إلى أين تذهب هذه المعرفة

السلام عليكم ورحمة الله

قرأت أمس مقالة للأخ عامر حريري يتكلم فيها عن أهداف العام الجديد، ومنها قراءة عدد من الكُتب، فتبادر إلى ذهني سؤال مهم لعله بدر إلى ذهني في عدة مرات سابقة لكن لم أنتبه له مثل هذه المرة: أين يذهب كل هذا الكم من المعرفة، ماذا نستفيد منها، أعني القراءة و الاطلاع على مجالات مختلفة عن تخصصنا، هل تكون فائدتها مؤقتة مثل استمتاع يُرضي فضولنا، وتمضية لوقتنا، ثم تموت مع موت اﻹنسان، أم أننا سوف نتكلم ونكتب عما قرأنا من زاوية مختلفة، أم نفيد بها جيل جديد، و هل الاستهلاك في القراءة يتبعه إنتاج في الكتابة، كل هذه اﻷسئلة دارت في ذهني فأحببت أن أشارككم بها لعلي أجد إجابة.

تساءلت قبل عام سؤال مشابه في مقالة بعنوان: أين تذهب هذه الخبرة، وكنت أتكلم عن الخبرة العملية التي يجنيها اﻹنسان فيتقاعد عن عمله وكان يمكنه أن يُفيد بها المجتمع، هذه المرة هي نفس الفكرة ونفس التساؤل مع اختلاف أن المقصود هذه المرة المعرفة النظرية.

في الحقيقة نحن نقضي جزء كبير من وقتنا أو وقت فراغنا نتعلم وندرس ونُطالع ونُشاهد مواضيع معرفية مختلفة عن تخصصنا، وهذه تأخذ وقت كبير ومجهود لا يُستهان به، وربما ننفق مادياً على هذه المعرفة، أو على اﻷقل جزء من الناس يفعل ذلك، فما هي نسبة الفائدة مقارنة بنسبة اﻹنفاق سواءً إنفاق الوقت أو الجهد أو المال. طبعاً الجواب يختلف حسب المجال الذي نقرأ عنه، فإذا كان في نفس مجال تخصصنا فلا شك أنه سوف يعود لنا بالفائدة، لكن إذا كان في غير تخصصنا! توجد مجالات نستفيد منها مثل الصحة والغذاء والوقاية من الأمراض فما هو مقدار أهمية هذه المعلومات لنا؟ مع وجود متخصصين نلجأ إليهم وقت الحاجة. ويمكن أن تكون في مجال لا نستفيد منه فائدة مباشرة مثل علم الفضاء والنظريات الفيزيائية أو الرياضية التي ليست في مجال عملنا، فما هو مدى تأثير هذه المعرفة علينا، وهل هُناك فرق إذا عرفناها أم لم نعرفها. وما هو العمق في المعرفة، هل نحتاج إلى المعرفة السطحية في كل مجال أم معرفة عميقة في كل المجالات، هي يكفي فقط أن نعرف المجموعة الشمسية ومجرة درب التبّانة، أم لابد أن نعرف ما هو الغبار النجمي وحزام الكويكبات والثقوب السوداء، هل تضيف لنا شيئاً جديداً في حياتنا! وما هل يوجد خط فاصل بين التعلم والترفيه أم أن الترفيه هو جزء من التعلم أو وسيلة له؟

هذه التساؤلات إذا وجدنا لها إجابة كافية شافية فيمكن أن نقرر بعدها، هل نزيد من الاستثمار في القراءة والاطلاع في كافة المجالات، أم نقلل منه، أم نبقى على ما نحن عليه في توازن مع باقي متطلبات معيشتنا.

العالم اﻵن يتجه إلى ثورة في المعرفة، هذه الثورة والكم الهائل مع المعلومات ومصادرها سلاح ذو حدين: إما أن نستفيد منها في تحسين حياتنا، وإما تضيع بها أوقاتنا الثمينة وحياتنا إذا ذهبنا في طريق من المعرفة لا ينفع.

قولوا لي ما هو رأيكم، وهل بدر على ذهنكم هذا السؤال؟ وما هو رأيكم في أهمية المعرفة، وما هو الوقت الذي تستثمروه فيها، هل تجدوا أنفسكم مقلّين وتخططون للزيادة، أم مكثرين ولم تجدوا فائدة ملموسة. وما هو تخطيطكم للفائدة للمعرفة التي جمعتموها في حياتكم، هل لديكم خطة لتوريثها لجيل لاحق أو أجيال متعاقبة بكتابة كُتب أو الكتابة عن كل ما استفدتوا منه من معرفة في مدونات مثلاً.

على ماذا يحث شرع الله، ما هي الموازنة المطلوبة من العمل، والتدبر والتفكر والتعلم؟ هل لبداية تنزيل القرآن بكلمة اقرأ أي مدلول على أهمية القراءة! هل العالم مفضّل على العابد! هل للعلم وعدم العمل أثر عكسي، و ماهو العلم الشرعي الواجب علينا دراسته وتعلمه؟

لعلي أن أكتب موضوع آخر إذا وجدت إجابات منكم ولقيت إجابة شافية من نفسي.

10 رأي حول “إلى أين تذهب هذه المعرفة

  1. أستمتع دوما بقراءة تساؤلاتك وتأملاتك. في السابق (وكمعظم الأصدقاء الذين أعرفهم) كنت أقرأ كتبا كثيرا كل عام، لا سيما في المرحلة الجامعية، بعد الزواج وتأسيس عائلة والدخول في الحياة العملية، لم أعد أقرأ سوى بضعة كتب كل عام. لكن وخلافا للأصدقاء الذين أشرت لهم، لا أشعر بالذنب أو بالتقصير أو بأن شيئا قد فاتني مع انخفاض معدل قرائتي.

    أفكر الآن هنا بصوت عال لماذا؟ لماذا لا أشعر بما يشعر به أصدقائي؟
    قد يكون الجواب بأني في المرحلة الجامعية كنت أقرأ كتبا عامة كثيرة، معظمها فكرية ومعرفية ودينية، وهذه بالتأكيد تسهم في نمو الجانب الفكري والنضج لدى الإنسان، لكن لربما تصبح الحاجة إليها أقل وأقل مع مرور الوقت.
    خذ من يقرأ كتابا عن المغالطات المنطقية وطرق التفكير. الكتاب الأول سيكون ثوريا، الثاني عظيما، الثالث جيدا، الرابع مكرر في معظمه وهكذا
    في النهاية أنا لا أقرا كتبا اختصاصية في طرق التفكير بل كتب موجهة للعامة لذا من المتوقع أن يتكرر محتوى هذا الكتب.
    وقس على ذلك.

    في المقابل معظم قراءاتي الآن تخصصية، لذا مع قراءة عنوانين أو ثلاثة سنويا، أشعر بالرافد الكبير في مهاراتي ومعلوماتي، ربما هذا الشعور يمنع شعوري بالتقصير تجاه لماذا لم أعد أقرأ خمسين كتابا كل سنة.

    أيضا أحاول قراءة وجهات النظر المختلفة عن المواضيع التي قرأتها سابقا. لا أدري إن كان هذا له صلة.

    الحياة العملية تتطلب منك تعلم مهارات جديدة، قيادة السيارة، إصلاح بعض الأعطال المنزلية، تربية الأطفال، الإدارة المالية.. هذه كلها من باب الخبرات، التي نحتاج فيها للقراءة وقراءة الكتب، لكن أيضا الخبرة والممارسة أكثر أهمية كما تعلم.

    لسبب ما، قد يكون ما ذكرته هنا، ليس لدي الحماس القديم لقراءة كل عنوان براق، بل لقراءة القليل من الكتب الدسمة الجيدة.

    أتمنى أن تكون مشاركتي ضمن سياق التدونية 😅

    1. شكراً جزيلاً يا طريف مندو على مشاركتك، وهي ضمن السياق وسوف تفيدني في كتابة مقال ثاني عندما تكتمل لدي اﻹجابة، وهي مثال جيّد لتطور يحدث لشخص منذ أن كان طالباً إلى أن أصبح في مجال العمل ولديه أسرة.

  2. برأيي أن الإطلاع في مجال التخصص ينمي خبرات العمل وهذا يؤدي الى زيادة الفرص وارتفاع الدخل ويجعلك معروفاً في الوسط التخصصي .. أما الإطلاع في غير مجال التخصص فهو يصنع شخصيتنا وثقافتنا وقدرتنا على الخوض البنّاء في النقاشات التي تحدث في مختلف تفاعلاتنا الإجتماعية .. ليست القراءة هي الوسيلة الوحيدة لذلك طبعاً ولكنها أكثر وسيلة مضمونة لهذه النتائج .. وهي وسيلة إمضاء وقت مفيدة حقاً وتنمي الفضول لمعرفة الكثير عن الأشياء والقضايا من حولنا … المهم أن تختار ما تقرأه وتنوع فيه ولا تكتفي بمجال معين .

    1. صحيح، هذه نتائج مرجوة من القراءة في مجال العمل بأن يصبح الشخص معروف وسط مجتمع ومتميز عن باقي زملائه،
      كذلك تنمية الثقافة مهمة كما ذكرت في المجالات العامة

  3. المعرفة هي الموازنة في الحياة.. أرى أن جل أسئلتك كانت تصب في مجرى المطالعة و القراءة و الكتابة.. و أرى أن المعرفة تفوق هذا.. فالعمل التطوعي معرفة.. و المشاهدة معرفة.. و المناقشة معرفة.. و التأمل في صنعة الله معرفة… المعرفة ليس لها ينبوع محدد.. المعرفة في نظري _أكيد_ هي ما تنتج لنا نمط حياتنا.. لاطالما ذكرت في مدونتي أنني لست بقارئة نهمة إذ لم أتجاوز في أي سنة قراءة ل 50 كتاب.. لكن هذا لا يعني أنني لا أنمي معرفتي و قدراتي.. فأنا دودة لا تهدأ في ميدان التطوع الذي آخذ منه معرفتي.. و أرى أن الناس بدأت تسمي قراءة أي كتاب بمطالعة و يفتخرون و هناك كتب لا ترقى بأن تسمى كتابا.. إذ بعض الكتب تبني جهلا لا يهدم.. منها كتب بالعامية التي لا تنمي حتى الرصيد اللغوي و تتكلم في مواضيع فاسدة لا تبني أكثر مما تهدم.. العالم عند الله أفضل من العابد أكيد.. إذ العابد ينفع نفسه و العالم ينفع الناس معه.. و كلمة اقرأ بنظري جاءت بانية للفكر و حاثة لعدم التخلي على مبدأ التعلم مهما كانت طريقته.. إذ محمد عليه افضل الصلاة والسلام ما كان بقارئ لكنه كان متأملا متفكرا متدبرا.. هذا ما تذكرته من الأسئلة وحاولت مشاركة رأيي.. و لن أنسى شكرك على الفائدة التي تنشره عبر مدونتك.. دمت بخير و في حفظ الله

    1. شكراً على هذا التعليق الثر، أخت سلمى
      صحيح أن أبواب المعرفة تفوق الاطلاع والكتابة، سوف آخذ هذه النقطة المهمة في الحساب إذا كتبت مستقبلاً عن هذا الموضوع.
      كُتب بالعامية! لم أكن أعرف أنه يُسمح كتابة كُتب بالعامية
      أنا كذلك أصحبت لا أقرأ الكتب كثيراً، كُنت في الصغر أقرأ لكن اﻵن، نادراً ما أقرأ كتاب كامل، أُفضل قراءة المقالات على الكُتب

      1. غالبا الروايات العصرية تمزج بين عامية الراوي و اللغة العربية.. شيء لا استصيغه غالبا هههه.. بالتوفيق في كتابتك و مسارك..

  4. العالِم مفضل على العابد، لأن الأول يعمل على علم، و الثاني يعمل على جهل (هذا إن كان كذلك)، و إلا فإن كان يعمل على علم يكفيه فلا يزال أقل منزلة من العالم (الذي لا يقصد بعمله رياء أو سمعة)، لأن العالِم يعرف الله أكثر من العابد، قال تعالى: (إنما يخشى اللهَ من عبادهِ العلماءُ)، و لكن من ناحية أخرى و هي أركان العبادة تتساوى المحبة و الخوف و الرجاء، و غالب ميل العابد إلى المحبة و ميل العالم إلى الخوف، و أما العامي فميله إلى الرجاء، هذه الاختلافات لا تعني عدمية وجود الركنين الآخرين لدى المرء، و لكن الميل الأكثر.

    في سورة الفاتحة التي نقرأها سبعة عشر مرة في اليوم و أكثر، الآية تقول: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين) و هما معروفين: اليهود و النصارى، اليهود علموا و لم يعملوا و فيه ذم لهم بالغضب على معرفتهم و عدم استعمالها، و النصارى عملوا بدون علم و فيه تشبيه لهم بالضياع في طريقتهم تلك، إذا ما قسنا اليهود بالعلماء _و ما هم بذلك_ فإن علمهم بات حجة عليهم لا لهم، و النصارى إذا ما حسبناهم بالعباد فإن عبادتهم تلك واهية لأنها بلا أساس و لا دليل؛ و في الاصول الثلاثة يقول في بداية كل شيء: العلم، العمل به.,. و تقديم العلم على العمل ضرورة أكيدة، و لكن نسيان العمل غضب و حجة لا غير، إذًا لا ينفك أحدهما عن الآخر لتحصيل النفع و الفوز.

    العلم اثنين: وسيلة، و غاية؛ الأول لا يمكن الأخذ به بالمجامع و بالتالي نسيان الثاني، و الثاني غاية لأنه يصلح العبادة و يبصر الفؤاد و يطهر الروح من دنس الشرك؛ و الغاية هنا بمعنى غاية العلم لتحصيل العمل، و الوسيلة بمعنى الوسيلة إلى تحصيل علم أكثر.
    الوسيلة تجيء لتوضح الغاية، و الغاية تجيء لتكملة العمل و تنقيحه، و في القاعدة الرئيسية في هذا الدين الحنيف “الوسائل لها أحكام المقاصد”، فإن كانت خير فخير و إن كانت شر فشر؛ مع العلم أن الوسائل في تغير و تبديل دائب مع الوقت و الظرف و الحاجة، إذًا بهذه الشكل يكون علم الوسيلة إلى واجب واجبة، و إلى مستحب مستحبة و إلى مكروه مكروهة و إلى محرم محرمة، و ما بُهِم من المقصد كان عبثًا في الغالب و إلا بحثًا فيما لا طائل وراءه.
    ثمة علماء تعلموا النحو و هو وسيلة لفهم القرآن و السنة، و بعضهم تعلم الإملاء لكتابة العلم صحيحًا، و بعضهم تعلم علم الحديث كي يخرج الأحكام بشكل صحيح، و بعضهم نقب في الغرائب و الأحداث، و انشغل آخرون بالتوضيح بمبدأ الضد، و إلخ…

    برأيي لا داعي للتركيز على تحصيل أشياء لن تنفعنا أو لن تستطيع دفعنا إلى تحسين أو فائدة، عدا الاستمتاع بالطبع و هذا لا يكون بإسراف، أو على اقل تقدير لا يكون بطريقة تأخذ الوقت الذي يجب فيه تحصيل فائدة، سواء دنيوية أو دينية، في كلتا الحالتين الإنسان مُلزَم بغايات و لا يعيش في فجوة العبث إلا الضائعون.
    مقالة مهمة، و أثرتني جدًا الأسئلة المتفرقة فيها، ننتظر الجزء الثاني لتوضيح النقاط التي وصلت إليها.

  5. شكراً أخت أسماء على هذا التعليق الوافي المفيد، خصوصاً الخلاصة
    سوف استفيد من تعليقك وتعليق جميع الزملاء لكتابة مقالة أخرى بإذن الله

  6. أخي العزيز لدي تساؤل أحتاج إلى إيميلك الشخصي لأتصل بك جزاك الله كل خير وبارك فيك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s