رحلة إلى شمال السودان، اليوم الثاني

السلام عليكم ورحمة الله

تكملة لقصة اليوم اﻷول من رحلتنا إلى شمال السودان، صحينا مع أذان الفجر بنشاط، و لم يؤثر فينا السفر كثيراً، على اﻷقل أكثر نشاطاً منه في الخرطوم، وكان الجو بارداً، كُنت أتابع درجات الحرارة بين الخرطوم ومدينة مروي فكان الفارق هو أربع أو خمس درجات أبرد في مروي من الخرطوم في فترة المساء، و هي منطقة ذات مناخ صحراوي أو مناخ قارّي كما يُمسى. صلينا الفجر في مُصلى مقابل للبيت كان المصلون لا يتعدون سبعة، عدد السكان هُناك قليل جداً خصوصاً في اﻷيام التي لا تُعتبر مواسم مثل اﻷعياد أو موسم حصاد التمر.

بعد صلاة الفجر وكان اليوم جمعة وهو اليوم الوحيد الذي سوف نمكثه في هذه القرية كان لابد من استغلال كل وقت للاستكشاف، فترقبنا ظهور ضوء الشمس حتى نستطيع الذهاب إلى المزارع وإلى النيل في أسرع وقت، أتذكر أني كُنت أخرج من الغرفة كل مرة لأرى كيف هو الضوء، إلى أن أصبح يمكن المسير فيه فخرجنا أنا و إياس قبل أن نشرب الشاي إلى المزارع وهي موحشة في معظم الوقت نادراً ما نصادف فيها أي شخص، فما بالكم في هذا الوقت الباكر. يشتهر شمال السودان بأشجار النخيل، يكاد لا تكون هُناك أشجار غيره في الشريط المحاذي للنيل، بحثنا عن طريق سالك لجهة النيل ووجدنا واحد بعد صعوبة، حيث أن الحشائش تملأ المكان ولا نعرف ما تحتها، إلى أن وصلنا إلى ضفة النيل، لكن وجدناه شديد العمق في حافة جرف، ووجدنا موضوعه فيه أشواك حتى لا يصل الناس إلى النيل فهو شديد العمق في هذه المنطقة، اكتفينا بتأمل شروق الشمس إلى أن شرقت وأخذنا بعض الصور ثم رجعنا إلى البيت. وجدنا بعض المزروعات بالقرب من الجرف مثل الذرة الشامي والذي نُسميه عيش الريف، و البامية، لكن كلها مزروعة بكمية قليلة، ليس لديهم زراعة تجارية غير التمر.

صادفنا عجل في الطريق فوجدناه غير مربوط فخفنا منه لكن تبين أنها عجل صغير

تتلون الجبال مع شروق الشمس وغروبه بلون برتقالي جميل، كذلك البيوت والنخيل:

رجعنا البيت فشربنا الشاي بالحليب مع الزلابيا أو كما نسميها في السودان (لقيمات)، بعد ذلك مكثنا قليلاً وخرجنا نتجول في طرقات القرية بأرجلنا، وهي من الطرقات التي تعجبني، طُرق متعرجة وتمر بأشجار ظليلة ومزارع وأزقّة تمر بالبيوت القديمة ورجعنا بطريق آخر غير الذي مشينا به لنرى معالم أكثر. وصورت المسجد، حيث تعجبني صور المساجد والمآذن، في منطقة تُسمى الفرحاب وأسمه جامع الفرحاب. وجدنا شجرة دوم مثمرة، هل تعرفون ماهو الدوم؟

بعد رجوعنا جعلنا نستكشف البيت ونعرف أبعاده، وهو لا زال تحت اﻹنشاء، نبنيه على أقل من مهلنا، اﻵن توجد به غرفتين وحمام، أنا أراه يكفي، لكن والدي يصر على إكمال الصالون وبناء حمام آخر في حال جاء معنا ضيوف من الخرطوم:

ذهبنا إلى عزاء بعدها ثم رجعنا نستكشف بيت جدي مع عمي وعمتي، وجدنا فيه شجرة أراك، وشجرة ليمون ونخيل، هل تعرفون اﻷراك؟

بعد ذلك رجعنا للفطور، ثم ارتحت قليلاً لانتظار صلاة الجمعة، في العادة أنام أو آخذ غفوة قبل صلاة الجمعة بعد أن أفطر حوالي ثلث ساعة، لكن هذا اليوم لم استطع، كُنت متحمس للاستكشاف وخفت من ضيق الوقت وكُنت أُخطط للاستفادة من اليوم لنرى أكبر عدد من المعالم، لذلك لم استطع النوم. صلينا الجمعة في مسجد الفرحاب، ثم صلينا العصر جمع تقديم وقصراً، ثم رجعنا إلى البيت وقررنا أن نذهب إلى الجبال، مع أني لم أخطط لها في هذه الرحلة، خططت أن تكون متروكة لرحلة في إجازة أكبر، لكن قلنا على اﻷقل نصل إلى بدايتها، ذهبت مع أبنائي وأخذنا معنا زمزمية مياه، وكان الجو معتدلاً مع أنه منتصف النهار، بعد الصعود للجبل أو التلال هذه نظرنا إلى القرية وإلى النيل فكان المنظر بديعاً لهذه القرية الساكنة والتي تكاد لا تسمع فيها صوتاً:

الأطفال لديهم حب استكشاف وبعضهم لديهم تهور، لذلك لابد من أن يرافقهم شخص راشد ليكبح هذه الجماح. توقفنا نرتاح عند قمة أحد التلال لكن إياس ذهب بعيداً حتى أنه لم يظهر في الصورة عندما صورناه، فطلبت منه التوقف وعدم الذهاب أكثر من ذلك ثم ذهبنا إليه لكن توقفنا بعدما أصبحت المنطقة موحشة وشعرنا بالخوف. وجدنا أرنب بري ذو لون بني وأبيض جميل جداً، جرى بسرعة ينزل من الجبل عندما مررنا بصخرة كان يسكن تحتها. لم نعرف كيف يعيش في هذه المنطقة القاحلة إلا إذا كان يذهب بالليل إلى المزارع ثم يرجع يختبئ بين هذه الصخور.

مكثنا حوالي ساعة في الجبال نستكشف الصخور المختلفة اﻷشكال وأخذنا بعضاً منها كتذكار، ثم رجعنا للمزارع مروراً بالبيت ليأتي معنا باقي أفراد العائلة لنريهم المزارع ونراها مرة أخرى في وضح النهار. استوقفتني شجرة نخلة شديدة الطول، سألت أحد اﻷطفال هل يصعد إلى هذه النخلة أحد للتلقيح والحصاد قال لي نعم هناك من يصعدها بكل سهولة، وجدنا شجرة دوم وقالت إحدى بنات الجيران التي رافقتنا أنها لجدتها، فسارع أحد أطفال الجيران برميها بحجر فوقع عدد كبير من ثمار الدوم، وأول مرة أراه طازج مازال بعضه ليناً:

بعد ذلك رجعنا إلى البيت وخططنا إلى الذهاب إلى منزل خالنا في بداية الكرفاب قبل أن تغرب الشمس، فذهبنا إليه عن طريق الشارع الداخلي غير المسفلت بدلاً من الطريق المسفلت الذي يمر بين الجبال، حتى يتسنى لأولادي رؤية كامل قرية الكرفاب وبيوتها ومزارعها، مع أنه طريق به بعض العقبات، لكن وصلنا بحمد الله مع مغيب الشمس، وتوجد بالقرب منهم قلعة قديمة لم نستطع الذهاب إليها لضيق الوقت ولغروب الشمس. مكثنا عندهم حوالي ساعة، وصلينا المغرب والعشاء جمع تقديم، ثم رجعنا إلى البيت نخطط للرجوع للخرطوم.

طلب والدي وعمي أن نمكث يوم السبت ثم نرجع يوم اﻷحد، فاعتذرت وقلت لا استطيع أخذ يوم إضافي إجازة من العمل، ونريد أن نرجع يوم السبت حتى أكون أكثر ارتياحاً في السفر ونمر بعدد من المعالم دون أن تكون هُناك ملاحقة من الزبائن واتصالات كثيرة متعلقة بالعمل تفسد علي الرحلة إذا رجعت يوم اﻷحد.

كان يوماً حافلاً مليء بالنشاط والاستكشاف والمغامرات مع خطورتها. أُعجب أبنائي بالحياة البدائية وتكيفوا معها بصورة لم أتوقعها، عرفنا أننا يمكننا العيش – على اﻷقل لفترة قصيرة- في أي بيت بسيط شرط أن يكون به حمام مثل حمام المدينة، لكن باقي مرافق البيت يمكنها أن تُمثل القرية، حوش كبير مليء بالتراب ومياه تأتي بضعة مرات في اﻹسبوع تُملأ بها براميل وأوعية تُستخدم بترشيد باقي الاسبوع.

16 رأي حول “رحلة إلى شمال السودان، اليوم الثاني

  1. طريقة سرد جمييلة و تصويير راائع ..شكرا للمشاركة ..فعلا استمتعت ..أحب الرحلات العائلية جدا ..حفظكم الله و رعاكم برعايته ..ربما الدوم هو النبغ في المغرب و الآراك لم أسمع بها يوما قد يكون لها تسمية مختلفة أيضا عندنا ..

  2. شكرا لأخذنا معك في هذه الرحلة الجميلة
    تبدو قريتكم هادئة وجميلة , مع أني من ساكني القرى إلا أن قريتنا بدأت تفقد الكثير من تلك الصفات بسبب ازدياد عدد السكان وانتشار مظاهر التمدن ..
    ألم تأت معك بتمر القنديلة 😁 ؟!

  3. رحلة رائعة جدًا، استمتعتُ بها حقيقة؛ على فكرة فاتني الجزء الأول و استغربتُ من حديثك عنه، فعدتُ و لحسنِ الحظ فقد تابعتهما متتاليين و قلتُ: هذا أفضل، لأني لا أصبر على الأجزاء 😅
    مشاركة تُشكر عليها حقيقة، أنا فعلًا بدأتُ أحب السودان، ليس المعنى أني لم أكن أحبها بل لم أكن أمتلك فضول كبير حولها، و زاد أن بقي أخي في الخرطوم ما يقارب الشهرين قبل سنتين أو ثلاث و وجد مناخها جاف جدًا، و يبدو أنه تحامل قليلًا عليها بسبب ذلك لأنه عدو الجفاف؛ نحنُ بحاجة دائمًا للحديث عن بلدان بعضنا، هذه المقالة مشجعة جدًا على اتمام المقالة التي أزرعها منذ أسابيع بدون سبب، بالتوفيق لكم جميعًا، و أشركونا دائمًا في رحلاتكم رجاءً🌸🤭

    1. لم أرى هذا التعليق إلا اﻵن، كُنت أُفضّل كتابة الثلاث أجزاء في ثلاث أيام متتالية حتى لا ينسى القارئ التفاصيل عند تأخر بعض اﻷجزاء. نجحت في كتابة الجزأين الأولين متتاليين، لكن لم استطع كتابة الجزء الثالث في منتصف الأسبوع. في الحقيقة الكتابة تأخذ وقتاً طويلاً، نسيت تفاصيل الجزء الثاني فرجعت قرأته قبل كتابة الجزء اﻷخير.
      نعم السودان شديد الجفاف في معظم أجزاءه، ماعدا ساحل البحر اﻷحمر وهو شريط ضيق وبعيد عن باقي القُطر، ونحن بالعكس لا نتحمل الرطوبة الشديدة.
      بلاد الشرق اﻷوسط بها اختلاف كبير في المناخ والتضاريس والبيئة والعمران، وتتشابه أحياناً، و فعلاً نحتاج لاستكشافها والكتابة عنها، حتى أبناء القطر الواحد لا يتسنى لهم رؤية جميع بلادهم

  4. رحلة مميزة 🤩🌷 يعطيكم ألف عافية، وبارك لكم في بيتكم الجديد
    شجر الدوم والأراك، حقيقة لم أعرفهم وعندما وجدتك تسألنا عنهم بحثت عنهم عند العم google لأتعرف عليهم، بالمقابل سألت والداي عنهم، واكتشفت انهم يعرفونها، شجر الدوم كنا قد شاهدناه في منطقة الغور “غور الأردن وادي الأردن”، وعند حدود سد وادي شعيب “سد مائي يقع في محافظة البلقاء”، والنوع الأخر لن أتحدث عنه، حتى تتحدث أنت 😎😁

      1. شجر الأراك هو شجر السواك،
        فيما يخص شجر الدوم لم أجد، لو كنت أعرف لكنت التقطت لها صورا عندما كنت في الغور 😁
        وجدت مقالة قد تجيبك على سؤالك، حاولت إستخراج إقتباس منها، إلا أن الموقع لا يدعم النسخ، هذه هي
        شجرة الدوم – صحيفة الرأي
        http://alrai.com/article/10383325/كتاب/شجرة-الدوم

        1. بالنسبة لشجر الأراك فكلامك صحيح هو شجر السواك، أما الدوم فهو مختلف عن الرابط، فالكاتب يتكلم عن ثمرة صغيرة مثل حبة الزيتون.
          سوف أتكلم عنها في آخر المقالة لليوم الثالث من الرحلة غداً صباحاً بإذن الله

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s