الشخص العائق: النوع الثالث

السلام عليكم ورحمة الله

تكلمت في مقالة سابقة عن نوعين من أنواع اﻷشخاص الذين يعيقون المؤسسات ويعيقون غيرهم، وأمس تنبهت أن هُناك نوع ثالث لم أذكره، ففكرت في الكتابة عنه اليوم.

النوع الثالث هو موظف مثالي، هو شخص لديه خبرة جيدة في مجاله، ويتم أعماله بأكمل وجه وفي وقت وجيز ويستطيع اجتياز معظم العقبات، ويمكن الاستعانة به في كثير من اﻷعمال، ولديه دائماً أفكار ناجحة، فهو بذلك النوع المفضل لدى المدراء بحيث يستطيعون الاعتماد عليهم في إنجاز كافة اﻷعمال الصعبة والظهور بمظهر جيد أمام الزبائن. لكن كيف يكون شخص عائق بعد كل هذه المواصفات!

هذا الشخص لا يعوق مؤسسته التي يعمل فيها إنما يعوق تقدم زملائه، فلا يجد زملائه اﻷحدث منه أو اﻷبطأ منه في التعلم أو في أنجاز اﻷعمال فرصة لتحمل مسؤوليات مثلما يتحملها ذلك الشخص، ولا يحظون بفرصة لتجربة الأمور الصعبة، حيث أن كلها أو معظمها تذهب لذلك الشخص المثالي. هذه الظاهرة من اﻷشخاص يمكن أن لا ينتبه لها المدراء وربما لا ينتبه لها الموظفون المتضررون من وجود هذا الشخص أو من طريقة عمله، بل أحياناً يجدوه مخرجاً لهم في كثير من اﻷزمات وربما يجدوا العون منه دائماً، لكن يحدث خلل كبير عندما يترك هذا الشخص المؤسسة التي يعمل فيها، فتجد أنه ترك ورائه فراغ كبير لا يتوفر شخص من تلك المؤسسة ليحمل الراية خلفه، لأنه لم تكن لديهم الجرأة لتجربة وتحمل ما كان يتحمله من مسؤولية ومن طريقة عمل، فيحتاجون لوقت طويل حتى يبنوا تلك الخبرة وينمّوا في أنفسهم تلك المقدرة، هذا إذا سارت الأمور بتلك الطريقة. أحياناً عندما يترك العمل ولا يكون هناك ندٌ له في نفس المؤسسة، تلجأ اﻹدارة إلى البحث عن أشخاص من الخارج لسد تلك الفجوة، فبذلك تكون قد فاتت على باقي الموظفين تلك الفرصة للنمو.

لحل تلك المشكلة لابد أن تقتنع اﻹدارة بأنها مشكلة في المقام اﻷول، كون شخص واحد أو عدد من الأشخاص هم متميزين ويعتمد عليهم في كثير من اﻷعمال ولا يُترك لغيرهم الفرصة لإثبات أنفسهم. فإذا اقتنعت اﻹدارة أنها مشكلة يكون الجزء الثاني للحل هو الجزء اﻷسهل، ويمكن أن يكون بعدة طرق. في هذه المقالة أنا لا أركز على الحل إنما أُركز على التنبيه بالظاهرة نفسها وتعريفها. الحل من جانب الإدارة سواء اﻹدارة العليا أو الوسيطة بتوزيع المهام بصورة عادلة بين الموظفين، حتى لو كان الشخص ليس لديه كفاءة فلابد أن يجربوه و يعطوه فرصة للتعلم كما تعلم ذلك الشخص المثالي، فمن المؤكد أن هذا الموظف المثالي لم يتخرج من الجامعة على أنه موظف مثالي، إنما كان شخص ليس لديه أي خبرة عملية وجد بيئة مناسبة وكان لديه طموح وعزيمة حتى وصل لهذه المثالية والنجاح. الحل اﻵخر من الموظفين المتضررين أن لا ينتظروا اﻹدارة لإيجاد حل، إنما عليهم زيادة قدراتهم المعرفية في مجالهم وقدراتهم اﻹدارية من تنمية مهارات تواصل وشجاعة وغيرها. والحل من جانب الموظف المثالي نفسه أن يتحول إلى قائد بدلاً من أن يكون عائق، فإذا أراد أن يكون أكثر تميزاً وأكثر مثالية فليبدأ بتدريب غيره وإفساح المجال لخلفة من الشباب، بهذه الطريقة سوف يترقى ليصبح أعلى رتبه من رتبته، فبدلاً من أن يكون شخص يعمل لوحده ومدير نفسه، يُصبح شخص قائد لفريق كبير يمكنه تحقيق ما لم يستطع تحقيقه لو عمل لوحده. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنه، حيث كان يتواضع وكان يعلم أصحابه ويربيهم ويؤهلهم ويُخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الجهل إلى العلم إلى أن يفتحوا البلاد من أقصى شرقها إلى أقصى غربها، لم يهتم بشخصه وموقعه وبأن يكون رئيساً وأن يخدمه الناس، بل عمل لخدمة أصحابه وأتباعه واهتم بهم وأعطاهم معظم وقته ولم يبخل عليهم ولم يُغلق دونهم اﻷبواب ولم يتخذ حاجباً بينه وبينهم حتى أصغر الناس، بل كان يأتي الرسول المرسل من قبيلة أخرى أو من بلد آخر فلا يعرف أي الناس هو رسول الله، فيقول أيكم محمد أو أيكم رسول الله، من شدة اختلاطه وتواضعه مع الناس.

يُذكرنا هذا بقصة عزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد – سيف الله المسلول- من قيادة الجيش في إحدى المعارك، واستبداله بعبيدة عامر بن الجراح، وكان من المعروف أن خالد بن الوليد لا يُهزم في معركة، لكن كان لعمر بن الخطاب نظرة أخرى لكي لا يربط المسلمون النصر بخالد. وقصة تولية رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد لأحد الجيوش و أسامة شاب صغير السن، فهذه القصص تكسر حواجز الهيكل الوظيفي الذي يعيق أحياناً أكثر مما ينفع، وهذه دروس إدارية نقتدي بها سبقنا بها خير البشر. ولعل الهيكل الوظيفي والمسمى الوظيفي هي أحد عوائق النجاح ربما يُتاح لنا الكلام عنها بعدما تختمر الفكرة بإذن الله.

3 رأي حول “الشخص العائق: النوع الثالث

    1. نعم معظم الناس لا ينتبه له، أنا شخصياً كُنت أمثل هذا النوع من الأشخاص مدة من الزمان، إلى أن أنتبهت له بعد أن أصبحت أدير عدد من المبرمجين

  1. أعتقد أنها مقالة متكاملة حقًا، أحببتُ ضرب المثل بالصحابة والرسول صلى الله عليه وسلم فهذا يعني طريقًا صوابًا بدون شك؛ موفق.🌼

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s