ثلاث أيام في المزرعة

السلام عليكم ورحمة الله

بعد أن مضى رمضان متناسباً مع الحجر الصحي إلا أن العيد لم يكن يتناسب مع هذا الحجر، حيث أحسسنا بفراغ كبير والحاجة إلى الخروج من البيت، خرجنا للمعايدة في اليوم اﻷول، وأحسسنا بملل شديد في اليوم الثاني، لم تكن لدي الرغبة في العمل أيام العيد، فخططت أن نفعل أي نشاط خارج البيت، وكان الخيار هو الذهاب إلى مزرعة اشتراها خالي مؤخراً بعد المعاش – وهو مشروع مناسب جداً لسن المعاش- وهذه المزرعة بعيدة جداً حيث تبعد حوالي 40 كلم من بيتنا، وهذا سبب آخر يجعل الذهاب إليها تغيير كأنها سفر للخروج من جو العاصمة الحزين في هذا الحجر.

ذهبت إلى مزرعة خالي في العام الماضي مرتين فقط، أما هذه المرة فذهبت مع أبنائي ثلاث مرات في إسبوع واحد، فما هو الفرق الذي حدث وكيف اختلف الذهاب والدافع للمزرعة هذه المرة، وربما نعود للذهاب مرة أخرى غداً إن شاء الله.

الاختلاف كان في النشاط، حيث كنت أذهب في العام الماضي للتنزه ورؤية اﻷشجار والمياه وتدفقها في القنوات، لكن هذه المرة كان هُناك حصاد ينتظرنا، حيث زرع خالي البصل في المزرعة لأول مرة، وعند وقت الحصاد لم يجد عمال ليساعدوه، فاقترح عليه أهلنا في العائلة أن يذهبوا عدة أيام لإنجاز هذا الحصاد وتحزيمه في أكياس بل حتى في توزيعه وبيعه حتى يُغطي بعض تكلفة زراعته.

بالطبع لم تكن لدينا خبرة في حصاد البصل، ولم نكن نعرف كيف يكون شكله في اﻷرض قبل اقتلاعه، هل هو داخل اﻷرض أما خارجها، لم نأخذ وقتاً طويلاً في التعلم ثم بدأنا بالحصاد وتجميع المحصول، لكن كان هذا النشاط متعباً بطريقة لم نتصورها، لكن كان ممتعاً جداً. عملنا فقط ساعة أو ربما أقل في فترة الصباح في وقت الضحى قبل أن ترتفع الشمس في السماء. ثم ذهبنا بعدها للفطور وشرب الشاي. والجدير بالذكر أن طعم الأكل والشاي اختلف بعد هذا النشاط الجسدي وفي هذه اﻷرض المفتوحة والبيئة الطبيعية والحياة الفطرية، لا يشبه الأكل أو شرب الشاي في البيت، عليكم فقط أن تجربوه. ثم رجعنا مرة أخرى لحصاد البصل، لكن هذه المرة زادت درجة الحرارة ولم نمكث طويلاً، ربما نصف ساعة فقط، حيث لم تكن أجسادنا متعودة على هذا العمل البدني، عملنا المكتبي جعل منا أشخاص ليس لديهم أي قوة جسدية تُذكر. هذا دفعني للفكرة في كتابة موضوع عن العيش في العالم الافتراضي والعالم الحقيقي، وكنت أنوي كتابته في هذه التدوينة لكن آثرت أن أفصل الموضوعين، واترك هذه التدوينة لقصة الذهاب للمزرعة فقط.

بعد ذلك جلسنا قليلاً في الماء المتدفق من البئر الارتوازية حتى نبرد قليلاً في هذا الجو الذي بدأ يسخن، أما أبنائي فمكثوا يسبحون فيه، فزاد استمتاعهم بهذا اليوم. ثم رجعنا بعدها للبيت متعبين ومنهكين وملابسنا متسخة وأرجلنا مليئة بالطين، اليوم الثاني لم نذهب لمواصلة الحصاد إنما أخذناه للراحة بعد هذا التعب، ثم ذهبنا اليوم الذي يليه، ثم ارتحنا يوم آخر، ثم ذهبنا لليوم الثالث، وربما نخطط لرحلة لليوم الرابع غداً إذا سهل الله لنا هذا اﻷمر.

من اﻷنشطة اﻷخرى في المزرعة غير حصاد البصل وقطف الليمون كنا نزرع بعض الخضار، حيث وجدنا بعض الشُجيرات قد أثمرت وبها حبوب كثيرة كنت أنثرها مرة حول جداول الماء وأغرسها مرة أخرى لأني لا أعرف كيفية زراعتها، الزراعة المنزلية تختلف تماماً عن الزراعة في مزرعة. ونشاط آخر كان تنظيف حوض الأشجار من النباتات الطفيلية، مع أن إبني إياس شكك في فائدة إزالتها أو تأثير هذه النباتات الطفيلية على الشجرة الكبيرة والتي تكون جذورها عميقة داخل اﻷرض لا تؤثر عليها هذه النباتات التي تنمو جذورها في السطح فقط، لكني قلت له أنها ربما تنافسه في المواد المغذية والمعادن التي تتوفر في سطح اﻷرض.

ومن النشاطات الممتعة كذلك هو الري، حيث نفتح مجرى لري صف من اﻷشجار ونغلق مجرى آخر ، وأحياناً ينكسر المجرى فيحتاج إلى ردمه بالتراب، وفي آخر زيارة وجدت أن المياه قد انكسرت وتدفقت خارج المزرعة وتسببت في إغراق شارع تمر به السيارات بين المزارع، فناديت على خالي وعلى بعض الشباب من أهلنا فلم يسمعوني، فكان الخيار الوحيد هو أن أغلق هذا التدفق بالتراب، ولم تكن لدي خبرة في هذا اﻷمر الذي رأيته صعباً ومشكلة كبيرة ولحسن الحظ كان هُناك (كوريك) بالقرب من هذا المجرى، فجلست أجلب التراب وأردم بها حافة المجرى، ولم أتوقع أن ينغلق، فانغلقت بعد بضعة مرات، لكن أنكسر بعدها الجدول في مكان آخر بعده، فسارعت بإغلاقه وبدأت أتعب، وتذكرت المثل الذي يقول: اتسع الفتق على الراتق، فناديت خالي مرة أخرى ولم يسمعني، فأغلقته ثم انكسر مكان آخر ثم أغلقته وأحسست أني سوف أموت من التعب، وأيقنت كم أنا ضعيف بسبب العمل المكتبي. عرفت أني احتاج لمثل هذا النشاط بصورة دورية ليس مرة أو مرتان في الشهر، بل احتاج لهذا النشاط كل اسبوع، لكن أخشى أن يكون حاله حال معظم الخطط التي نتوقف عنها بعد المداومة مرتين أو ثلاث مرات على اﻷكثر.

كمقارنة بين رحلة إلى النيل مثلاً ورحلة الحصاد في المزرعة فإن رحلة المزرعة أفضل بكثير، حيث لا نمل أثناء تواجدنا بسبب أننا ننجز عملاً ذو فائدة، والترفيه مع عمل بفائدة أفضل كثيراً من الترفيه بدون عمل حقيقي. البصل والليمون الذي كان نصيبنا بعد الحصاد والذي رجعنا به إلى البيت كان طعمه مختلف عن البصل والليمون الذي نشتريه، أن تُشارك في الحصاد لما تأكله يجعل طعمه مختلف. اﻷراضي ممتدة في بلادنا ومعظمها فارغة غير مُستغلّة، والماء متوفر بفضل الله، لكن العمل مجهد يحتاج دافع كبير للعمل في هذا المجال، ومن ناحية تجارية يمكن أن يفشل، لكن لابد أن يكون الدافع ليس الربح فقط. كثير من أصحاب المزارع يشكون من قلة العمالة، والعمالة مكلفة جداً لدرجة أنها تتسبب في الخسارة أحياناً للمشروع من ناحية تكلفة الزراعة مقارنة بالربح من بيع المحصول. كان بإمكانهم الاستعانة بالأهل في شكل رحلات لزراعة موسم للخضار ثم حصاده، وصاحب المزرعة يستفيد والأهل يستفيدون فائدتين: يقضون وقت ممتع ونشاط صحي، ويرجعون ببعض الخضروات مما حصدوه. ومن الجدير بالذكر أن هذا النشاط مناسب للجنسين، بل أن النساء أكثر صبراً من الرجال في تنظيف المحصول وتشذيب الخضار ثم تغليفه، وهو عمل متعب إذا كان المحصول كبير، بل وحتى بيعه لمعارفهم وللجيران. جاءتني فكرة موضوع آخر للكتابة عنه أثناء العمل في المزرعة وهو موضوع العمالة وترفع بعض الناس عنها خصوصاً ممن لديهم شهادات عليا فلا يميلون إلى العمل البدني بالرغم عن فوائده الصحية للجسد، بل فوائده النفسية.

إذا كانت لديكم مشكلة في إيجاد المواضيع للكتابة يا أصحاب المدونات فاخرجوا ومارسوا أعمال خارجية تأتيكم أفكار جديدة تكتبوا عنها وتفيدوا بها قرائكم.

8 رأي حول “ثلاث أيام في المزرعة

  1. الحمدلله أن قضيتم أوقاتًا طيبة في الطبيعة 🙂
    أذهب أنا وبنات من أقاربي إلى مزارع أخوالي وخالاتي في إربد، ونساهم ما استطعنا في قطف الفول والبازيلاء أو المتوافر حسب الموسم، وفعلًا هو ليس نشاطًا صعبًا ومناسب لتبادل الأحاديث بعيدًا عن التكنولوجيا😁

  2. ذكرتني بأيام المزرعة يا طيّب مازال والدي يمارس الفلاحة في مزرعته وكذلك حديقة المنزل، منذ عدّة أيام اخبرت زوجتي أنني سوف أعود للزراعة مرّة أخري بعد شهرين على الأكثر ولكن ستكون زراعة للزهور والنعناع والريحان في بالكونة المكتب والمنزل ايضًا، وهي تشجعني كثيرًا على هذه الخطوة، بالنسبة للفئة التي ذكرتها والتي تخجل من العودة للعمل في الزراعة فهؤلاء اشفق عليهم والله.
    شكرًا جزيلًا على توثيق الرحلة الرائعة واتمنى لك التوفيق دائمًا

  3. ياسلام على المزرعة أفضل شئ يجب أن نعود اليه ببلدنا ونستثمر فيه ،، الزراعة هي الاساس وما فعلتوه في الاجازة أفضل تجربه من وجهة نظري لك وللأولاد في ظل الحجر المنزلي وهذه من الفوائد صراحة ، أهنئك على التجربة لكن لازم النشاط البدني للجسم يكون له نصيب من الحياة عشان ما نعجز بسرعة ،، وشكرا على مشاركة التجربة دي .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s