ما يخفيه أصحاب المحتوى وراء مثاليتهم

السلام عليكم ورحمة الله

فكرت في كتابة هذا الموضوع منذ زمن، وفكرته أني كصاحب محتوى أميل لكتابة الجانب المشرق من تجاربي وأريد أن أنشرها للناس ليستفيدوا منها ويقتدوا بها، وهكذا كل أصحاب المحتوى. لكن يوجد جانب آخر لا نُظهره وهو الجانب غير المشرق من الحياة كفشل أو ابتلاء أو مشاكل لم نجد لها حلول أو تقصير في جانب من الحياة أو العبادة. و اعتقدت أن عدد من أصحاب المحتوى يشاركوني نفس الشأن و لديهم ما يخفونه من جانب آخر لا يتكلمون عنه، وأحياناً يكون النجاح أو التركيز في جانب من الحياة له أثر سلبي لجانب آخر، مثلاً شخص نجح في عمله وأعطاه كل وقته، لكنه ترك الجانب الاجتماعي أو أهمل صحته، أو شخص اجتماعي لكنه مهمل لعمله ومسيرته المهنية.

يميل المتلقين من مستمعين وقُراء ومُشاهدين لمشاهدة أو قراءة شيء يسرهم ويحفزهم، فهم يريدون تجارب ناجحة، وينفرون من الفشل ومن السلبيات في المحتوى، لذلك أصبح صُناع المحتوى يُظهرون من حياتهم إيجابياتها ومن تجاربهم ما نجح منها. وخشيت أن يظن ذلك المتلقي أن حياة هؤلاء مثالية وليس فيها مشاكل أو منغصات أو ابتلاءات، لذلك أحببت تصحيح هذه الفكرة. لكن بعض أصحاب المحتوى يُظهر هذه الآلام والجانب السلبي من حياته، خصوصاً أخواتنا فهم أكثر شجاعة منا، فهي إذاّ شجاعة أن يُظهر الكاتب أو صاحب المحتوى حقيقته ولا يخفيها وأن لا يظهر بمثالية لا تمثل كل عالمه.

في الجانب الآخر يمكن أن نرى الشجاعة هي في إخفاء ذلك الجانب غير المشرق وتحمّل كل العقبات وإظهار الجانب الإيجابي فقط. تخيل قائد يقتدي به الناس يمشي أمامهم مستقيم لكنه يتألم، فيتحمل ألمه هذا ولا يُظهر منه شيئاً مع أن ادعاءه وتحامله هذا يمكن أن يزيد من ألمه، لكنه يريد أن يحافظ على هيبة القيادة والاقتداء تلك و لا يريد للناس الالتفات لشئونه تلك إنما يريد التجرد ويريد منهم الاهتمام فقط لأفكاره وأهدافه الكبرى.

أحياناً نتستر بستر الله، فلا يظهر منا إلا نعمه علينا ونُخفي ابتلاءاتنا التي كانت بسبب معاصينا وتقصيرنا، كما يقول تعالى: مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ

حسبما قرأت فإنه لا يضر أن ينصح الإنسان غيره بالخير وإن لم يفعله، فلعل الله أن يهدي ذلك الشخص الناصح خصوصاً بأنه مقتنع بالفكرة لكنه يعجز عنها لسبب ما، مثل شخص يتهاون في أداء الصلاة في وقتها في بعض اﻷحيان، لكنه ينصح الناس بالصلاة، فسوف يأتي يوم يلتزم فيه بصلاته في وقتها بإذن الله. ونذكر جزء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خطبة الوداع الذي قال في آخره :فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ. فهذا يعني أن من تُبلغه المعلومة يمكن أن يكون أوعلى وأفهم لها ممن نقلها. وإذا قسناه بكاتب المحتوى فيمكن أن يكون القارئ أفهم من صاحب المحتوى لما كتبه من محتواه.

أحياناً تكون الكتابة ومحاولة الشخص أن يكون مثالياً وقدوة للناس بمحتواه هو دافع لتنفيذ تلك اﻷفكار واﻷهداف والمثالية. وبالنسبة لي شخصياً لمست ذلك كثيراً، كلما أحاول الرجوع إلى عادة سيئة أو أنجرف للمجتمع أتذكر نصائحي للناس فألتزم بما أكتبه، أحياناً أحس أن ما أكتبه يصبح ثقيلاً عليّ في التنفيذ وأنا أريد بعض المتنفس وبعض المخالفة ولو قليلاً كنوع من اﻹجازة من تلك القواعد، فأخبروني هل تمرون بنفس ما أمر به؟

وفي الختام نسأل الله أن يسترنا في الدنيا واﻵخرة، ويرفع عنا كل بلاء، نحن وكل أصحابنا وزملائنا ورفاقنا وأهلونا، فإنه بنا غفور رحيم.

15 رأي حول “ما يخفيه أصحاب المحتوى وراء مثاليتهم

  1. صراحة إن صح تسميتي بكاتبة محتوى هههه فهو بحد ذاته اسم ثقيل .. أحاول ما أمكن أن أكون متساوية مع حروفي ..و بما أنني في الآونة الأخيرة أصبحت أكتب بشراهة ههه أصبحت أسأل محيطي هل أشبه كلماتي أم هي في واد و شخصيتي على الواقع في واد .. أنا ضد المثالية في الكتابة و ضد نكران الجانب السلبي مهما كان الهدف .. فالإنسان لن يتغير إن رأى ملاكا أمامه ..لكنه يمكن أن يتغير إن رأى إنسان بثلة من العيوب يجاهد .. موضوع جميل يحسس كل كاتب بأنه ليس الوحيد في توجهه ..شكرا على الطرح ..

    1. هذه إضافة مهمة تُلخص الكثير: >>. فالإنسان لن يتغير إن رأى ملاكا أمامه ..لكنه يمكن أن يتغير إن رأى إنسان بثلة من العيوب يجاهد
      وهي في رأيي تفتح باب مهم أو موضوع قائم بذاته في اﻹدارة والقيادة الاقتداء

  2. المثالية في الإجابة عن الأسئلة في موقع كورا أدخلتني في حالة اكتئاب لنصف سنة، لم أظهر ذلك في مدونتي، ولكنني توقفت عن الكثير من الأشياء التي أحب عملها بسبب هذا، ولكنني بعد أن هجرته، وابتعدت عن الانترنت والمدونة قليلا خف ذلك الشعور.
    نفس الشيء فيما يخص كتابة المحتوى، لكنني أحب قراءة بعض المدونات التي تذكر لحظاتها السيئة والسعيدة معا، أشعر أنهم قريبون أكثر من الإيجابيين دائما، هناك بعض الأمور التي يجب علينا الإحتفاظ بها لأنفسنا، ولكن بعض الأشياء الغير إيجابية أرى أنه لا ضير في ذكرها بين الحين والآخر.

    1. هل تقصدين أنك تجيبي بمثالية للأسئلة في موقع كورا أم إجابات الناس لأسئلتك؟
      وكلامك صحيح فإن المحتوى عالي المثالية يُشعر الإنسان بالنقص وأنه هو الوحيد المختلف عن الناس

      1. القصد إجابات الناس على الأسئلة في كورا، ليس بالضرورة اسئلتي، لأنني أتابع الكثير من الأسئلة والمواضيع التي تهمني، لهذا كانت بعض الإجابات المثالية تصيبني بالإكتئاب، لكنني نوعا ما تجاوزت الأمر

          1. سواء قرأتها قبل أو بعد، هي نوع من التذكير أن ما نراه ليس الحقيقة كاملة دوما، أكيد يعطيك ألف عافية على طرحك للموضوع، سيكون لي عودة اليها متى ما شعرت أنني تأثرت بالمثالية المفرطة

            1. إذاً الموضوع له أثر نفسي على القُراء.
              شكراً لهذا التنبيه حتى لا يشعر القارئ بمثل هذا الشعور في المستقبل من أي محتوى نكتبه

  3. شكرا أستاذ أبو اياس على التدوينة، اختصرت ما يدور في ذهني دائما، ربما تلك المثالية تشعر قارئها بالنقص والتقصير وأنه ليس جيدا كفاية في ادارة حياته، ولكن أقول لنفسي دوما الكمال لله، الحرص على جانب واحد سيؤدي بالتأكيد إلى التقصير في جوانب أخرى.

    1. أحد أهدافها أني أريد أن أتأكد وأؤكد للقُراء أننا – معشر المدونيين- وأصحاب المحتوى لا نعيش في واقع مثالي، وكما قلتي فإن الكمال لله، كما أن الكمال في اﻵخرة في الجنة

  4. الصراع بين نشر الأخطاء أو السكوت عنها والمضي قدمًا ومحاولة الابتعاد عن نشر “الطاقة السلبيّة” يشغل بالي، يستطيع الكثيرون الكتابة عن الجانب السلبي، ولكنّي لست شجاعًا بما فيه الكفاية باعتقادي، أو ربما لا أحاول فعلًا. وبالتأكيد الكل لديه مشاكل والكل يعاني، ولكن كما قلت يا أبو إياس، النشر المستمر للجانب المشرق والجوانب المادية بكثرة يشعر المُتلقي بالنقص والحسرة على نفسه، كما في منصة إنستاغرام.
    شكرًا للتدوينة المميزة كالعادة.

    1. يوجد جانب آخر يا أخر فرزت تذكرته اﻵن بعد تعليقك هذا وهو أنك عندما تتكلم بالجانب السلبي ربما تتطرق لأشخاص آخرون في القصة، ربما لا يعجبهم الكلام عنهم بطريقة سلبية، مثل أفراد العائلة واﻷصدقاء والزملاء في العمل

  5. شكرًا أبو إياس على هذا التذكير في طرح التدوينة، نعم مررت كثيرًا بما تمرّ به، يمكن الجانب الجيّد هو انني أحيانًا قبل كتابة تجارب مثالية كتابة الوضع السلبي والسيء قبل ذكر الجانب المشرق، لكي يعرف القارئ ان معظم التجارب الجيدة كان قبلها في الغالب جوانب مظلمة وصعبة على صاحب التجربة.

    1. نعم هذه فكرة جيدة يا أخ محمود لعلنا نقتدي بها، أن لا نُهمل الجانب السيئ ولا نجعل مقالاتنا مثالية حتى تُعبر عن العالم الحقيقي الخالي من المثالية

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s