الرحلات البرية

السلام عليكم ورحمة الله

تكملة للمقالة السابقة عن نشاطات نهاية اﻹسبوع نتكلم في هذه المقالة عن نشاط الرحلات البرية، وأقصد بها رحلة إلى مكان خلوي أو إلى البر كما يسميه أخواننا في الخليج، وفكرة هذه الرحلات مأخوذة منهم، إذ ليس موجود في ثقافتنا في السودان مثل هذه الرحلات وأعتقد أن كل شمال أفريقيا ليس لديهم هذا النوع من الرحلات (صححوني يا أهل شمال أفريقيا إذا لم تكن هذه المعلومة صحيحة) ما عدا موريتانيا فلديهم نفس ثقافة أهل الجزيرة العربية. وقد تعودنا – في السودان- أن تكون الرحلات إلى النهر أو إلى شاطئ بحر، أو إلى مزرعة، لكن الرحلات إلى منطقة صحراوية أو شبه صحراوية خالية غير مشهورة عندنا، بل نتعجب من إخواننا في الخليج أنهم لا يذهبون إلى البحر كثيراً ويفضلون عليه الرحلات البرية أو الرحلات إلى الأودية والجبال وعيون الماء، وذلك الاستنتاج من خلال إقامتي خمسة أعوام في المرحلة الابتدائية في جنوب السعودية، لم نكن نذهب إلى رحلات غير مناطق برية كأنشطة تابعة للمدرسة، وعندما كنا نذهب إلى شاطئ البحر اﻷحمر لم نجد أي شخص من المنطقة، وتكررت نفس الملاحظة في موريتانيا عندما ذهبنا إلى شاطئ المحيط اﻷطلسي فهو فارغ إلا من السياح ولا يوجد فيه زائر من أهل المنطقة. كذلك من خلال متابعتي لبعض الرحالين أصحاب القنوات من الخليج عندما يمرون بالبحر لا يهتمون به كثيراً ونادراً ما يتوقفون عنده، لكنهم يتوقفون عند اﻷودية والمياه العذبة. وقد استنتجت أنهم يحبون الماء العذب ولا يحبون ماء البحر المالح (أتمنى أن يعلق على هذه المعلومة أخواننا من الخليج والجزيرة العربية لشرح السبب)، أما نحن في السودان -خصوصاً في الخرطوم- فزيارة البحر اﻷحمر وشاطئه الجميل في مدينة بورتسودان البعيدة عنا هي من اﻷمنيات الجميلة التي لا تتحقق دائماً.

الرحلات البرية تختلف عن رحلات البحر والأنهار، إذ تكون هُناك مناطق شاسعة مفتوحة ونادراً ما يكون فيها أشخاص آخرون فتكون أكثر خصوصية بالنسبة للعائلة واﻷطفال يجدون فيها حرية أكبر، ونجد فيها نباتات وأحياناً حيوانات ترعى. وأتذكر تعليق اﻷستاذ عمر خالد عن أن العرب في مكة كانوا يتعهدون بأبنائهم إلى مرضعات خارج مكة، فكان تعليقه أن له أثر في انفتاح افق الطفل أن يجد أمامه فضاءً مفتوحاً، فيؤثر هذا عليهم في نشأتهم. لكن مشكلة الرحلات البرية أنها تتطلب حمل قدر كبير من الماء لكنها تجعلنا نتعلم الاقتصاد في صرف الماء للوضوء مثلاً وحتى الشراب، ومعرفة قيمة الماء ونعمة توفره، وهذا شيء تعليمي مهم جداً للأطفال واختبار لهم في تقليل صرف الماء. لكن الرحلات إلى اﻷودية أو العيون لا تصاحبها تلك المشكلة.

توجد عدد من أنواع وطبيعة البر، فيمكن أن يكون صحراء رملية قاحلة، وهذه تناسبها الزيارات المسائية لعدم توفر أشجار ظليلة، ثم المناطق التي بها أشجار ظليلة وهي مناسبة لقضاء يوم أو نهار، ويوجد الجبال. وكل نوع له سمته وطعمه الخاص، لكن لا تتوفر كل هذه اﻷنواع بالقرب من مدينة واحدة.

الخروج من المدن والذهاب إلى تلك المناطق ذات الهواء النقي ورؤية السماء والأفق واﻷشجار والحيوانات لها أثر كبير على النفس، على الصغار والكبار، وقضاء يوم هناك له أثر كبير يمتد لأيام لصحتنا الجسدية والنفسية، فمع كل هذه الضغوط والصعوبة في الحياة وكل المشاكل بكافة أنواعها، بل نقول رغما عنها نذهب إلى مثل تلك الرحلات، متناسين كل شيء إلا الصلاة في وقتها وذكر الله وتسبيحه والتفكر في السماوات واﻷرض. كما قال الله تعالى في سورة غافر: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‎﴿٥٧﴾ فنحن نرى ما يكفي من الناس في المدن المزدحمة، فنريد رؤية باقي ملكوت الله، دعونا نستمتع بهذا الملكوت.

اكتشفنا مؤخراً منطقة برية أصبحنا نذهب لها في رحلة على بعد 25 كيلومتر عن وسط الخرطوم، لكن لم نداوم عليها، حيث آخر مرة ذهبنا لها كانت قبل أربع أو خمس أعوام، وعندما رأوها أبنائي الصغار في الصور تحمسوا للذهاب لها فذهبنا يوم السبت الماضي، وكان يوم الجمعة يوم ماطر، ويوم السبت في الخرطوم كان به ارتفاع في درجة الحرارة، لكن عندما ذهبنا إلى البر كان الهواء أبرد من المدينة، ولاحظت أن معظم الرحلات التي نذهب إليها تكون في فترة الصيف أو الخريف، لأن الناس يهربون من حرارة المدن إلى منطقة ذات هواء أبرد، أما في الشتاء فيكون اليوم قصيراً ولا يميل الناس للخروج بسبب البرد.

المنطقة التي ذهبنا إليها هي في شرق النيل الأزرق، وهذا هو موقعها في الخريطة :

https://www.google.com/maps/@15.5058629,32.7582846,533m/data=!3m1!1e3

من اﻷنشطة التي تصاحب تلك الرحلات هي الاستكشاف والتصوير، وإشعال النار لإنضاج طعام أو لعمل شاي أو قهوة. والمنطقة مليئة بإغصان الأشجار، واﻷشجار بها شوك، تتسبب في جروح اﻷطفال لعدم معرفتهم التعامل مع الطبيعة.

من الدروس المهمة هي الاقتصاد لاستخدام وشرب الماء، حيث ربطنا فترة مكوثنا بنفاذ ماء الشرب أو ماء الوضوء، كذلك معرفة المواد التي تتحلل مثل قشور الفواكه، والتي لا تتحلل مثل المواد البلاستيكية، وأظن أن هذه يجب أن يعرفها الكبار قبل الصغار، فللأسف وجدنا بعض اﻷشجار تحتها قناني بلاستيكية، لم نعرف كيف يفكرون وكيف يتركونها ورائهم، يمكننا توعية الصغير بسهولة، لكن كيف نوعي الكبير!

سألت أبنائي اليوم، أيهما أفضل: الرحلة البرية أم رحلة إلى نهر النيل: فقال كل من سالت منهم الرحلة البرية أفضل.

هذه بعض الصور لتلك المنطقة الخلوية بأشجارها وأرضها وسمائها، نتمنى أن نزورها مرة أخرى أو اكتشاف مناطق برية أخرى:

8 رأي حول “الرحلات البرية

  1. إنها رحلة جميلة إلى مكان جميل. أما عن رأي مواطني الشمال الإفريقي. فنحن في ليبيا لا نذهب للبر عادة. البحر هو المكان المفضل لدينا. تليه المزارع والمسطحات الخضراء والمنتزهات.

  2. عندي اقتراح لكن قد يبدو ثقيلًا؛ وهو أن تجعل مقالاتك التي تتحدث عن التربية وأولياء الأمور والأُسر في سلسلة (يمكنك تسميتها ما تشاء) وترفقها بتجاربك لها، وفي مرحلة لاحقة يمكنك أن تجمعها في كتيب صغير يكون شيء ملموس لما حققته من نجاح كونك رب أسرة ومربي أيضًا.على سبيل المثال هذه المقالة رائعة جدًا ومرنة أي أنها لا تنحصر في موضوع جاد واحد بل تطرقت للبيئة وأثر البر وعظمته كخلق الله، لذلك ربما طرأت في رأسي فكرة التوعية عبر سلسلة مثل هذه، بالإضافة إلى أن لديك من قبل مقالات رحلاتكم وهي جد نافعة وممتعة وتجاربكم حتى في الزراعة ونحو ذلك، كما تعلم الناس تحب الدروس المصحوبة بالتجارب الحية. موفقين يا رب.👍

    بالمناسبة أهدي مقابل هذه المقالة برنامج مثير للإهتمام ومفيد جدًا عن النباتات، حيث تقوم بتصوير النبتة وهو يتعرف عليها ويضع لك كل ما يتعلق بها من طريقة زرعها وريها والعناية بها وأين تنمو وكيف وإلى آخر هذا… اسمه: PictureThis .تجربته ممتعة بحق.

    1. شكراً يا أخت أسماء على هذا الطرح والتعليق المفيد. الطلب ليس بالثقيل، بل أرى أنه واجب لكل من وجد طريقة مفيدة لتربية وتعليم أبنائه أن ينشرها بين الناس ولا يبخل بها، من باب نشر العلم ونشر الخير للناس
      في الحقيقة فكرت في ذلك وطلب مني قبل شهر تقريباً أحد زملائنا كتابة تجربتنا مع اﻷجهزة الذكية مع اﻷبناء، لكن يوجد عائقين حول هذا الموضوع لذلك أقلل من التكلم كناصح:
      أولهما أن التجربة لم تكتمل بعد ولم نرى كامل النتيجة، حيث ما زال أبنائي صغار، على اﻷقل لم يصلوا إلى الجامعة
      المشكلة الثانية أن الكتابة عن التجارب تُظهر بعض المثالية في التعامل وهذه ليست حقيقة، حيث لدي مشاكل كثيرة جداً وآثار جانبية لطريقة تعاملي وتربيتي لأبنائي لذلك لا أرى نفسي أستحق أن أتكلم عن نجاح، بل فقط عن تجارب محدودة نجحت لتحقيق أهداف محدودة، لذلك كان لابد من سماع وقراءة تجارب باقي اﻵباء لعلي استفيد منها وأفيد بها الناس مستقبلاً
      بالنسبة لموقع PictureThis فقد وجدت عدة مواقع بعد البحث لها نفس الاسم لم أعرف أيها تقصدين، هل تقصدي هذا الموقع:
      http://picturethis.net/

      1. التجارب التي لم تكتمل بعد يمكنها أن تنتظر إلى أن تظهر النتائج، أما بالنسبة للمثالية فصدقني خلال ما نرى من الصور والبساطة في السرد والوضوح كذلك والمرونة فكلها أشياء حتى وإن بدت بها بعض المثالية فليس المثالية الشاطحة في الخداع، وإن أردت مثلًا أن تكسر عائق المثالية الذي يزعجك فيمكنك أن تفرز المشاكل في قائمة معينة لديك ويمكنك أن تساعد نفسك وتساعد الآخرين ببدء التعامل معها واحدًا واحد، ثم ستكون تجربة هائلة لك ولمتابعيك. ثم لعلمك فقط لا يقتنع الكثير بمعيار النجاح كشيء كافٍ للاستفادة، برأيي على الأقل أجد الذين صادفوا مشاكل وعراقيل أمام كل نجاح يكادون يبلغونه هم الأفضل في سرد التجربة والأوسع في وصف نواحيها. بالطبع، ستحتاج القراءة أيضًا لكن بشكل عام، أرى أن تبدأ ولا تنتظر النجاح أو أي معيار آخر للبدء بجد، ربما يكون حافز لك متعدٍ خيره إلى غيرك، كما أني أظن بأنك لن تنتهي من كتابة هذه السلسلة لو بدأتها، فأبسط مثال أن الأطفال اليوم سيكبرون غدًا وسيواجهون الكثير مما ستجد نفسك مجبورًا مجبولًا على التدخل فيه ومساندتهم لأجله. وفي كل الأحوال دروس اليوم سيُستفاد منها غدًا لكنها قد تفقد قيمتها كلما تأخرت أكثر في هذا العصر المستعجل. ربما أكون ملحاحة ويُتعَجَب مني ذلك، لكني أعتقد أن كل الناس في عقدهم الثاني يبدأ اهتمامهم يتضخم في مسألة التنشئة والتربية حتى ولو لم يكونوا أرباب أسر. أتمنى لك التوفيق في سعيك ومقامك، وأرجو من الله أن يكن لك عونًا ولجميع أولياء الأمور في تنشئة أطفالهم التنشئة الصحية نفسيًا وجسديًا ومعرفيًا.

        بالنسبة للبرنامج فهذا هو https://www.picturethisai.com/ 👍

        1. شكراً مرة أخرى أخت أسماء لهذا الاقتراح، اﻵن أصبح الهدف والطريقة أوضح، وسوف أعمل بهذه الاقتراحات بأن أذكر الحسنات والسلبيات في الطرق التي نستخدمها ومعرفة رأي من لديهم خبرة أو مروا بتجارب مشابهة.
          وهذه التجارب ليست موجهة لأولياء اﻷمور فقط، بل أي شخص، حتى الصغار يمكنهم الاستفادة بأن يطلبوا من آبائهم تنفيذ مثل هذه الأفكار ويكونوا مبادرين لتغيير أنفسهم نحو اﻷفضل بإذن الله.
          بالنسبة لموقع picturethis فقد نزلت التطبيق وتعرف على معظم النباتات المزروعة، فهو برنامج مسلي كأنه لعبة، وبه معلومات مهمة عن تلك النباتات، ذكرني بموقع كان قد ذكره اﻷخ عبدالله المهيري وهو
          https://www.inaturalist.org/
          والاختلاف أن اﻷخير يُساهم فيه خبراء لمعرفة النباتات التي نصورها، لكن الموقع اﻷول التعرف فيه تلقائي بواسطة برامج يظهر أنها من برامج الذكاء الإصطناعي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s