التقنية لهذا الجهاز وعن شريط القرآن الكريم الذي انتظرناه لكننا فوجئنا بسعره الغالي وسفرنا للعمرة بالسيارة من جيزان إلى جدة ومكة. فترقبوا الجزء القادم خلال اﻷيام القادمة بإذن الله.

مُحاكي MSX باللغة العربية

https://www.file-hunter.com/Arabic/

لعبة اﻷتاري:

https://www.retrogames.cz/play_036-Atari2600.php

11 رأي حول “قصتي مع حاسوب صخر . الجزء اﻷول

    1. شكراً أخت لجين.
      في الحقيقة كانت قصص يومية عادية لو كانت في زمانها، لكن بعد أن تقادم عليها الدهر أصبح لها وقع خاص خصوصاً لمن عاش ذلك في ذلك الزمان.

  1. قصة رائعة..قمت بتجربة المحاكي حيث اخذني الى طفولتي أنا لدي جهاز قديم MSX بمسمى كمبيوتر المثالي موجود في مخزن المنزل لكن يحتاج الى محول كهربائي من ١١٠ فولت الى ٢٢٠ فولت ايضا يحتاج لمحول لاسلاك Analog

    1. نعم أذكر كمبيوتر المثالي كان لونه رمادي أو رصاصي، لكن لا أعرف هل هو تابع للعالمية أم لجهة منافسة لها. وكان يدعم اللغة العربية.
      أنت محظوظ كونك تحتفظ به إلى اﻵن، أنا للأسف فقدت جهاز صخر كما سوف نرى في الجزء الثاني

  2. يا سلام قصة عادت بي لنفس الفترة وتتشابه لدرجة كبيرة جداً معي، فقد كان والدي معلم منتدب في دولة قطر خمسة سنوات منذ العام ١٩٨٠ إلى ١٩٨٥ ودرست في مدرسة الخور من الصف الثالث الابتدائي وحتى الثاني المتوسط وفعلا بدايتي كانت بجهاز الاتاري ثم كمبيوتر صخر ياماها AX-350 الذي كان نقطة التحول الكبيرة في حياتي وبالتحديد لغة البسيك.
    لا أريد أن استرسل واطيل ولكن ما احب ان اذكره ان التشابه الأكبر هو أن الأخ معتز هو ايضا ابن منطقتي في السودان وكنا نسكن في نفس الحي وهو صديقي وكنا دائما نتزاور ونتشارك ونتبادل الأفكار حول شغف البرمجة.
    نسيت اقول ان ذالك الجهاز لايزال موجود حتى الآن.

  3. عندما كنا نعيش في السعودية، مدينة الرياض، كان يوجد في مكان عمل الوالد مكتبة للاطفال تحتوي على الكتب والكتب الصوتية وايضا بها اجهزة كمبيوتر مختلفة منها جهاز صخر واجهزة تعمل بنظام دوس (على ما اعتقد)، للاسف لم افكر في استخدامها الا للالعاب.
    من الاشياء التي اتذكرها لعبة عربة القمر وبرنامج اسمه الطريق الى مكة.
    من الاشياء الرائعة وجود مكتبة في المدرسة، انا مثلك كنت احب الكتب العلمية مثل كتب دار نشر ليديبرد Ladybird ، كنت استلفها من مكتبة المدرسة .
    شكرا على التدوينة التي جعلتني استحضر ذكريات جميلة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s