العكوف على أمرٍ ناجح

السلام عليكم ورحمة الله

كُنت في الاسبوعين الماضيين في رحلة عبر الماضي للأيام اﻷولى مع أجهزة الكمبيوتر المنزلية من أجهزة سنكلير، ثم كومودور وإنتهاءً بأجهزة MSX، وشاهدت تاريخ النوعين اﻷولين من قناة The 8-Bit Guy التي ذكرتها اﻷخ عبدالله المهيري في إحدى تدويناته. فأتتني فكرة هذه المقالة، أن هُناك بعض اﻷشخاص يعكفون على مشروع أو نشاط أو دراسة أو عمل أو تقديم محتوى ينجح نجاح كبير فيحفزهم هذا النجاح بمزيد من العكوف على هذا النشاط ومزيد من العطاء بطريقة غزيرة ومتدفقة. وهذا لا يحدث للأشخاص فقط إنما للشركات و للمؤسسات و حتى ببعض الدول أن تتطور في فترة ما وتتسابق في النجاح.

ما لاحظته عن هذا الشخص صاحب القناة التقنية أنه يتكلم بمعلومات غزيرة عن هذه المنتجات وبدقة شديدة ففكرت في أن تقديم هذه الحلقات يتطلب أسابيع لإنتاج محتوى مرئي واحد من الدراسة والتجارب ثم اﻹنتاج للمحتوى، ثم يعود له هذا التركيز والعطاء بمردود كبير من مشاهدات واشتراكات وبالتالي دخل من هذا المحتوى، وهذا يدفعه مرة أخرى لمواصلة هذا الإنتاج والنجاح بصورة أكبر، ويظهر أنه متفرغ لهذا المحتوى والقناة. ومن الملفت كذلك فيديوهات الهداية الشهرية له من أجهزة كمبيوتر قديمة وملحقاتها وبعض اﻷلعاب ليتكلم عنها في حلقاته التقنية هذه، إلى أن وصل مرحلة لم يعد له مكان في بيته لكل هذه اﻷجهزة فطلب من المشاهدين التوقف عن إرسالها. وهذه الهداية والتبرعات تتيح له الاستزادة من التجارب وتقديم محتوى عن هذه الحقبة من تاريخ الحواسيب.

يمكن أن يحدث لكل شخص أن يجد نجاح في مهنة أو هواية أو موهبة ينجح فيها ويفيد المجتمع بها ويتفوق فيها فيجد محفز من المجتمع مثلاً كالتشجيع أو ربح مادي يُمكّنه من النمو والاستمرار. وليس بالضرورة أن يستمر العطاء والنجاح بنفس المنوال، فربما يكون لفترة معينة، لكن حتى لو كانت لفترة وجيزة يمكن أن تتسبب في إحداث منعطف لتغيير مهم لهذا الشخص أو للمجتمع. كمثال لذلك أصحاب المحتوى الناجح، سواءً كُتب يكتبونها فتنال نجاح، فيستمروا في كتابة مزيد من الكُتب، أو حتى كتابة مقالات في مدونات مثلاً تجد تفاعل كبير مع جمهور القُراء، أو محتوى مرئي وكمثال لهم ممن يُسافر حول العالم ولهم متابعين كُثر فيجد دخل من هذا المحتوى يُمكنه للتفرغ لهذا الترحال، فيستمر في استكشاف العالم ويشتري اﻷدوات والوسائل التي تُعينه على السفر والتنقل سواءً دراجات هوائية أو نارية، وأجهزة متطورة للتصوير، ويعكف على إنتاج المحتوى المتتالي لرحلاته تلك، ويستمر في السفر وتستمر قناته في الزيادة. لكن في النهاية يصل إلى مرحلة ما يحدث فيها تراجع، بالتنافس مثلاً أو عدم التجديد أو ربما يمل هو نفسه من هذا النشاط الذي يفعله، أو يغلط غلطة يظن أنها في صالح المحتوى أو المشروع الذي يعمل عليه فتأتي نتائجها سلبية مثل ما يحدث لكثير من شركات التكنلوجيا. لكن على اﻷقل يكون قد حقق شيئاً وذُكر في التاريخ، أو محتوى أصبح موجود في الفضاء الرقمي وتستمر الاستفادة منه.

التعلم والتعليم من اﻷشياء التي تظهر فيها هذه الظاهرة كثيراً، قرأت عن أحد الشيوخ أنه في صغره عندما كان طالباً، منّ الله عليه بسرعة الحفظ، فكان يحفظ جزء كامل من القرآن في اليوم، لذلك نجد أن غزارة اﻹنتاج والنجاح مرتبطة بالموهبة، لكن على الإنسان أن يبحث أين تكمن موهبته تلك والتي يتميز فيها عن أقرانه ليعكف على تنميتها والاستفادة منها ثم النفع بها.

كتجربة شخصية أذكر أني عندما دخلت الصف الثالث الثانوي اخترت تخصص أحياء مع أنه كان لدي كمبيوتر وبدأت البرمجة من عمر 12 عاماً تقريباً إلا أنه في ذلك الوقت لم أكن أعرف أن هُناك مهنة تُسمى مبرمج كمبيوتر، فكان هدفي هو دخول كلية في مجال اﻷحياء، لكن بعد أن وضعت القلم عن آخر امتحان للشهادة الثانوية، رجعت لمواصلة تعلم لغة بيسك التي بدأتها قبل عدة أعوام لكن لم أنجح فيها نجاح يُذكر، إنما كانت برامج صغيرة مثل جدول الضرب، وبرامج تطلب منك إدخال اسمك وعمرك وعنوان سكنك ليطبعها مرة. لكن هذه المرة بدأت مجال جديد في البرمجة بعد ما اشتريت كتاب من المكتبة عن تصميم الألعاب بلغة البرمجة بيسك – أتمنى أن أجد هذا الكتاب اﻷثري والمهم في مكتبتي- فتعلمت منه صناعة اﻷلعاب، وقد بدأت أولاً بكتابة ألعاب تعليمية مثل المسابقات، وبرنامج مساجلة شعرية ضد الحاسوب، ثم انتقلت للألعاب اﻷخرى مثل لعبة سيارة وعنكبوتين ينسجان الخيوط حول بعضهما، وعدد من البرامج واﻷلعاب اﻷخرى. عكفت على تطوير البرامج وتعلم المزيد حتى أذكر أني درست كل اﻷوامر الموجودة في لغة بيسك لكمبيوتر صخر في تلك الفترة، وكُنت أنتج حوالي برنامجين أو لعبتين في الاسبوع، وكان هذا في عام 1994م وكانت أيام كأس العالم، لكن لم ألتفت لهذه المباريات فكنت منهمكاً مع البرمجة، سوى مباراة واحدة أو شوط واحد كان يلعب فيه مارادونا وكان ذلك بسبب أنه كان لدينا مناسبة وكان هُناك ضيوف كُثر في البيت، لكن استغليت وجود الضيوف لعرض البرامج واﻷلعاب هذه عليهم، وجعلهم يشاركوني تجربتها واللعب بها، فكان هذا دافع للاستزادة والاستمرار، فاستمر هذا حوالي شهر إلى دخول الجامعة، لكن كان له أثر كبير في أن اختار مجال البرمجة، مع أن تخصص البرمجة يتطلب مادة الرياضيات المتخصصة وليست اﻷحياء، لكن لحسن الحظ وجدت في كلية العلوم بجامعة السودان دبلوم علوم كمبيوتر يقبل الممتحنين بتخصص اﻷحياء، فقبلوني بها ثم تغيرت الدرجة من دبلوم إلى بكلاريوس ونحن في عامنا اﻷول، لكن كان هُناك آثر آخر، وهو أني عندما دخلت العام اﻷول من الجامعة كُنت مبرمج ألعاب، وكنت أعرف الكثير عن البرمجة، لكن بلغة بيسك لكمبيوتر صخر، بعدها درست لغة QBasic الموجود في نظام التشغيل MS-DOS -مع أنها لم تكن ضمن المقرر، حيث كانت البرمجة تبدأ في النصف الثاني من العام اﻷول- وكتبت بها برامج وألعاب لفتت انتباه زملائنا وطُلاب الكلية ، وشاركت بها في معرض يُقام في قسم الحاسوب. وأذكر أحد الزوار علّق في دفتر التعليقات الخاص بالمعرض- و لا زلت أذكر جملته جيداً- حيث كتب: المبرمج بلغة بيسك هذا لا يقل عن مبرمجي شركة ميكروسوف، فحفزني هذا المعرض وإعجاب الزوار و الأساتذة والطلاب بالمزيد من التعلم والتعمق في البرمجة وكتابة المزيد من البرامج. وفي العام الثاني شاركت ببرامج بلغة باسكال كانت أكثر تقدما من برامج بيسك.

في هذه المقالة لم أتكلم عن كيف يعكف الشخص على نشاط أو شيء ناجح، إنما أحببت التنبيه لهذه الظاهرة، أنا عن نفسي لم ألحظها ولم أُعطها تعريف أو اهتمام إلا مؤخراً، ربما يكون هذا التعريف والملاحظة والانتباه لهذه الظاهرة – ولو متأخرة- دافع لأنجح مرة أخرى لذلك أحببت أن أُنبه باقي الناس لهذه الفكرة وأن لا يفوتوا فرصة يغتنموها لتكون لهم نجاح في شيء يتقنوه ويتميزون فيه، فلا يكفي النجاح العادي بدون استمرار وبدون تميز وبدون غزارة في الإنتاج والعطاء، وهذا بعد الاستعانة بالله لُيساعدنا في النجاح وأن نفعل شيء نافع يكون إضافة لهذه اﻷمة.

الآباء وأولياء اﻷمور والمربين، بل حتى المدراء والقادة، عليهم أن يلحظوا هذه الظاهرة لمن هم مسؤولين عنهم وتحفيز الأطفال والناشئة والشباب على اغتنام هذه الفرصة لكن دون أن يؤثر ذلك على باقي حياتهم وأنشطتهم، خصوصاً اﻷطفال فيمكن أن تكون فكرة العكوف على نجاح في نشاط ما، تكون له آثار سلبية على صحتهم مثلاً أو تحصيلهم العلمي، مثلاً هُناك بعض اﻷطفال الناجحين في تقديم المحتوى المرئي في الإنترنت، وفكرت أن هذا سوف يؤثر على مستواهم الأكاديمي. لذلك لابد أن نترك الفرصة لهم لأن يعرفوا التخصصات المختلفة في الحياة ولا يختاروا تخصص وهم في سن صغير ويفوتوا على أنفسهم نجاح أكبر كان يمكن أن ينجحوه إذا اختاروا تخصص مختلف.

10 رأي حول “العكوف على أمرٍ ناجح

  1. شكراً لمشاركتك تجربتك، غزارة الإنتاج شيء أفكر فيه منذ سنوات لأن ما أفعله لا أراه غزيراً وأعلم أن بإمكاني فعل المزيد إذا أردت وإذا جعلت كتاباتي هي عملي وهمي الأساسي، وكلما أردت أن أبدأ بذلك وجدت نفسي متردداً ولا أدري لم التردد، ليس هناك شيء أخسره.

    هذا يشمل الفيديو بالمناسبة، منذ سنوات وأن أسوف تعلم صنع الفيديو، علي أن أبدأ اليوم وإلا لن أبدأ 😅

    1. التأخير ليس في صالح فرصة غزارة اﻹنتاج، ما يتوفر اليوم ربما لا يتوفر غداً.
      عن نفسي أضعت فرص كثيرة كان يمكن أن أنجح فيها لكن خفت المغامرة

  2. هذه تدوينة جميلة حقًا. دايفد موري غزير الإنتاج ولديه معلومات كثيرة حول التقنية القديمة. كما أنه من الجميل أن أرى بعض الألعاب التي صممتها في الماضي.

  3. قد يكون ما تراه هو بعين واحدة فقط، تنظر الى الناجح فقط.

    ليست المشاريع الناحجة (شعبويا، او ماديا) فقط التي تجعل صاحبها يواظب عليها أو كما تقول يعكف عليها.

    اعلم عدة مشاريع فاشلة جدا من الناحية الشعبية و المادية، لكن اصحابها مازالو يولون وقتا طويلاً من العمل، وحتى من المال و ربما على حساب عائلاتهم.

    أما محلياً عن التشجيع، فليس لدينا “عربيا” أو شرق اوسطياً هذه الثقافة، سواء التشجيع المعنوي (الحقيقي وليس النفاق) ولا التشجيع المادي وهنا حتما يكون حقيقياً.

    فاذا عرضت فكرة مشروع منفذ تعمل عليه على شخص محلي، بادرك بانك اما مجرد مشارك به، او بدأ بالبحث عن نواقص كان بامكانه بنفس الوقت الذي استغرقه بالنقد، بأن يسد هذا النقص بنفسه و بنفس المجهود الذي بذله بالنقد، كأن يقول “أين الصور؟” (ببساطة يستطيع انه يضيفها بنفسه على المشروع المفتوح المصدر) أو اللغة الانكليزية ركيكية، و بكل بساطة يستطيع في برنامج مفتوح المصدر ان يقوم بعمل تصحيح لللغة و يرسلها لك وبل الموقع (كموقع github) يحفظ له حقوقه في هذ المساهمة.

    نحن لا نكافيء سوى الذي نجح، وليس الذي بذل مجهود و لم يقدر له النجاح (حسب تعرفينا المادي للنجاح)

    1. ليس بالضرورة أن يكون هُناك مكسب مادي، واﻷمثلة التي ضربتها ليس فيها أرباح تعود للشخص، إنما شخص كرّس وقته للناس، بعض من يُسافر حول العالم مثلاً دخلهم قليل لا يكفيهم لمتابعة الرحلة فيطلبوا دعم من المشاهدين لإكمال السفر. كذلك من يكون له محتوى ناجح وبه تفاعل كبير للناس نادراً ما يكون له دخل يُحسب كأنه ربح، فغالباً ما يكون هذا الدخل -إن وجد- يكفي لإنتاج المحتوى لكن لا يكفيه ليتفرغ له ويترك عمله اﻷساسي.
      لكن في النهاية فإن ربط النجاح بالكسب المادي هو السمة الغالبة عند كثير من الناس، أنا شخصياً أُعاني من هذا الربط من المجتمع حولي، حيث يرون أني كنت ناجح مادياً عندما كُنت موظف مقارنة بقلة النجاح المادي بعدما أسست عملي الخاص

  4. كما قالت خلود بادحمان، النجاح يحتاج أمرين: الاستمرارية والتطور، بمعنى الانتقال من مرحلة إلى أكبر حتى تتكون خبرة ويُنحت اسم.
    لفتني دخولك في البداية تخصص الأحياء، ووجدتُ الفكرة لائقة بشخصيتك المهتمة بالنباتات على وجه الخصوص.

    1. نعم الاستمرارية والتطور من أهم المقومات للنجاح.
      بالنسبة لتخصص الأحياء فاستفدت منه كثيراً في المعلومات العامة بما يتعلق بصحة اﻹنسان والعمليات المختلفة مثل الهضم، والأمراض وعلاجها، وكذلك النباتات وتكاثرها، كما أني قد اخترت مادة إضافية وهي دراسات بيئية تجمع بين الجغرافية والعلوم اﻹحيائية وكانت مادة جديدة في وقتها، فقدر الله أن أتخصص في تخصص مختلف يُعد تخصص جاف (رياضيات وحاسوب) مقارنة باﻷشياء الحية، فاصبح لدي هواية في تلك العلوم الحيوية.

      1. ذلك التأهيل للأحياء يظهر في معرفتك، وبالفعل هي هواية جميلة ونافعة في مجالات حياتية عديدة، وأظن أن لغة الهواية تجعل الأحياء ألطف بكثير من اللغة الموضوعية لها والجافة، أحببتُ الأحياء طويلًا، لكن كلما تعمقت لغته وغلظت كان يغدو أسوأ وأسوأ

        1. الأحياء كعلم ليس صعب، كل إنسان لابد أن يعرف أساسياته من نمو ودورة حياة وأمراض، كلها علوم نحتاج إليها في حياتنا اليومية، لكن المشكلة في التدريس، حتى اللغة العربية التي نتكلمها تصبح صعبة عندما يتحول الموضوع إلى مادة دراسية. لذلك اﻷفضل التعلم والثقف لهذه العلوم بطريقة غير أكاديمية، مثلاً اليوتيوب توجد فيه محتويات مشوقة سهلة الفهم لغير المتخصصين، وكذلك توجد فيه محاضرات بنفس الطريقة المدرسية والتي لا تصلح للاستفادة منها لغير المتخصصين.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s