رحلة قصيرة مع إياس تعلمنا منها الكثير، الجزء اﻷول

السلام عليكم ورحمة الله

الأسبوع الماضي سافرت مع إياس إلى شمال السودان بعد أن سافر والدي قبل ذلك بإسبوع وتكلمت عنه في المقالة السابقة، وقد كانت رحلة قصيرة حيث مكثنا يومين ونصف ما بين طريق السفر والمكوث في القرية التي سافرنا إليها، لكن كانت رحلة طويلة بمسافة 450 كلم شمال الخرطوم. هذه الرحلة تعلمنا منها الكثير و استمعتنا فيها كثيراً – بفضل الله- ورأينا فيها أشياء وحقائق بزاوية مختلفة. لكن قبل الكلام عن الرحلة دعوني أصف لكم ماهي اﻷجواء قبل الرحلة والتي ساهمت ودفعت لاستعجال هذا السفر.

قبل السفر كُنت في زحمة شديدة من العمل الروتيني وكان الضغط في أوجه، حيث نعمل في عدد من المشروعات مع عدد من العملاء وكلهم في استعجال لإكمال تلك المشروعات أو تعديلات في أنظمة قديمة، وقد لاحظت في اﻵونة اﻷخيرة فتوري عن العمل وعدم رغبتي في اﻹنجاز، فبعد أن أنجزت مشروعاً مهماً في رمضان الماضي وأثناء العيد، أُصبت بعده بفتور وقلة عزيمة وملل من هذا الروتين. لذلك فكرت في أخذ إجازة للتغيير والرجوع بروح جديدة، ومن اﻷشياء الجديرة بالذكر أني أصبحت أماماً للمصلين منذ رمضان بعد أن سافر اﻹمام الراتب وتوقعت أن يرجع في آخر رمضان، لكن لم يرجع إلى اﻵن فاستمرت هذه المسؤولية التي لا يُستهان بها، وأذكر قبل السفر بيومين أخطأت في القراءة في مرتين في صلاة الفجر فقلت في نفسي وقتها هذا دافع جديد لآخذ إجازة، فكانت إجازة من كل هذه المسؤوليات التي ما فتأت تزيد علي. أحد اﻷهداف اﻷخرى هو اختبار السفر في هذا الصيف وعن طريق الباص لأقرر هل يستطيع أبنائي تحمل السفر في العيد أم لا. كذلك المقالة السابقة عن المغامرة كان أحد الأسباب.

صليت استخارة للسفر وأخبرت والدي وأخبرت زملائي في العمل بهذه اﻹجازة القصيرة وأني سوف أوكل عملي اﻹداري والفني لهم، وهم ما زالوا قليلي الخبرة اﻹدارية، فهي طريقة للتعلم بفرض هذا الواقع لهم، كذلك لإجبار العملاء للتواصل معهم والتعرف عليهم بدلاً من الاعتماد عليّ في معظم الاتصالات. و أخترت إياس لمرافقتي في هذه الرحلة، فهو يحب الطبيعة والجبال ورؤية النجوم، وله قدرة أكثر على الصبر من إخوانه، وقد اخترت يوماً للسفر ليس فيه قمر حتى تظهر النجوم في كامل وضوحها. فما زلت أحشد الأهداف للسفر حتى أقنع نفسي به، خصوصاً أن الروتين يجذب الشخص جذباً شديداً للجلوس والقعود وعدم قبول التغيير والشعور بالخوف، وهذه أول الحقائق التي توصلت إليها، أننا نقاوم التغيير ونميل إلى الرتابة في حياتنا، كما يسمونه منطقة الراحة فهو شيء حقيقي ملموس وليس نظري، الفوائد اﻷخرى المهمة هي القدرة السريعة على التكيّف، كذلك تعرفت بوضوح على شيء مهم يُفسد الرحلات والنشاطات عموماً وهو الشعور بالحبس أو الانحباس أو الشعور بالسجن، وسوف أتكلم عن هتين الفائدتين أثناء سرد القصة بإذن الله.

كانت الخطة أن نُسافر بالباص بدلاً من السيارة والتي تحتاج لصيانة وقد تضاعف سعر الوقود عن آخر رحلة قمنا بها حوالي ثلاث أضعاف، كذلك فإن خطر توقف السيارة في منتصف هذه الصحراء القاحلة له عواقب تمنعنا من تلك المحاولة. أخذت يوم إجازة واحد فقط وهو يوم الخميس على أن نمكث يوم الجمعة فقط كيوم كامل في تلك القرية التي بها منزلنا، وهي قرية الكرفاب بالقرب من مدينة مروي في شمال السودان. ثم نرجع يوم السبت صباحاً.

كان الحضور لموقف الباص في السادسة والنصف صباحاً، لكن تأخر وصول الباص لهذه المحطة قُرابة السابعة، فركبنا وتحرك مباشرة وفوجئنا بتكدسه بالأمتعة المختلفة من حقائب وغيرها على طول الممر، وذلك لأنه موسم للسفر إلى اﻷقاليم حيث يعتاد عدد كبير من سُكان العاصمة قضاء عيد اﻷضحى خصوصاً في مواطنهم اﻷصلية. توقف الباص في مدينة أمدرمان لوقت أكثر من نصف ساعة لركون عدد آخر من الركاب، وكان هذا أو إحساس بالانحباس وأحسست بالملل الشديد، مع أن الرحلة حوالي ثماني ساعات إلا أن الممل فيها هو هذا التوقف لنصف ساعة، فيتبدد هذا اﻹحساس مجرد أن يتحرك الباص ويخرج من العاصمة ويصل إلى الطريق السفري ويمشي بسرعة عالية، عندها استطيع تشغيل برنامج متابعة مكاننا في الخريطة وأننا في شكل نقطة متحركة تبعث اﻷمل بالوصول في الموعد المحدد.

بعد ازدحام الباص بالأمتعة وصعوبة المرور في الممر جلس خلفي في المقاعد اﻷخيرة أشخاص مزعجين يتكلمون طوال الرحلة وشخص له هاتف يرن طول الوقت وله نغمة هاتف نوكيا الافتراضية الحادة التي نسمعها كثيراً، ويظهر أنه تاجر يبيع ويشتري أثناء تلك الرحلة، وكان موقعه فوقنا، حيث أن الصف الأخير من الكراسي مرتفع لذلك كُنت أحس أنه يتكلم فوق رأسي. هذه الظروف غير المناسبة للسفر جعلتني أفكر أن ألغي السفر وأنزل في مدينة أمدرمان وأرجع إلى البيت والعمل، لكني تذكرت أن إياس برفقتي وأنه كان ينتظر هذه الرحلة فلا يمكنني الانسحاب بهذه البساطة، فاستفدت فائدة أخرى مهمة وهي أن الشخص لا يستطيع الانسحاب بسهولة من النشاطات الاجتماعية حيث تكون باقي المجموعة دافعاً له أن يصبر ويُكمل ما بدأه، أما النشاطات الفردية فيسهل فيها الفشل بالانسحاب قبل المحاولة. فصبّرت نفسي وجعلت أردد المثل “ما يصبرك على المر، قلت الأمر منه” واﻷمر منه في هذه الحال هذا الروتين القاتل، فكان علي أن أصبر ثماني ساعات حتى أصل للهدف الذي نخطط له.

بعد فترة غير طويلة وجدت نفسي أتكيف مع هذا الوضع، وأن هذه اﻷمتعة أصبحت لا تضايقني كثيراً وبدأت أتعود على حديث اﻷشخاص الذين في الخلف وصوت الهاتف الذي لم يفتأ يرن حتى في المنطقة التي انقطع فيها هاتفي عن الشبكة، ففكرت أن الحل عوضاً عن الصبر أو الانسحاب هو التكيف، وكُنت سوف أضيع هذه الرحلة الجميلة بسبب أشياء بسيطة يسهل التكيف معها كُنت أظنها عائق تحول دون إكمال تلك الرحلة.

بعد النزول للفطور في منتصف الطريق الصحراوي هذا واصلنا السفر لأربع ساعات أخرى ورأينا النيل بعد هذه الصحراء الطويلة وأشجار النخيل في موسم إثمارها إلى أن وصلنا قريتنا ونزلنا في منطقة جبلية عالية تطل على القرية والنيل وأشجار النخيل، وقد وصلنا باكراً حوالي الثانية والنصف ظهراً مقارنة بسفرنا الفائت بالسيارة حيث وصلنا عند مغيب الشمس بسبب توقفنا المتكرر بعد كل فترة وسلوكنا طريق أطول، لكن الباص لا يتوقف إلا في محطة واحدة، لذلك كسبنا نصف يوم تقريباً نقضيه في هذه القرية الهادئة.

بعد أن صلينا الظهر والعصر قصراً وجمع تأخير تغدينا ثم بدأ الضيوف يأتون على والدي وبعضهم يعمل في بناء البيت الذي لم يكتمل بعد، وبعضهم جاء ليسلم علينا، وبعضهم جاء لزيارات عادية، وكان هذا شعور آخر بالانحباس وقد كُنت كثير المجاملة في السابق حيث أجلس مع أشخاص لا أعرفهم وكُنت أتضايق كثيراً وهم في زيارة لوالدي، والمجاملة هذه لشخص غير اجتماعي مثلي أو شخص محدود العلاقات الاجتماعية تفسد عليه يومه، وكان لدينا وقت ضيق وأهداف محددة أتينا لها لذلك لم يكن هُناك وقت للمجاملة ولا وقت نضيعه، فابتكرت مع إياس طرق للشرود من الضيوف، كان أحدها الاتصال بشخص ما، مع أني لا أحب الاتصالات بالهاتف لكني فضلتها في ذلك اليوم على الجلوس مع الضيوف و الانحباس معهم، ولحسن الحظ لم تكن شبكة الهاتف متوفرة في البيت، فلإجراء اتصال لابد من الخروج للخارج والذهاب بعيداً من البيوت إلى جهة الجبال أو الذهاب إلى المزارع إلى جهة البحر، وكان هذا شيء جيد، فنحن نريد أن نخرج ونمشي إلى أبعد مكان ليس فيه ناس، فانسحبنا بهذه الطريقة وذهبنا إلى المزارع ووجدنا أشجار النخيل قد أثمرت، وواصلنا إلى النهر، وقضينا وقتاً ممتعاً وواصلنا الاستكشاف إلى أن غربت الشمس فرجعنا لنصلي المغرب، ثم خرجنا بعد أن أظلم الليل في فضاء القرية مهتدين بمصباح الهاتف، ولاحظنا الهدوء الشديد يُصاحبه ظاهرة تحدث في اﻷذن نسميها “الصنين” وهي ظاهرة لم نعتد عليها في العاصمة، قال لي إياس أنه يحس ببعض اﻷلم في اﻷذن بسبب هذه الظاهرة، هل مرت بكم هذه الظاهرة من قبل؟ لكن أحياناً نسمع نقيق الضفادع ونسمع بعض اﻷصوات وسمعنا صوت والدي يتحدث مع الضيوف من مسافة بعيدة، فمكثنا في الخارج إلى أن أذن العشاء وصلينا وتعشينا ثم نمنا، لكن للأسف لم تظهر النجوم بسبب بعض الغيوم، لكن في منتصف الليل ظهرت النجوم لكن ليست كما رأيتها من قبل، كأنما الأنوار والكهرباء التي دخلت القرية مؤخراً منعت تلك الظاهرة التي شاهدتها مرة واحدة في حياتي، وأخبرت بها إياس وكان متشوق لرؤيتها لكن لم نوفق لها هذه المرة.

صحينا لصلاة الفجر، ثم انتظرنا بعض الضوء حتى نستطيع الخروج ونواصل الاستكشاف، وقبل شرب الشاي بالحليب كُنا قد انطلقنا للمزارع والنهر مجدداً لنرى الشروق في ذلك الفضاء المفتوح، ومنظر الشروق يمكننا أن نراه من داخل البيت. رجعنا للبيت لشرب الشاي بعدها أرسلونا لشراء خبز من مخبز لا يبعد كثيراً من البيت وشراء لحم من الجزار الذي وجدناه يذبح شاة أو تيس صغير، ونحن في الخرطوم غير متعودين للحم التيس، فقط يتوفر عندنا بكثرة لحم البقر والخراف. فأحسسنا بالبساطة والشفافية، حيث تشتري ما تراه أمامك وتعرف مصدره، بل حتى الحليب نرى البقرة التي يُحلب منها ذلك الحليب. ذهبنا للبحر مرة أخرى حتى ينتهي الجزار من تقطيع اللحم، ورأينا صيادي السمك يخرجون بالمراكب في الصباح الباكر.

حتى لا أطيل المقالة أكثر مما أطلت اﻵن قررت أن أقسمها لجزأين، وأحاول كتابة الجزء الثاني اليوم بإذن الله، وأترككم مع هذه الصور:

وهذا هو رابط الجزء الثاني من الرحلة

10 رأي حول “رحلة قصيرة مع إياس تعلمنا منها الكثير، الجزء اﻷول

  1. انا متعود على السفر منذ الصغر، ابي و امي كانا مهندسي تخطيط عمراني، وكان يوكل اليهما مهام في مناطق عدة على مستوى سوريا كلها، لتخطيط المدن و الشوارع، و كانا يأخذاننا معهم، 3 اولاد، و بما انه التكاليف المرصودة منخفضة فكنا ناخذ ارخص الوسائل و اقل الفنادق نجومية، و ربما نبيت عند عائلة ما، خاصة اذا كان اهل المنطقة مضيافين.

    تقريبا بت منذ الصغر اعرف مناطق سوريا شبر بشبر، و ادمنت على السفر في ذلك الوقت، رائحة الوقود، عرق السائق، رؤية السراب في اخر الطريق.

    1. هذه من اﻷعمال الجميلة، التخطيط العمراني، وبه سفر. لابد أن يكون لديك نشاط مثل هذا مع أبنائك للتذكر بعض تلك المناطق بعد أن يحل عليهم اﻷمن بإذن الله

        1. لا أقصد اﻵن، بل عندما ينصلح الحال اﻷمني والاقتصادي بإذن الله.
          أحد اﻷسباب التي جعلتني أذهب مع إياس فقط هو زيادة أسعار الوقود وبسببها زادت تكلفة تذكرة البص زيادة كبيرة

  2. جميل جدا معرفة البلدان من خلال تجارب ساكنيها شكرا لك على المشاركة والصور .. حفظكم اللهم من كل سوء ..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s