فيديو لشخص يحاول الوصول إلى رقم قياسي لقيادة الدراجة 24 ساعة

السلام عليكم ورحمة الله

أمس شاهدت فيديو أو وثائقي قصير اقترحه لي اليوتيوب لشخص يحاول تجاوز رقم قياسي لقيادة الدراجة بدون توقف لمدة 24 ساعة ولقطع مسافة 950 كلم في حلبة سباق مغلقة. وفكرت أن أكتب مقالة عن قراءاتي وما أثار اهتمامي بهذه القصة.

بداية أول ما أثار اهتمامي أن هذا الشخص هاوٍ ويعمل في دوام كامل بالفترة الصباحية، أما قيادة الدراجات هواية بالنسبة له، أي أنه ليس رياضي متفرغ. والنقطة الثانية أنه حظي باهتمام فريق عمل ساعده على إنجاز هذا الطموح ووفروا له هذه الحلبة وتغطية إعلامية للحدث هذا، فلو أنه كان رياضي محترف كان يمكن أن تكون شيئاً عادياً، لكنه شخص عادي يمكن أن نقول يريد تحقيق رقم قياسي في شيء ليس ضمن تخصصه. والنقطة الثالثة هي اندهاشي بأن جسم الإنسان يستطيع تحمل رياضة متواصلة بدون استراحة تُذكر لمدة 24 ساعة، فكنت متشوق لمشاهدة هذا التحدي إلى النهاية.

أول شيء لاحظته هو أن هذا النشاط كان في حلبة مغلقة وليس في مكان مفتوح أو سفر من مدينة إلى أخرى، كما كان الرقم القياسي السابق بأن قطع أحدهم مسافة من غرب أمريكا إلى شرقها دون توقف، لكن هذه المرة حلبة مغلقة، فكيف يمكن قياس هذا اﻹنجاز من ناحية حسّية، مقارنة بشخص قاد دراجة من ولاية إلى ولاية، أو من مدينة إلى مدينة، فهذه يمكن قياسها جغرافياً على اﻷقل، لكن الدوران في نفس المنطقة يقلل من متعة هذا التحدي بدرجة كبيرة، ومن متعة المشاهدة، ولقد قرأت شخص علق بنفس هذه الفكرة – والتعليقات حسب رأيي هي مكملة للمحتوى، لكن هذا موضوع آخر يحتاج إلى تدوينة مستقلة- فعلق هذا الشخص أن هذا المتسابق يحتاج إلى مستشار نفسي لأنه يدور في نفس المكان فسوف يمل من تكرار نفس المشاهد في كل دورة، وهذا يُسبب له ضغط نفسي كبير، مقارنة بشخص يقود في الطرقات ويرى مشاهد مختلفة وينتقل من مدينة إلى مدينة، ويمر بقرى ومناطق جغرافية مختلفة، وهذا يزيد من دافعه في الاستمرار في هذا التحدي. وأنا شخصياً لا أحب الرياضة التي تُمارس في مكان مغلق، مع أني كثيراً ما أقوم بتمارين في البيت، لكن لا أجد فيها دافع مثل الرياضة في الخارج التي لها أبعاد مختلفة من استنشاق لهواء نقي ورؤية مناظر طبيعية وفضاء مفتوح، لا يمكن مقارنتها بنشاط رياضي بين حيطان وسقف مغلق.

الملاحظة الثانية هي كيف يُسمح لشخص أن يُغامر بهذه المغامرة التي يمكنن أن تتسبب في وفاته دون استراحة، فإذا كان مسلماً فهو مجبور أن يتوقف خمس مرات على اﻷقل لأداء الصلاة في وقتها، وأداء الصلاة يصحبه اﻹيفاء بمتطلبات فطرية حسية ونفسية يطلبها الجسم، مثل الذهاب للحمام واﻷكل والشرب، فلا يمكن لشخص يريد الذهاب للحمام أن يُصلي أو يشعر بالجوع أو العطش، فمجرد إدخال الصلاة في أي نشاط فهو يضمن اﻹيفاء بمتطلبات الجسم هذه، كذلك فهي راحة نفسية يكسر بها حاجز مواصلة نشاط طوال الأربع والعشرون ساعة، وحتى لو كان فقط 12 ساعة أو 8 ساعات، فهذا يؤكد أهمية الصلاة من ناحية روحية ونفسية وجسدية، فنحن كمسلمين لا نحتاج لمستشار نفسي لتأدية أي نشاط.

الملاحظة الثالثة أنه كان هُناك فريق متكامل من اختصاصيين رياضيين وإعلامي و طبيب أو مختص صحي وأجهزة استشعار وقياس لنبضات قلبه وتنفسه وكمية السعرات الحرارية في جسمه، ومدير لهذا النشاط، وهذا الفريق كان متواجد معه طول الوقت، ففكرت هل إذا حقق الرقم القياسي الذي يريده هل سوف يُذكر هذا الفريق معه أم أنه سوف يُذكر اسمه فقط كأنه عمل لوحده! العمل الجماعي يجب أن لا يستأثر به شخص واحد عن باقي الفريق، فكل فرد له وظيفة مهمة لا يمكن إنجاز هذا المشروع بدونه. ذكّرني هذا بوثائقي حضرته عن اكتشاف منبع النيل و بحيرة فكتوريا، فقد نُسب اكتشافه لمكتشف غربي وأُهمل المساعدين المحليين الذين ساعدوه للوصول إلى تلك النقطة.

في جزء ما من هذا التحدي حدث له حادث أثناء محاولته شرب الماء فأفقده مباشرة محاولة كسر الرقم القياسي للقيادة المستمرة، وهُنا نذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، من شرب ماء وهو واقف فاليتقيأه، مع أن النهي ليس للتحريم، فقد شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف لبيان أنه ليس محرماً، والسُنة هي شرب الماء والشخص جالس، فمخالفته لهذه الفطرة أفقدته السباق، ولو كان يقود في الشارع كان يمكن أن تفقده حياته. بعد هذا الحادث تحول المشروع مباشرة إلى الخطة البديلة لكسر رقم قياسي آخر لكن لم أعرف تفاصيله، في الحقيقة لم تهمني كافة التفاصيل إنما الفكرة العامة. و بعد فترة عندما أخذ المذيع استراحة ورجع مرة أخرى قبل نهاية الأربع والعشرون ساعة وجد أن الساحة فارغة من الناس وأن المتسابق قد توقف قبل الوقت ولم ينجح في كسر الرقم القياسي البديل، وكان السبب ناتج عن الحادث السابق. لكن تبقى القصة في المحاولة نفسها ليس بالضرورة أن تكون نهاية ناجحة بالأرقام القياسية، على اﻷقل يمكنه عرض هذا الفيديو لزملائه في العمل ولعائلته، وإن كانت لديه مدونة ربما يكتب عن هذه التجربة 🙂 لكن على اﻷقل لم تقضي عليه هذه المحاولة لقيادة الدراجة بسرعة 40 كيلومتر في الساعة لهذه الفترة الطويلة.

تذكرت اﻵن أثناء كتابتي لهذه التدوينة حديث آخر للرسول صلى الله عليه وسلم: المُنبتّ لا أرضٌ قطع ولا خيلٌ أبقى، أي أن الشخص الذي يجري بالخيل ليصل إلى مكان بعيد بدون استراحة فإنه سوف يتسبب في مقتل الجواد ولا يصل إلى مبتغاه، فحتى لو لم نقود خيل فإن أي مركبة ذات محرك لا تتحمل مجهود مستمر فوق طاقتها دون استراحة. فعلينا نحن كمسلمين أن لا نحاول أن نمشي بقوانين الغرب إنما بقوانين الفطرة ولا نحاول كسرها، ولدينا قوانين هي أكثر رحمة بنا في أنشطتنا المختلفة، سواءً كانت أنشطة عمل أو ترفيه أو حتى عبادة، ففي الحج مثلاً إجهاد بدني شديد لكن مع ذلك ليس فيه ما يأمرنا بتخطي مقدرتنا الجسدية.

هذا هو الفيديو ولعل من يحضره يجد تفاصيل أُخرى لم أذكرها أو لم أستوعبها نظراً لكثرة المعلومات واختصار الوقت في اﻷخراج، ولعكم أن تعرفون ما هو السبب وراء التوقف، وماهو الوقت الذي قضاه في السباق، وماهو الرقم القياسي البديل الذي تحول السباق له:

3 رأي حول “فيديو لشخص يحاول الوصول إلى رقم قياسي لقيادة الدراجة 24 ساعة

  1. شكرًا على هذه التدوينة الرائعة، في اعتقادي هذا الشخص أراد أن يثبت شيئًا لنفسه، من خلال قيادة الدراجة لمدة ٢٤ ساعة كاملة ربما تحدي نفسي أو غيره، أيضًا نقطة القيادة في صالة مغلقة هي في صالحه لتجنّب سرعة الرياح والمطبات على الطرقات والطرق الغير ممهدة، أمور عديدة في اعتقادي كانت سببًا أن يكون التحدي داخل صالة مغلقة، هناك تحديات قام بها أبطال محترفين في رياضة الدراجات الهوائية ستجد العديد منها على Youtube أيضًا وفي أماكن مفتوحة، قناة GCN بالمناسبة هي أشهر منصّة في رياضة الدراجات الهوائية في العالم.

    1. نعم صحيح، وشكراً على هذا التعليق.
      محاولة إثبات هذا التحدي لنفسه فيها مجازفة كبيرة، إياك أن تحاول أن تفعل مثله يا محمود،
      يجب أن لا نحمّل أجسامنا فوق طاقتها، علينا أن نكون حذرين فيما نريد أثباته لأنفسنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s