فيضان عام 2020 في السودان

السلام عليكم ورحمة الله.

تكلمت في مقالة سابقة قبل شهرين عن انحسار مياه النيل في موسم الفيضان لهذا العام بسبب بداية ملأ سد النهضة، وكان اﻹعلام يتكلم عن موسم للجفاف والعطش في وادي النيل، لكن كان لله قدراً آخر، حيث حدث انقلاب من النقيض إلى النقيض، من الجفاف إلى الفيضان، ومن العطش إلى الغرق، حيث حدث فيضان قياسي لم يسبق أن رُصد بهذا الارتفاع في السودان منذ بداية توثيق قياس النيل في 1902م، لذلك فإن أهل الاختصاص يقولون أن هذا الفيضان لم يحدث في المائة عام اﻷخيرة، لكن بما أنه لا يوجد قياس قبل هذا التاريخ فيمكن أن يكون هذا الفيضان لم يحدث في ألمائتي عام أو ربما الثلاثمائة عام اﻷخيرة!

ارتفع منسوب النيل اﻷزرق النابع من الهضبة الأثيوبية والنيل اﻷبيض النابع من بحيرة فيكتوريا بسبب اﻷمطار الغزيرة على تلك المناطق. والجدير بالذكر أن البلد الوحيد الذي يتأثر بفيضان النيل هو السودان، حيث لا تتأثر دول المنبع مثل أثيوبيا التي تتميز بجريان النيل فيها في أخاديد عميقة لذلك لا يمكنها أن تفيض، كما تظهر في الصورة أدناه:

النيل اﻷزرق في أثيوبيا، مصدر الصورة: gettyimages

كذلك لا تتأثر مصر سلباً، فلديها السد العالي الذي يمكنه صد الفيضان وأي زيادة للمياه وتحويلها عند امتلاء بحيرة ناصر إلى بحيرات توشكي التي تقع في الصحراء غرب النيل والتي يمكنها استيعاب كمية كبيرة من المياه، كما تظهر في الخريطة أدناه:

في الجدول أدناه مقاييس النيل في مدن السودان المختلفة المطلة عن النيل، حيث مازال منسوب النيل في الخرطوم و شندي في يوم الجمعة 11 سبتمبر 2020 أعلى من أعلى قياس سابق:

مصدر الجدول: وزارة الري – السودان

والمفاجئ أن الفيضان القياسي السابق لم يكن فيضان 1946 المشهور الذي أغرق جزء كبير من مدن النيل في السابق في السودان ولا فيضان 1988، لكن الفيضان القياسي السابق كان العام الماضي 2019! لكن لم تكن له آثار مدمرة كما الفيضان الحالي والفيضانات السابقة خصوصاً عام 1988 الذي كان مصحوباً بأمطار غزيرة، لذلك فمن المتوقع زيادة منسوب النيل عام بعد عام واحتمال فيضانات قياسية جديدة لذلك لابد للتخطيط لذلك.

توفي بسبب هذا الفيضان حوالي مائة شخص ودُمرت آلات المنازل وغرقت عشرات القُرى، فنسأل الله أن يتقبل من مات قبولاً حسناً وأن يُبدلهم داراً خيراً من دارهم، ونسأله أن يعوض كل المتأثرين بهذه الفيضانات وقد بلغ عددهم نصف مليون وربما ما زالت هُناك زيادة في الخسائر. ونحتاج أن نتوقف مع مخططات السكن هذه من ناحية جغرافية حيث أن كل عام هُناك مناطق تتعرض لهذه الفيضانات، لا ينفع معها إعادة البناء في نفس المنطقة، فالأفضل أن تُترك المناطق المنخفضة للزراعة فقط ويسكن الناس بعداً عن النيل أو في مناطق عالية، وقد شاهدت في أول زيارة لي لمنطقة شمال السودان قبل عدة أعوام أن البيوت أُعيد بناءها في مناطق عالية بعد أن دمر فيضان 1946 منازل أهل المنطقة حينما كانت مبنية في مناطق منخفضة.

يقول الله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴿١٨﴾ ، ويقول تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴿٢١﴾ واﻵية اﻷولى تعني أن الله يُنزل الماء بقدر ما يحتاج إليه الناس، لذلك لا خوف من شح المياه بسبب حبسه في سد النهضة، أو في زيادة استخدامه في الزراعة، حيث علينا أن نتوقع زيادة في المنسوب كل عام بسبب زيادة عدد الناس وأن الله مطلع على حاجتهم من مياه النيل في زراعتهم وسقاية أنعامهم.

نتمنى أن تُملأ المرحلة الثانية من بحيرة خزان سد النهضة في العام القادم بعد بداية موسم الفيضان واشتداده وليس كما حصل هذا العام أن مُلأ في شهر يوليو فامتلأ وفاض فلم يحبس الفيضان في شهر أغسطس وسبتمبر.

كمبرمج أتمنى أن تُتاح لي الفرصة – نظراً لاهتمامي بنهر النيل- للعمل في برامج لمراقبة مناسيب المياه في السودان، حيث أن القراءات للمناسيب وتسجيلها وعمل برامج لإصدار بيانات إحصائية وتقارير عليها يمكن أن يُساعد في تخطيط ملئ وفتح بوابات الخزانات الموجودة في السودان حتى تمنع أي فيضان مستقبلي يمكن أن يحدث ولتنظيم عملية الري وللإنذار المُبكر لأي فيضان.

هذه بعض صور الفيضان للنيل الأزرق التقطها أثناء فيضان هذا العام للنيل اﻷزرق والأبيض ولنهر النيل الرئيسي:

9 رأي حول “فيضان عام 2020 في السودان

  1. أذكر مشاهدة برنامج في قناة يابانية عن أنهار اليابان وكيف يتعاملون مع الفيضانات، على جانبي النهر هناك مساحات كبيرة خالية يستخدمها الناس غالباً في اللعب وكأنهم على شاطئ البحر، وبعض الأماكن تحوي مثل هذه المساحات على ارتفاعات مختلفة، ما تقوله عن عدم البناء في أماكن الفيضان صحيح، يفترض ألا يحدث هذا إن تكرر الأمر، هذه المساحات يمكن أن تترك خالية كما فعل اليابانيون.

    1. نعم دول شرق آسيا بسبب أن اﻷمطار عندهم كثيرة فهم يتعاملون معها بطريقة أفضل ويتركون الممرات الطبيعية مفتوحة ولا يعرقلوها بسكن أو إنشاءات كما يحدث عندنا

    1. نحن بخير يا أخ زاهر.
      نحن بعيدين عن هذه الفيضانات، حتى أني لم أُشاهد أي منطقة من تلك المناطق على الطبيعة، حتى اﻷمطار هذا العام لم تهطل بكثرة في الخرطوم كما في اﻷعوام الماضية

  2. كنتُ قلقة عليك أ.أبو إياس ، الحمد لله على سلامتكم اخواننا في السودان ، نسأل الله أن يرحم موتاكم و يغِث مستضعفيكم و يعوِّض كل الفاقدين ، قلوبنا معاكم .

    شكرًا لك على المقالة الواضحة جدًا كعادتك ، فهمتُ الآن الكثير عن الفيضان و حدوده ، سلمتَ 🌸

    1. نحن بخير يا أخت أسماء، ونسأل الله أن ينتهي خطر هذا الفيضان قريباً، وقد بدأت مناسيب النيل تنخفض نهاية هذا الإسبوع

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s