استكشاف أوقات الصباح

السلام عليكم ورحمة الله

تبدأ أوقات وساعات الصباح عند العرب بعد وقت السحر، فيكون وقت الفجر الذي يظهر فيه خط اﻷفق، لكن لا يمكن رؤيته في المدن، وقد رأيته مرة أثناء سفري في اﻷرياف، حيث يظهر خط رفيع يفصل اﻷرض من السماء وهو الذي قال فيه الله تعالى “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ” ثم يأتي وقت الصُبح بعدها، ثم ساعة الصباح، ثم الشروق ثم البكور. كل هذه اﻷوقات والساعات كُنت أضيعها بالنوم بعد صلاة الفجر مباشرة، لكني أعدت استكشافها بأن أكون صاحياً أبدأ النشاطات اليومية في هذا الوقت ليتغير معها كل يومي، لذلك كتبت هذه المقالة لدعوة كل من يقرأها أن يعيد استكشاف هذه الساعات والتي أصبحت أعدها أفضل ساعات اليوم.

بعد صلاة الفجر يبدأ ضور الشمس في الظهور خافتاً في السماء لكن تظل الأرض مظلمة، ويخيم السكون بعد سكوت صوت الصلاة في المساجد، وهو وقت مناسب لقراءة القرآن ولو جزء يسير، أتكلم عن خمس دقائق مثلاً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب اﻷعمال إلى الله أدومها وإن قلّ” ويُمكن استخدام موقع تنزيل واستخدمه كثيراً للبحث عن اﻵيات والتفسير، ثم استخدمته مؤخراً للقراءة منه بواسطة الهاتف بدلاً من تثبيت برنامج للقرآن الكريم.

موقع تنزيل tanzil.net

وقراءة القرآن في هذا الوقت بالذات مريحة للنفس وبداية جيدة لليوم وتوقيت مناسب لقراءة القرآن حيث لا يبعث بالاستعجال خصوصاً أن الشمس لم تُشرق بعد، وفي قراءة القرآن نجد معاني جديدة تتجدد وتتناسب مع مرور مواقف معينة، أحياناً نقرأ آية فنهمها لأول مرة لأنها ناسبت حادثة حدثت هذه اﻷيام، أو نجد نصيحة نعمل بها لهذا اليوم. يقول الله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢﴾ ويقول تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴿١٧﴾، ويقول تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴿٨٢

أثناء قراءة القرآن يبدأ ضوء الشمس في الظهور وتتحول الظلمة إلى ضياء، بعدها يمكن قراءة اﻷخبار وبعض المقالات.

من اﻷشياء المهمة هي تناول بعض التمر أو العجوة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من أكل حين يصبح سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر” وهذه عن تجربة، مع أني نادراً ما آكل سبع تمرات في الغالب أكتفي بثلاث أو خمس، لكن عندما أشعر بالمرض عندها أتناول سبعة. في السابق كُنت كثير المرض خصوصاً الزكام الذي يتطور عندي فيصبح التهاب وحمى فأغيب عن العمل عدد من اﻷيام، حتى زملائي أصبحوا يلاحظون كثرة مرضي هذا، لكن بعد أن غيرت عادتي هذه وأصبحت أصحوا بدلاً من أن أنام في هذه الأوقات فقد زادت مناعتي بفضل الله، وأصبح من النادر أن أمرض حتى لو مرضت فأصبحت أقاوم حتى بدون استخدام أدوية ولا أغيب عن العمل أثناء ذلك المرض. كذلك كان لدي عارض مرضي خطير وهو نوع متطرف من الصداع النصفي اسمه الصداع العنقودي cluster headache كانت تستمر نوباته لمدة تصل إلى ثلاث أسابيع، وهو أكثر ألم يمكن أن يصيب اﻹنسان بحسب ويكيبيديا، وهو موسمي يأتي في العام مرة واحدة، لكن بعد هذا التحول في الصحيان الباكر والنوم الباكر لم يأتيني في الثلاث أعوام اﻷخيرة -بفضل الله- وكان أكثر ما يحفّز ذلك الصداع هو السهر واﻹجهاد الذهني الشديد وعدم تناول الوجبات في وقتها. لذلك تعمدت التفصيل في هذه المقالة لعله أن أفيد بها غيري.

عجوة من نوع سكري القصيم تأتي مستوردة، إذا عرفتم تمر أطيب منها أخبروني

بعد ذلك يبدأ وقت ما قبل الشروق وهو وقت مناسب لمن لديه نشاطات متعلقة بالطبيعة مثل سقاية النباتات وإطعام الطيور، حيث في الماضي كُنت أنثر متبقي الخبز اليابس بعد طحنه في حوش البيت، لكن أصبحت الطيور تأتي بكثرة ويتسخ معها الحوش وأصبحت تأكل من أزهار بعض الزراعة التي نزرعها، فتوقفت فترة حتى أصبح الخبز اليابس يتراكم، ونحن نتشائم من اﻷكل الزائد في البيت و نتشائم من رميه، فنخاف أن نُحرم منه بسبب ذلك، لذلك حرصنا على أن يستفيد منه غيرنا أو أن تستفيد منه الطيور. فوجدت شخص في حينا ينثر باقي الخبز المطحون في ميدان الحي فتأتي الطيور بمختلف أنواعها لتأكل منه، فأصبحت أفعل مثله بأن أنثر باقي الخبز في هذا الميدان، ولم أعرف من هو ذلك الشخص، فكلما خرجت باكراً قبل الشروق وقبل أن تنزل الطيور إلى اﻷرض أجده سبقني. بعد ذلك أسقي النباتات داخل وخارج المنزل و ألاحظ نموها اليومي واﻷزهار التي تتفتح أو تستعد للتفتح في الصباح.

بعد ذلك أعُد الشاي بالحليب وأشربه قبل شروق الشمس، وفي فترة الخريف يكون الشروق في أجمل صوره حيث يشرق بين السحب فيضيء تلك السحب بلون أحمر وأصفر، وكل يوم يكون شكل الشروق مختلف. فاشرب الشاي أحياناً على ذلك المنظر، لكن علينا الحذر من أشعة الشمس بعد الشروق حيث النظر إليها يضر بالعين، لذلك كان لابد من الإسراع قبل الشروق، ولدي برنامج في الهاتف يُظهر موقع الشمس في السماء في شكل درجة أو زاوية، حيث تبدأ بالصفر وقت الشروق ثم تتدرج إلى 90 وقت الظهيرة أيام تعامد الشمس، ثم تنخفض مرة أخرى ألى أن تصل إلى صفر وقت المغرب ثم تتحول الزاوية إلى السالب بعد المغرب إلى أن تصبح صفراً مرة أخرى أثناء الشرق. اسم البرنامج هو sun position

لكن مهلاً! انظروا مرة أخرى للوحة الشروق هذه حيث فيها ما يُنذر بإفسادها، أو إفساد جزء منها! إنها المدنية! بناية تُبنى لتغطي جزء من هذه اللوحة الطبيعية حيث بدأت تتحول منطقتنا من منطقة شعبية إلى منطقة تجارية نُحرم معها مع التمتع بجمال الطبيعة. لكن التحول للمدنية يجعلنا نقدّر الطبيعة أكثر ونستمتع أكثر بالرحلات البرّية والسفر إلى الأرياف. بعض سكان الأرياف ممن اعتاد على توفر كل عناصر الطبيعة هذه حوله أصبح لا يستشعرها.

بعد ذلك يأتي وقت الشروق ثم البكور وهي أوقات مناسبة لبداية العمل، أو أفضل من ذلك وهو التخطيط لهذا اليوم، ووقت البكور من أوقات البركة، فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال “اللهم بارك لأمتي في بكورها” فمن يريد تفويت هذه الدعوة! وفي أيام اﻹجازة يمكن الذهاب للسوق، خصوصاً اﻷسواق التي تفتح باكراً مثل سوق الخضار أو سوق السمك، حيث تكون الشوارع فارغة، لذلك فإن اﻷسواق البعيدة تصبح قريبة من ناحية الزمن، فيكون الذهاب إلى السوق سريعاً والشراء متيسر لانخفاض عدد المشترين ثم الرجوع مبكراً. وبعد كل هذه اﻷنشطة تجد أن الوقت ما يزال باكراً، ربما لم يصل إلى السابعة صباحاً بعد، و وقت الصباح هذا وقت طويل يجمع فيه الشخص بين التأمل والتخطيط والاستمتاع بجمال الطبيعة.

في السابق كُنت أفقد كل هذا الوقت الثمين، أما الآن فصرت أُفضله عن أي وقت آخر، حتى أيام اﻹجازة تركت النوم في هذا الوقت مما وجدته من استمتاع واستثمار حقيقي لليوم، حيث وجدت نفسي أكثر صحّة بعد هذا التحول وأكثر راحة نفسية، واستطعت إنجاز المزيد من العمل، وقلّ غيابي بسبب المرض، وأصبح تناول الوجبات منتظماً، لذلك أدعوا كل شخص لم يكتشف ذلك الوقت بعد أن يجرّب يومين أو ثلاث على اﻷقل ليرى كيف تتغير حياته و يومه. ومن اﻵثار المهمة للصحو باكراً هو النوم الباكر بعد العشاء مباشرة أو بعدها بساعة، وأقول لمن يشكو من الأرق أني صرت أنام كالمغمى علي.

هذه هي الفطرة التي فطر الله عليها اﻹنسان من ناحية جسدية ومن ناحية روحية، فنجد أن التماشي مع تلك الفطرة آثاره تكون إيجابية من ناحية الصحة الجسدية والصحة النفسية، ومخالفة هذه الفطرة يكون آثارها عكس ذلك بأن تكون سلباً على الجسد والروح. اجتماعياً يحدث أثر سلبي لهذه العادة حيث لا نستطيع القيام بزيارات أو استقبال ضيوف بعد العشاء، لكن على كلِ فإن وقت ما بعد العشاء ليس من أوقات الزيارة، بالنسبة لي حتى المكالمات بالهاتف بعد العشاء لا أجريها ولا أرد عليها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعده. وبسبب النوم المبكر اصحوا مرة أخرى باكراً بدون استخدام منبه، أحياناً بسماع اﻷذان وأحياناً قبله.

يتخلل ذلك أخذ غفوة بعد فترة الصباح أو الظهر لمدة لا تزيد عن عشر دقائق أو ربع ساعة، ليستعيد الجسم توازنه والاستمرار في العمل أو النشاط الذي كُنت أمارسه.

عندما يتقدم الشخص في العمر تصبح تذوقه لمختلف اﻷشياء مثل الطبيعة واﻷنشطة المختلفة وحتى اﻷطعمة مختلفاً عن سابقه، لذلك فهو يعيد اكتشاف أشياء حوله بسيطة ومتوفرة ومتيسرة لم يكن يرى أهميتها من قبل.

ما ينقصني في هذا البرنامج الصباحي هو الرياضة، حيث لم أجد فكرة لرياضة تناسبني في هذا الوقت، وقد تركت الرياضة أعوام عديدة، فماهي أفكاركم حولها، مع أنها أحد أسباب الوقاية من الصداع النصفي الذي كنت أصاب به. وهل لديكم برنامج مشابه لبرنامجي الصباحي هذا؟

6 رأي حول “استكشاف أوقات الصباح

  1. تدوينة رائعة، أحببتها، جهد عظيم في الكتابة، كل التوفيق.

    قبل سنتين نصح احد الاطباء أبي أن يمارس رياضة المشي، من أجل أن يفقد الوزن ليخفف على نفسه، بعد ان زاد وزنه بعد عدة عمليات اجراها، فقام بالخروج للمشي وحيدا ثم انضممت له انا وامي، كنا نصلي الفجر ثم يوصلنا اخي الى نقطة محددة ونعود الى البيت سيرا على الاقدام، كان الامر في البداية صعبا جدا، ثم بدأ يسهل، ثم أصبحنا نخرج في السيارة مع ابي نضعها في مكان ونمشي قرابة الساعة في منطقة، وكل مرة نزيد المسافة ثم نعود الى السيارة، وداومنا على هذا سنة، ثم توقف ابي فترة، وبسبب كورونا توقفنا كليا.
    في هذه التجربة: أصبحت ارى شروق الشمس والتقط صورا رائعة له، لدرجة ان والداي كانا يسبقانني وانا ما زلت اصور، ثم انضم لهما ركضا ههههه.
    داومت على قراءة اذكار الصباح والتي كنت اقراها بشكل متقطع، اصبحت استيقظ على الفجر من دون منبه حتى لو تأخرت في النوم، أصبحت أشعر أنني أكثر نشاطا وكنت انهي الاعمال المنزلية مبكرا، تغيرت وجبات الطعام من وجبتين الى ثلاث، نقص وزني، استطعت ممارسة رياضة اخرى كنت اجاهد نفسي للاستمرار عليها قبل المشي، عندما اتسلق الاشجار التين والتوت لتلقيطهما اصبحت اكثر مرونة في التسلق عليهما، كنا نتناول التمر طوال الطريق في المشي وكنت اشعر فعلا بالطاقة بعد اكله، كنت اشعر ان الالهام كان ينزل علي في تلك الاوقات، كتبت بعض القصص، وهكذا.

    1. برنامج صباحي جميل، أتمنى أن تعودي له بعد انقضاء فترة الحجر هذه
      شكراً لمشاركة تجربتك
      مشكلتي مع المشي هنا في الحي الذي أسكن فيه ومعظم أحياء السودان وجود الكلاب في كثير من اﻷحياء، وخصوصاً لشخص له سابقة خوف مرضي من الكلاب في الصغر لن أتجرأ أن أكون أول من تصطبح به الكلاب في الصباح الباكر
      لكن سوف أفكر في إيجاد منطقة بديلة تناسب رياضة المشي

  2. كما نقول بالعامية: الصباح رباح. فلا أجمل من الاستيقاظ مع بداية اليوم وممارسة الحياة الطبيعية الجميلة.

    بالنسبة للتمر فلا أعتقد أنك ستجد ألذ من سكري القصيم، بالعافية.

  3. خواطر جميلة جدا عن فترة الفجر أخي أبو إياس ، للأسف أناأفتقد هذه اللحظات بسبب عدم قدرتي حتى الآن على الالتزام بروتين معين فيما يعتلق بالنوم والاستيقاظ مبكرا وهو ما يفوت علي موعد صلاة الفجر في بعض الأحايين،
    لكن من العادات التي أحاول أن ألتزم بها هذه الأيام هي الصوم المتقطع، وجدتها عادة وممارسة مثالية للتخلص من بعض الكيلوغرامات التي جنيتها خلال فترة الحجر المنلي، الجميل في اتباع هذه العادة أنك لا تشعر لا بالجوع و لا بالخمول خلال فترة العمل..و بالمقابل تستطيع ان تتناول وجبات منوعة (بالقدر المعقول) في الفترة المسائية ومع ذلك وزنك يستمر بالنزول.. سأنشر تدونية أتحدث فيها عن تجربتي هذه حالما تكتمل التجربة..
    كشخص ضمن نادي الأربعين أحتاج للالتزام بمجموعة من العادات التي تنظم الأكل والنوم.. مازلت أذكرك خواطرك الأربعينية والتي عرفتني على مدونتك الجميلة

    1. مرحباً بك أخ أسامة مجدداً في المدونة، نعم أذكر تعليقك عن عمر اﻷربعين
      في الحقيقة كُنت مثلك في السابق لا أستطيع المحافظة على الصحيان لصلاة الفجر بصورة دائمة، لكن لم أعد أذكر ماذا فعلت أو غيرت بالضبط حتى صرت أصحو بدون منبه لوقت الصلاة ثم توقفت عن النوم بعد الصلاة، ربما هي أحد التغييرات للإنسان بعد عمر الأربعين.
      بالنسبة للوزن فأنا عكسك تماماً حيث أُعاني من النحافة الشديدة، وأحاول أن أعيد اكتساب بعض الوزن وقد ساهم صيام في رمضان الماضي في اكتسابي بعض الوزن (أتكلم عن كيلو أو إثنين كيلو خلال الشهر) لكن بعد ذلك توقفت عن اكتساب الوزن
      وجدت بالصدفة قبل ساعات هذا الموقع لحساب كتلة الجسم وبه نصائح لاكتساب الوزن، وأفترض أن به نصائح كذلك لفقد الوزن 🙂
      https://www.moh.gov.bh/HealthInfo/BMI
      ننتظر تدوينتك بعد اكتمال التجربة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s