توسيع الفكر وعدم حصره بشخص أو بمدرسة

السلام عليكم ورحمة الله

استجابة لدعوة اﻷخ عامر حريري لمبادرة علمتنا الحياة، أحببت أن أشارك تجربتي في عدم حصر فكري بفكر شخص أو مدرسة معينة أو طائفة أو مجتمع، من ناحية ما يتعلق بالتخصص أو في الحياة عموماً.

حصر الفكر أقصد به أن نتبنى فكر شخص لدرجة أن نرى كل كلامه صحيح، أو مدرسة معينة سواءً مدرسة إدارية أو فنية أو أي من مناحي الحياة المختلفة، أو متابعة طائفة أو حزب أو حتى التعصب للبلد أو الوطن الذي نعيش فيه ونرى أنه لا يوجد أفضل منه. وما أريد أن أنصح به حسب تجربتي التي جربت فيها اﻹثنين: أن يكون فكري محصوراً لفترة، ثم تركت الانحياز والتبعية للفكر وتقبلت واخترت أفكار من مدارس مختلفة، وعدم تصنيف نفسي أني تابع لجهة معينة أو فكر معين أو أتبنى فكر شخص معين، في مقابل أن أتوسع بالفكر لنطاق أوسع وأعلى من أفكار أشخاص أو مدارس أنشأها أشخاص مثلنا يصيبون ويخطئون.

في الصغر يكون الشخص على الفطرة يتقبل أي فكر وعقله يكون منفتح بطريقة شفافة وعقلانية وواقعية بما فطره الله علينا – وهو خالقنا وهو أعلم بصالحنا- ثم في مرحلة الشباب يجد عدد من الأفكار والمذاهب والمدارس فيبدأ يتقبلها ثم يتبناها ويصل بعضنا إلى مرحلة التعصب، فيتحول الشخص من فكر فطري واسع إلى شخص ضيق اﻷفق والعقل ويحكم على نفسه بالتبعية.

لشرح ذلك تخيل شخص وجد فكرة النباتيين، أن يكون الإنسان نباتي وأُعجب بها، مع أن الله لم يخلقنا نباتيين، ابتداءً من اﻷسنان واﻷنياب التي خلقها الله للإنسان ومروراً بسهولة هضم اللحوم والمنتجات الحيوانية مقارنة بهضم الخضروات مثلاً، و انتهاءً بحاجة اﻹنسان إلى البروتين الحيواني. فيأتي صاحب مدرسة أو مجموعة من الناس تُخالف تلك الفطرة، ربما يكون لديهم سبب نفسي أو ربما جسدي في حساسيتهم تجاه نوع معين من اﻷطعمة، فيأتي شخص سليم معافي يتبعهم ويحكم على نفسه ويحصر نفسه على أنه نباتي. اﻷفضل في هذه الحال أن لا نُسمي نفسنا بأي اسم لم يسمه الله لنا، لا نسمي نفسنا نباتيين، بل يمكننا أخذ بعض اﻷفكار منهم وليس التسليم بفكرهم كاملاً، مثلاً أن الأطعمة النباتية قليلة الدهون المُشبعة، وأفضل من ناحية اقتصادية، ومعرفة الخضروات والفواكه التي تحتوي على كمية كبيرة من الفوائد، أما عندما يتكلمون عن مضار اللحوم أو المنتجات الحيوانية فلا نلتف لهم، إنما نأخذ الكلام عن مدرسة أخرى أو فكر آخر أكثر عقلانية أو عن شخص لا ينتمي لمدرسة أو فكر نسمع عنه ما هي أفضل أنواع اللحوم وأفضل طريقة لطبخها و أهيمتها لنمو اﻷطفال وغيرها من التفاصيل بطريقة علمية غير متحيزة.

لدي تجربة طويلة مع حصر الفكر وهو أني أثناء الجامعة عند دراستي للبرمجة، درست أكثر من لغة برمجة إلى أن استقريت على لغة أوبجكت باسكال المستخدمة في أداة التطوير دلفي، فتبنيتها بشدة وكانت هي من أفضل اللغات والأدوات في تلك الحقبة، درستها وتعمقت فيها وعملت بها عدد من البرامج بل كتبت كُتب فيها وشاركت في موقع Experts-Echange الشهير حينها، والمشابه لموقع stack overflow، لإجابة وحل مشاكل تواجه مبرمجي دلفي إلى أن وصلت إلى المرتبة رقم 11 في قائمة الخُبراء، وتعرفت على عدد منهم، وصرت متعصب لتلك اللغة وأكتب عنها أنها هي اﻷفضل لكتابة أي برنامج وأقنعت عدد من الناس باستخدامها، إلى أن جاء وقت وأصبحت هي ليست اللغة اﻷولى وفشلت الشركة المُنتجة لها بمنافسة باقي اللغات التي أصبحت مفتوحة المصدر ومجانية وجذبت عدد كبير من المبرمجين والشركات حول العالم. واصلت في تبني مدرسة دلفي ولغة أوبجكت باسكال حوالي 15 عاماً لا استخدم لغة غيرها، وختمتها بكتابة كتاب عن أوبجكت باسكال باللغة العربية ثم ترجمته للغة اﻹنجليزية ووصل هذا الكتاب في قائمة أفضل كُتب في هذه اللغة حسب بعض المواقع، وكابرت على أنها اللغة اﻷفضل مع أنها لم تكن الأفضل خصوصاً في السنوات الأخيرة، ولم أترك لنفسي المجال أن أجرب لغات غيرها إلا تجارب محدودة لا تكفي بالحكم على تلك اللغات وتلك الأدوات. هذا التعصب و هذا التبني تسبب لي في ضرر كبير في مسيرتي المهنية وفوت علي مجالات كثيرة لا تصلح فيها لغة أوبجكت باسكال أو لغة دلفي.

في يوم من الأيام قررت تجربة لغة جافا تجربة حقيقة وكتابة برنامج بها كُنا نحتاج إليه في العمل، عندها تغير فكري ووجدت عالم جديد ومنظور جديد لم أكن أنظر إليه وكتبت فيها كتاب، لكن هذه المرة لم أتعصب للغة جافا، بل أيقنت أنه لا يوجد شيء اسمه أفضل لغة برمجة، بل كل لغة تصلح لنوع معين من المجالات، ثم تعلمت لغة Go، فأصبحت الآن استخدم ثلاث لغات برمجة. هذا الانفتاح نقلني من ضيق لغة برمجة وأداة تطوير تابعة لشركة متعثرة فشلت في تطويرها إلى مجال أوسع ولغات وتقنيات أكثر نجاحا لها مجتمع أوسع، فتحت لي مجال أن أؤسس عملي الخاص ويلتحق بي عدد من المبرمجين الجُدد الذين يستخدمون عدد من لغات البرمجة الحديثة وعدد من المنصات استطعنا – بفضل الله – أن نُشّغل برامجنا في عدد من الشركات الكُبرى في مجال الاتصالات ونافسنا شركات تسبقنا في مجال البرمجة والتقنية. لو تمسكت بلغة دلفي – التي أصبح يعمل بها المبرمجون القُدامى فقط- لما استطعت تشغيل أي من المبرمجين الجُدد الذين يعملون بلغات برمجة جديدة مواكبة لمتطلبات سوق البرمجة في هذا الوقت.

نفس الشيء حدث لي من ناحية تبني مدرسة معينة في الحياة وفي المذهب، فُكنت في السابق أسمع كلام بعض الشيوخ والعلماء وأتابعهم وأتابع مدارسهم، لكني لم أكن أنتمي حقيقة لأي مدرسة بعينها، وبعد أن تقدمت بالعمر عرفت أن اﻷفضل هو الانتماء للإسلام فقط، واختيار اسم مسلم على أي تصنيف آخر، حيث أن الله هو الذي سمانا المسلمين كما قال في كتابه العزيز: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ

لذلك أصبحت لا أحيد عن هذا الاسم وهذا الفكر، ووجدت أن الأفضل هو سماع كلام الله خالصاً صافياً وفهمه مباشرة بدلاً عن فهمه بواسطة شيخ أو مذهب فكري معين، حيث أن الله يُخاطبنا بالقرآن من غير واسطة و أمرنا أن نتفكر في كلامه، إلا إذا أُشكل علينا فهم أية مثلاً يمكننا الرجوع لأهل العلم كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٤٣. وقد بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا نضل إذا تسمكنا بكتاب الله وسنة رسوله حيث قال”تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي” لذلك أحببت أن أوسع فكري على القرآن وسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أقل أحصر فكري، حيث أن هذا الفكر الكبير لا يحصر العقل إنما يجعله منفتحاً لكل ما هو أكبر منا، فكر يسع كل الدنيا و اﻵخرة. وهذه الطريقة لا تمنع من سماع تفسير كلام الله وكلام رسول الله من أهل العلم الذين نثق فيهم، لكن يجب أن نعرف أن جزء من كلامهم هو اجتهاد نأخذه على أن به صواب ويمكن أن يعتريه الخطأ، حتى الصواب يمكن أن يكون هُناك صواباً أفضل منه، خصوصاً في تفسير القرآن، حيث يمكن أن تعني آية معاني أكثر مما فسره المجتهدون و يكون في تفسيرها حل لمشكلة لم تحدث سابقاً. الأوائل من العملاء فطنوا لذلك، حيث كان يقول اﻹمام مالك بن أنس بعد أن ينتهي من درسه: كلٌ يؤخذ منه ويُرد إلّا صاحب هذا القبر، وكان يُشير إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذلك كان أحد اﻷئمة اﻷربعة -أعتقد أنه أحمد بن حنبل- كان يطلب من تلاميذه كتابة الأحاديث فقط ولا يكتبوا المسائل التي تُعرض عليه حيث أنها كانت اجتهاد وتحتمل الخطأ، أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تحتمل الخطأ، لكنهم كتبوا مسائله ولم يتقيدوا بأمره هذا، نُلاحظ أنهم لم يلتزموا بأمره و رأوا أن الأفضل هو كتابة المسائل.

ما نراه اليوم من تعصب وتحزب وانقسام لا يُفيد في كثير من اﻷحيان، ونرى نظريات مثل نظرية المؤامرة لا تدل إلا على قلة المعرفة ومحدودية الفكر وضيق اﻷفق، لكن انفتاح العقل يسمح لنا بتقبل الاختلافات التي فطرها الله بين الناس والشعوب واﻷجناس المختلفة.

حصر الشخص نفسه على وطن بعينه كذلك يجعله ضيق الأفق وضيق التجربة، إذا أردت أن تقول أن وطنك هذا أفضل وطن، فجرب الحياة في كل اﻷوطان وكل بقاع العالم ثم احكم أنه أفضل وطن. لا يمكن لشخص أن يحكم على شئ أنه اﻷفضل إلا إذا جرب غيره، أو إذا كان كلام منزل من عند الله على أنه أفضل، مثلاً قول الله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴿٩٦ حينها نُسلّم على أن مكة أو الحرم أنها أفضل بقعة على اﻷرض ومباركة، كذلك إذا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما غيرهم فلا يمكننا أن نُسلم بكلامهم تسليم كامل ونحصر فكرنا لكلامهم.

في الخلاصة نصيحتي هي أن لا نحكم على أنفسنا أننا ننتمي لفكر معين أو طائفة أو حزب كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ. إنما نكون جميعاً على فكرة كبرى ليست من أفكار البشر إنما الفكر الذي أراده خالقنا أن نتوحد عليه كما قال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا

13 رأي حول “توسيع الفكر وعدم حصره بشخص أو بمدرسة

  1. بصراحة
    مقالك من أفضل ما قرأت لهذا العام.
    بارك الله فيك وشكرا على نزاهتك وبثّك تجارب ستوفر على الكثيرين وقتا طويلا وتنفعهم في دنياهم وعملهم وأرجو لك النُجح والسعادة في حياتك
    يُنقل مقالك لمختاراتي في الغد إن شاء الله مع تصنيف 5 نجوم له.
    دمت طيبا

      1. فعلا يستحق أن يُشارك على أوسع نطاق وسأشير له كلما سنحت لي الفرصة بإذن الله والله يقويك وتكتب لنا من خبراتك المزيد في المستقبل إن شاء الله مودتي وامتناني

        1. كُنت منذ فترة أخطط للكتابة لكن لم أجد الوقت والدافع القوي للكتابة، لكني قرأت لك أمس أو أول أمس جملة قلت فيها أن بعض المقلين في الكتابة تنتبه لهم عندما يكتبون لأن ذلك يعني أن لديهم شيء يتكلمون عنه، فحسبت نفسي منهم و شجعني ذلك على أن لا أتأخر في كتابة هذا الموضوع

          1. بالفعل أنت منهم بالنسبة لي. مع ذلك هذا لا يمنع من محاولتك استثمار جزء أكبر من وقتك في صناعة محتوى نافع مع الشكر الكامل والعرفان التام لحضرتك على ما قدمته حتى الآن.
            من جانب آخر: أحيانًا ليس المهم جودة المحتوى أو نفعه بل المهم أنه علامة أن صانعه بخير وموجود وحاضر. وهذا يكفي للمتابعين وأصحاب الوفاء.

  2. أشكرك أخي أبو إياس على المبادرة وعلى هذه التدوينة التي تدرك من دون عناء أن مضمونها من القلب مباشرة .. أنا كنت أيضاً من أصحاب المدرسة الواحدة وتخلصت منه كذلك والحمد لله منذ سنوات .. أبلغت فلم تترك مجالاً لأي تعقيب 🙂

  3. شكرا لك أستاذ أبو إياس، كثير من مآسي أمتنا أنتجتها أفكار ضيقة الأفق عطل فيها البعض عقولهم وأعموا أبصارهم، وفي آيات كتاب الله دعوات لإعمال الفكر والتدبر والتبصر، قال تعالى : “قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون”.

    1. صحيح في هذه الآية دعوة للتفكر، فالمؤمن من يتفكر بآيات الله ويُصدق بها، والكافر هو مكذب ضيق الأفق و يكون جحوده هذا بدون أي مبرر، مجرد إنكار للحق وضيق أفق

  4. درس حياتي مهم، أظن أن كل المندفعين في بدايات حياتهم عليهم الحذر من عواقب الوقوع في فخه؛ أكثر ما أحببت في المقالة أن التوازن في عدم الانغلاق التام و في إطار حرية الفكر و البحث المحدد بدون تعدي على الحقائق الجامدة و الأسس الثابتة، شكرًا لك، لقد استفدتُ كثيرًا من خلاصة المقال و كذلك استمتعتُ بهذه السيرة الصغيرة الصادقة و المتنوعة، سلمتَ🌺

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s