حواسيب MSX، النهاية التي لم تُروى

السلام عليكم ورحمة الله

تابعت في الاسبوعين الأخيرين قصة حواسيب MSX ثم بحثت عن سبب توقفها أو كيف كانت نهايتها، ووجدت مصادر شحيحة تتكلم عن السبب الحقيقي وراء ذلك التوقف، مما ترك لي الباب أمام الاستنتاجات لهذه النهاية. لكن قبل ذلك دعونا نتكلم عن تعريفها وقصة نجاحها ثم نختتم بأسباب توقفها بإذن الله.

MSX هي صيغة ومعيار قياسي لصناعة الحواسيب المنزلية المنخفضة التكلفة، وملحقات لها، وهي صيغة لكتابة البرامج لتتوافق مع ذلك العتاد، وقد كانت فكرة أحد الرواد اليابانيين في عالم التكنولوجيا أسمه نيشي، و جاءت مبادرته العبقرية هذه بسبب أنه في تلك المرحلة (نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات) كانت هُناك حواسيب تُصنع من عدة شركات غير متوافقة مع بعضها وكل حاسوب أو لعبة فيديو تحتاج لبرامج مختلفة لتعمل عليها. فكانت فكرة نيشي أن يصمم مقياس جديد لصناعة الحواسيب بصورة متوافقة يعرضه على الشركات المصنعة للعتاد ويعرضه على شركات البرمجة لتطوير برامج، والأهم من ذلك أنه عرضه على بيل قيتس لتتبني شركة ميكروسوفت هذا المشروع وتدعمه بلغة البرمجة بيسك التي كانت تطورها شركة ميكروسوفت آنذاك.

أُعلن عن هذا المشروع في عام 1983م، بواسطة ميكروسوفت وشركة ASCII التي كان يُدريها نيشي في اليابان والتي قد أصبحت تُمثل فرع لشركة ميكروسوفت في اليابان، وكانت هي المسؤولة عن تطوير معمارية تلك اﻷجهزة ووضع المقاييس وإدارة المشروع. كمنت العبقرية في هذه الفكرة – حسب رأيي- في أنه بدلاً من تصنيع أجهزة جديدة بصورة محدودة وتطوير برامج لها أن يعطي شركات العالم فرصة لصناعة تلك اﻷجهزة والمنافسة في ما بينها، فاستجابت اثنا عشر شركة من كبريات الشركات في اليابان مثل سوني، وسانيو، وتوشيبا، وياماها، ودايوو، وباناسونك، وهيتاشي وكاسيو، وغيرها من الشركات اليابانية، ثم شركة أمريكية وشركة فيليبس في أوروبا، وشركة في البرازيل. فصُنعت منها ملايين الأجهزة في الثمانينيات وكانت أجهزة ناجحة بسعر رخيص مناسب للدخول في سوق الاستخدام المنزلي، وكان لها أثر كبير لجيل الثمانيات في تعلم البرمجة والتعامل مع الحواسيب بالإضافة للتعليم، حيث كانت هُناك عدد من البرامج التعليمية طُورت لهذه المنصة الجديدة، منصة MSX. و الجدير بالذكر أنه بيع منها 9 ملايين جهاز في اليابان فقط، كذلك اشتهرت مبيعاتها في روسيا، وصنّعت البرازيل هذه اﻷجهزة حينما كانت تحظر دخول الصادرات إليها، لكنها وجدت في مقياس MSX المفتوح لتصنيع أجهزة محلياً بدلاً من استيراد أجهزة حواسيب من دول أخرى.

كانت اليابان مزدهرة بالصناعة في تلك الحقبة، فغطت تلك اﻷجهزة من الشرق اﻷقصى إلى المغرب العربي ودول أوروبا مروراً بالشرق اﻷوسط، وأمريكا الجنوبية، لكن لم تستطع المنافسة في أمريكا الشمالية و التي استحوذت عليها أجهزة كومودور بصورة أكبر وكانت لها أسعار أقل من أسعار MSX والتي كانت أحد أخطائها أنها دخلت أمريكيا بإمكانات أعلى من إمكانات أجهزة الشرق، حيث أضافت لها شركة ياماها إمكانات صوتية مدمجة فيها أنواع المعازف الالكترونية، فكان سعر الجهاز يتجاوز 500 دولار، مقارنة بجهاز كومودور وجهاز سنكلير الذي لا يتمتع بميزات صوتية عالية بسعر 166 دولار فقط.

في الشرق اﻷوسط دخلت شركة العالمية التي كان مقرها الكويت بمؤسسها محمد الشارخ في هذا المشروع لكن من الجانب البرمجي، والتسويقي، وأول شيء فعلته شركة العالمية هو إدخال اللغة العربية في الحاسوب، حيث كانت أول حواسيب تدعم اللغة العربية في العالم، وصنعت لها الشركات اليابانية العتاد، في جهاز يعرف تماماً لجيل الثمانينيات وهو حاسوب صخر. وقد كان أشهرها هو حاسوب صخر AX 170 , وقد كانت مواصفاته كالتالي: به معالج Z80 بسرعة 2 ميغاهيرتز، وذاكرة 64 كيلوبايت، والتي صنعته شركة سانيو اليابانية، كذلك جهاز AX 350 الذي يُمثل الجيل الثاني من MSX بذاكرة 128 كيلوبايت، وقد صنعته شركة ياماها. قدمت شركة العالمية عدد كبير من البرامج العربية خصوصاً البرامج التعليمية، وبرنامج القرآن الكريم، و استُخدم هذا الجهاز في عدد من المدارس، وكان له أثر كبير في التعليم وتعليم البرمجة والحاسوب لجيل الثمانينيات في الوطن العربي واﻹسلامي.

جهاز صخر AX170، مصدر الصورة: https://www.msx.org/wiki/Sakhr_AX-170

استمر هذا النجاح لبضعة أعوام وصدرت منه النُسخة الثانية MSX2 عام 1985، ثم MSX2+ في عام 1988، لكن اﻷخير بيع منه فقط في اليابان. كانت كل هذه الأجهزة بمعمارية 8bit للمعالج Z80، وقد خُطط لإنتاج معمارية 16bit في عام 1990 في نُسخة MSX3 لكن تأخر ذلك اﻹصدار عن وقته، وبدأت الشركات المُصنعّة التخلي عن تصنيعه بسبب انخفاض المبيعات بسبب سعره العالي، و لم يستطع المنافسة في الغرب، حيث سبقت أجهزة كومودور أجهزة MSX من حيث عدد المبيعات حيث بلغت مبيعات كومودور-64 الشهير 17 مليون جهاز كأعلى جهاز حاسوب مبيعاً في التاريخ، كذلك كانت هُناك شركات أخرى منافسة مثل أتاري، وإسبيكتروم الذي بلغت مبيعاتها 5 مليون، كذلك Apple II الذي بيع منه 6 مليون جهاز. ثم ظهرت معمارية 16bit في الغرب ودخلت شركة IBM بمعيارية قياسية جديدة لكن بسعر عالي لتدخل سوق العمل كأولوية على سوق الاستخدام الشخصي.

بعد النجاح الكبير في الثمانينات لأجهزة MSX بدأ ضوئها يخفت لعدة أسباب: منها أنها لم تكن مناسبة للاستخدام في العمل، حيث كانت بها إمكانات ضعيفة مناسبة فقط للاستخدام المنزلي والتعليمي في المدارس والجامعات، وكان يعتمد على وجود تلفاز ليكون جزء من الملحقات الكثيرة التي يتطلبها جهاز MSX ، والتلفاز أو الشاشة هذه هي عبء إضافي في التكلفة، كذلك كان يتطلب وسيط تخزين خارجي مثل مسجل الكاسيت، أو مشغل اﻷقراص المرنة أو الصلبة. وقد كان حلم نيشي أن يُصبح حاسوب MSX جزءاً مبنياً داخل أجهزة التلفاز وكان هدفه أن يكون جهاز منخفض الثمن ليصل إلى 50 دولار فقط. ومن العوامل اﻷخرى أن MSX2 لم يقدم شيء جديد ملفت، و MSX بمعمارية 16bit تأخرت وتعذرت عن اﻹصدار في وقتها، وهي معمارية ذات سرعة معالجة أكبر وذاكرة أعلى لتناسب متطلبات التطور في البرمجيات وأنظمة التشغيل، لكن كان البديل هي أجهزة منافسة مثل كومودور أميغا الذي صدر في عام 1985 بمعالج موتورولا 68000 بمعمارية 16/32bit فكانت هذه ضربة كبيرة للأجهزة ذات المعماريات القديمة. ومن الأسباب الكبيرة هي تخلي شركة ميكروسوفت عن تبني فكرة MSX في منتصف الطريق (عام 1985) لصالح معمارية IBM ,والتي كانت سبباً في نجاح و سطوع نجم ميكروسوفت في أنظمة التشغيل. من اﻷسباب اﻷخرى – حسب رأيي- أن أجهزة MSX حاولت المنافسة في عدد من المجالات ولم تُركز على مجال واحد، حيث كان جهاز حاسوب متعدد اﻷغراض، وكان جهاز ألعاب وجهاز تعليمي وحاولت شركة ياماها جعله جهاز موسيقي، فهذا جعله أقل إمكانات من اﻷجهزة المتخصصة اﻷخرى وأعلى سعراً لأنه يجمع كل هذه اﻷشياء.

في الختام فإن الأسباب وراء توقف أجهزة MSX هي: تأخر معمارية 16بت، وعدم مقدرته على الدخول في السوق الغربي، وعدم دخوله سوق حواسيب العمل، و المنافسين الذين كانت لهم دعاية أكبر ومبيعات أعلى مثل كومودور التي احتلت السوق الغربي والذي كان أكبر من السوق الشرقي، وفصل الشراكة بين ميكروسوفت وشركة آسكي اليابانية، بالإضافة لقلة البرامج التي طُورت له مقارنة بالبرامج التي طُورت للأجهزة اﻷمريكية مثل أجهزة كومودور، وأخيراً دخول المنافسين الكبار: شركة IBM وشركة Apple في سوق اﻷجهزة الشخصية والموجهة للاستخدام في اﻷعمال، وثورة البرامج وأنظمة التشغيل ولغات البرمجة التي تدعم تلك اﻷجهزة لتلبية احتياجات السوق العالمي.

البرامج ذات اﻹمكانات العالية تطلبت عتاد قوي، مثلاً معالج أسرع، وذاكرة أكبر، وكرت شاشة ذو إمكانات وذاكرة أعلى، وشاشة ذات دقة أعلى، فلم تعد اﻷجهزة الرخيصة مثل أجهزة MSX وكومودور وسنكلير وأتاري قادرة على المحافظة على أسعارها القديمة إذا فكرت في تبني معالجات قوية مثل معالجات إنتل مثلاً، وتغيير المعمارية يعني التضحية بكل البرامج القديمة، بل حتى التضحية بالهوية. وكان المعالج البسيط Z80 من شركة Zilog كان من أسباب نجاح تلك اﻷجهزة في تلك الحقبة، فهو معالج بسيط ومنخفض الثمن حيث بلغ سعره حوالي 7 دولارات فقط.

نستنتج من توقف كل أجهزة ومعماريات هذه الحواسيب في الثمانينيات أن هذه كانت نهاية طبيعية لها، لعدم نضج المعماريات في ذلك الوقت لهذه الحواسيب التي كان ما زال الوقت مبكراً عليها ولم يكن يُعرف استخدامها الحقيقي ولا البرامج التي سوف تعمل عليها، لذلك كان لابد من عمل معمارية جديدة ومعيار جديد أكثر تقدماً ويلبي كافة المتطلبات لتصلح لذلك العصر العصور التي تليه، وكان أشهرها معيار IBM .

الجدير بالذكر أنه لعمل هذه الدراسة والاستنتاجات فقد قرأت عدة مقالات كلها باللغة اﻹنجليزية، و للأسف لم أجد مراجع تُذكر باللغة العربية تتكلم عن موضوع MSX ، حيث أن معظمها لا يقدم معلومات شاملة ولا دقيقة و لا علمية، والمشكلة الكبيرة التي وجدتها كانت في ويكيبديا العربية حيث لا يوجد موضوع يتكلم عن MSX بل تتحول نتيجة البحث عن MSX إلى شركة صخر، وهذا خطأ كبير وقعوا فيه، حيث أن شركة صخر أو العالمية هي من ضمن الشركات التي عملت لإنتاج برامج لهذا النظام، أما MSX فهو مقياس ومعيار عالمي لصناعة اﻷجهزة وليست شركة. عندما قارنت باقي اللغات اﻷخرى في الموسوعة، مثل الفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات وجدت أن جميعها تتكلم عن الموضوع الصحيح عن معيارية MSX وليس عن شركة، فأتمنى أن تُصحح تلك المعلومة في ويكيبيديا العربية ويُفصل بين MSX وبين شركة صخر.

اﻵن يوجد عدد من برامج المحاكي لأنظمة MSX ولتشغيل برامجها، منها ما يمكن تشغيله في المتصفح مباشرة مثل هذا المواقع:

https://www.atarimagazines.com/creative/v10n8/194_MSX_a_standard_for_the_w.php

https://www.file-hunter.com/Arabic/

المصادر:

https://en.wikipedia.org/wiki/MSX

https://msx.ebsoft.fr/msx-genesis.php

https://www.old-computers.com/museum/computer.asp?c=90

https://www.atarimagazines.com/creative/v10n8/194_MSX_a_standard_for_the_w.php

10 رأي حول “حواسيب MSX، النهاية التي لم تُروى

  1. موضوع ممتاز وشيء لم أفكر في الكتابة عنه، كنت أفكر في الكتابة عن MSX كمعمارية للحواسيب لكن لم أفكر في نهايتها، قد أكتب عن ذلك وأحاول إضافة أي معلومات جديدة أجدها.

    1. بعد كتابة هذا الموضوع أفكر في تصحيح المعلومة في ويكيبيديا العربية وفصل MSX عن صخر، لكن لا أعرف إذا كان هذا ممكناً
      يمكن عمل ترجمة مختصرة من ويكيبيديا الإنجليزية عن موضوع MSX

  2. اول ما رأيت الصور تذكرت حاسوب صخر، ما يزال لدينا واحد
    شكرا على مشاركة المعلومات الجميلة

  3. ممتاز تكتب كتاب كامل لأجزاء ٣

    عن هذة المرحلة التي كنت شاهد وحاضر

    ثم مواصلة الطريق الى الان

    مع التنبة إلى إضافة الارقام الموجودة الآن

    للمقارنة

    مثلا الذاكرة بالكيلو تكتب الان مثلآ ( ٥٠٠) قييقا

    وانت أعرف

    حتى يهتدي القارئ للمسافة التي قطعت

    من جيل الثمانينات إلى جيل القرن الواحد والعشرين

    والصعوبة التي قابلناها ثم لم نستسلم

    ( أعظم شخصية علمية جاءتنا في السعودية

    من كل الدول العربية )

    كان يدرس في الكلية التي انتمي اليها

    البروفسور السوداني محجوب عبيد طه

    فيزياء كلية العلوم. KSU

    لدية نظريات علمية

    أعانكم يا اهلنا في السودان

    .
    .

  4. ياه يا أبو اياس، ذكريات جميلة
    انا في بداية التسعينات أشتريت جهاز MSX وكان اسمه المثالي:
    https://www.msx.org/wiki/Bawareth_Perfect_MSX2

    فضلته وقتها على صخر لان الذاكرة به كان 128كيلو بينما نسخة صخر المتوفرة كانت 64 كيلو.

    لكن ندمت لاحقاً لإن برامج صخر كانت أكثر انتشار وال cartridges الخاص بها غير متوافق مع المثالي حسب ما اذكر

    1. مرحباً بك يا أخ محمد نسمان، نتمنى أن تكون بخير بعد هذه الغيبة الطويلة
      كمبيوترالمثالي الذي أشرت إليه شكله جميل، وصندوقه يشبه صندوق كميبوتر صخر 170 نفس اللون
      على ما أذكر فإن كمبيوتر المثالي متوافق مع بعض Cartridge صخر خصوصاً التي تحتوي على ألعاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s