بداية أزمة نهر النيل، وانحسار الفيضان في الخرطوم في موسم 2020

السلام عليكم

لا شك بأن أحد المواضيع المهمة هذه اﻷيام لدول حوض النيل هو سد النهضة اﻷثيوبي وبداية ملئه في هذا الموسم، وما صاحبه من أزمة كبيرة بين دول الحوض ومن مفاوضات حول هذا الشأن. لكن لفهم هذه الأزمة التي بدأت وربما تمتد إلى سنوات عديدة وما يصاحبها من تغيير لطريقة جريان النيل إلى اﻷبد، لفهمها لابد أن ندرس جغرافية النيل أولاً حتى يتسنى لنا معرفة أبعاد المشكلة. هذا الموضوع المهم جعلني أبحث وأدرس جغرافية النيل بكافة تفاصيله وقراءة عدة مقالات ومشاهدة عدد من الوثائقيات والتقارير، وهذه المقالة هي بمثابة ملخص لأهم النتائج التي تحصلت عليها والتي تُناسب أن تكون مدخلاً لفهم اﻷزمة الحالية على مياه النيل.

ينبع نهر النيل من عدة روافد أقصاها في الجنوب بحيرة فيكتوريا التي ينبع منها النيل اﻷبيض، أما النيل اﻷزرق فهو ينبع من بحيرة تانا في الهضبة اﻷثيوبية والذي يُرفد النيل بحوالي 80% من مياهه. يُعد نهر النيل أطول أنهار العالم، و يمر بحوالي 10 دول في وسط وشرق إلى شمال إفريقيا إلى أن ينتهي في دلتا النيل عند البحر اﻷبيض المتوسط.

حوض النيل: مصدر الصورة wikimedia.org

المفاجئ مع طول النيل هذا هو أنه من أقل اﻷنهار الكبرى تدفقاً، حيث أنه النهر رقم 94 بين أنهار العالم من حيث التدفق! بمقدار 2.8 ألف متر مكعب في الثانية، وهُنا تكمن المشكلة، وهي أنه نهر طويل تستفيد منه عدة دول بعدة طرق من إنتاج للكهرباء، وري للمحاصيل، وصيد للسمك، والتنقل، إلى الاعتماد عليه في مياه الشرب، لكن مع هذا تدفقه قليل نسبة لعدد السكان المستفيدين منه – وهم في زيادة دائمة- . ويمر جزء كبير منه بصحراء قاحلة هي جزء من الصحراء الكبرى، بدونها لا يكون لذلك الممر الصحراوي أي مياه تُذكر، وأعتقد أن هذه الصحراء لها أثر في فقدان جزء من مياه النهر (بحاجة للتدقيق).

النهر الأكثر تدفقاً للمياه هو نهر اﻷمازون بمتوسط 209 ألف متر مكعب في الثانية، أي أن تدفقه يساوي تدفق النيل حوالي 74 مرة، ويلي نهر اﻷمازون نهر الكونقو والذي تنبع بعض روافده من نفس منبع النيل أو بالقرب منها غرب وجنوب بحيرة فيكتوريا، إلا أن معدل تدفقه يصل إلى 41 ألف متر مكعب في الثانية.

المقياس المهم الثاني واﻷوضح هو تدفق النيل خلال العام والذي يبلغ حوالي 84 مليار متر مكعب، مقارنة بسعة بحيرة أو خزان سد النهضة والذي يستوعب 74 مليار متر مكعب، أي أنه يحتاج لتدفق عام كامل حتى يمتلئ، لكن بالطبع امتلائه سوف يكون على عدة أعوام، والمقترح المتوسط اﻵن حسب المفاوضات هو 7 أعوام حتى لا تتأثر الدول المستفيدة والمعتمدة على النيل في المياه.

بعد امتلاء السد سوف تستمر المياه في التدفق من الخزان لإنتاج الكهرباء بصورة منتظمة مما يجعل تدفق النيل ثابتاً خلال العام ويحمي السودان من الفيضانات، ويجعل إنتاج الكهرباء في السودان ثابتاً، بل سوف يستورد السودان ودولة جنوب السودان الكهرباء من أثيوبيا من هذا الخزان الجديد والمخطط له أن يُنتج حوالي 6 قيقا واط من الكهرباء وهي أكبر بكثير من حاجة أثيوبيا من الطاقة الكهربائية. لكن سوف يسبب هذا السد تغيير كبير من ناحية جغرافية النيل، حيث اعتاد الناس في حوض النيل على موسم الفيضان وموسم انحساره وما له من أثر زراعي من تدفق الطمي الذي يأتي من الهضبة اﻷثيوبية والزراعة فيها عند انحسار الفيضان.

المراجع:

https://en.wikipedia.org/wiki/Nile

https://interactive.aljazeera.net/aja/nile/

https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_rivers_by_discharge

أصبحت أتابع أزمة ملئ سد النهضة في اﻷخبار، وأتابع مستوى النيل كل فترة في شاطيء جزيرة توتي وسط العاصمة المثلثة والتي يلتقي بعدها النيل اﻷبيض مع النيل الأزرق ليكون نهر النيل الرئيس إلى أن يلتقي بنهر عطبرة والذي ينبع هو اﻵخر من الهضبة اﻷثيوبية ليكون آخر روافد النيل التقاءً به، وذلك في مدينة عطبرة. بعد أن بدأ النيل اﻷزرق في الفيضان هذا العام في شهر يونيو، بدأ يتراجع في شهر يوليو وذلك مؤشر واضح لأثر سد النهضة أنهم بدؤوا بتعبئته بفيضان هذا الموسم. هذه صورة لنهر النيل اﻷزرق اليوم (18 يوليو) حيث بدأ بالتراجع عن الأسابيع اﻷخيرة، حيث أن كل هذه المنطقة الجافة كانت تمتلئ بالمياه في مثل هذا الوقت من العام:

وهذه صورة لنفس المنطقة كانت ممتلئة كلياً بمياه الفيضان في أعوام سابقة في نفس الوقت من العام:

فيضان النيل في عام 2018 في جزيرة توتي

ذُكر نهر النيل في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة اﻹسراء والمعراج، بعدة روايات مفادها أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى نهران في الجنة ونهران في الدنيا، ونهري الدنيا هما النيل والفرات. وهذا يدل على أهمية هذا النهر ، فهذا سبب لأن لا يخاف الناس من أن يجف النيل. والله تعالى هو من يجري الأنهار ويسقط اﻷمطار من السماء، وقد شرع لنا صلاة الاستسقاء لطلب هطول المطر، وقلة اﻷمطار هي امتحان للناس هل يرجعوا إلى الله لطلب السقيا منه، أم يلجؤوا لمجلس اﻷمن والاتفاقيات الدولية التي لا تستطيع مكافحة فيروس لا يرى حتى بالمجهر. مع أن اﻷخذ بالأسباب مطلوب في مسألة تحكيم دول الجوار والدول المحايدة التي نثق فيها، لكن أولاً نعترف بأن فضل جريان النهر هو لله وحده والله هو الذي يقدر الرزق لكل إنسان بل حتى للدواب ويجب علينا أن نشكره ليمدنا بالمزيد من الرزق ولا نجحد هذا الفضل. وكما يقول الله تعالى: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴿١٣

يقول الله تعالى في سورة نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّـهِ وَقَارًا ﴿١٣﴾ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴿١٤﴾ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّـهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ﴿١٥﴾ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴿١٦﴾ وَاللَّـهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴿١٧﴾ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴿١٨﴾ وَاللَّـهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿١٩﴾ لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴿٢٠

نسأل الله أن يغثنا ولا يجعلنا من القانطين، وأن يُجري علينا مياه النيل بقدر ما يسقي الحرث والنسل.

سوف أتابع بإذن الله التغيير الذي يحدث لنهر النيل أثناء فترة الفيضان وما بعده وسوف أكتب عنها مقالة أخرى بإذن الله.

5 رأي حول “بداية أزمة نهر النيل، وانحسار الفيضان في الخرطوم في موسم 2020

  1. الأخ والأستاذ العزيز أبو إياس. مقالتك رائعة وهي بالنسبة لي شاملة لكل ما نسمعه عن مشكلة النهر والوضع السياسي الحالي.
    أتفق معك في كل شيء قلته، لكن اسمح لي أن أعارضك في مسألة اللجوء إلى مجلس الأمن والاتفاقيات الدولية، فكما تعرف أن السياسية حالياً أصبحت “قانون”، والدول العظمى تأخذ ماتريد من القوانين لتحورها لمصلحتها، فلا بأس من اللجوء إلى هذه الاتفاقيات والمجالس الدولية.

    مع عدم نسيان اللجوء إلى الله عز وجل في السراء قبل الضراء.

    أسأل الله أن يعجل بالفرج وأن لا يكون هذا السد ضرراً على إخوتنا في السودان أو مصر.
    أخوك محمد

    1. نعم كلامك صحيح أخ محمد، كُنت أود أن أقول أنه لا مانع من اﻷخذ بالأسباب من تحكيم دولي في الدول التي نثق فيها، وسوف أعدل هذا الجزء.
      لكن المشكلة أن الدول الغربية هي من قسمت قسمة غير عادلة فقد أعطت مصر 55 مليار متر مكعب والسودان 18 مليار متر مكعب أما أثيوبياً التي تُرفد النيل بما يعادل 80% من مياهه لا تعطيها أي حق، أي صفر في المائة، فكيف نحكمها؟
      والله هو من يحكم بالعدل، فأيهم أحق أن يُتبع؟ المشكلة أن الموضوع متجه للعلمانية ليس فيه أي اعتراف لفضل الله في جريان هذا النهر

      1. يا أخي الكريم، لقد أنعم الله على إثيويبيا بأمطار غزيرة، هل اشتكت يوماً ما من نقص الماء؟ كيف تقول أن الله من يجري الأنهار ثم تقول أن الدول الغربية هي من قسمت نهر النيل؟ هذا النهر يمر كما هو بطبيعته هذه قبل ظهور هذه الدول، أرجو منك أن تعيد القراءة والتدقيق، نحن نعيش في مكان يصلنا به ماء عذب من نهر النيل اللشرب والطهي مرة واحدة في الأسبوع، وكذلك يتم إمدادنا بماء بحر مخفف للوضوء وغسل الملابس والتنظيف وغير ذلك، ولكن هذا الأسبوع إلى الان لم يأتي الماء العذب.

        1. نعم اشتكت من نقص الكهرباء والزراعة.
          أقصد بأن دول الاحتلال قسمت 55 مليار متر مكعب لمصر و18 مليار متر مكعب للسودان ولم تقسم لأثيوبيا أي نسبة، وهو تقسيم لا يقبله إلا ظالم، لذلك حدثت هذه المشكلة اﻵن بعدما اعتمدت مصر على حصتها التي قسمتها لها دولة الاستعمار55 مليار متر مكعب وهيأت نفسها على هذا الاستخدام، وهذا التقسيم ما هو إلا لزراعة القطن الذي يحتاج لكمية كبيرة من المياه لتشغيل مصانع النسيج في بريطانيا.
          السد العالي يحجز ورائه أكبر بحيرة صناعية في العالم، ويحتوي على ما يزيد عن حصة عام ونصف أو عامين من مياه النيل المتدفقة، وغرقت بسببه مدينة كاملة من السودان، نسأل الله أن يرجعها لنا في يوم من اﻷيام. هذا السد يمكنه تعويض ما ينقص مصر من المياه لو انقطع جريان النيل لعام، فكيف والنيل اﻷزرق لم يُحبس إلا شهراً واحداً وقد أعاد أثيوبيا جريانه بعد امتلاء المرحلة اﻷولى

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s