الصداع العنقودي، وكيف أتعايش معه

السلام عليكم ورحمة الله

قبل تسعة أعوام شُخصت بالصداع العنقودي من قبل طبيب أخصائي أعصاب وباطنية، وكنت أظنه من نوع صداع الشقيقة المعروف، لكن الصداع العنقودي أقل شهرة وأقل انتشاراً حيث يبلغ عدد المصابين به 0.1% من الناس، ويُصيب الرجال أكثر بأربعة أضعاف من النساء، وهو في علم الطب أكبر ألم يمكن أن يختبره اﻹنسان، وأشد ألماً من الكسور، وأنا شخصياً جربت كسر اليد ولم تكن حتى نصف ألم الصداع العنقودي. ومن أسمائه الصداع الانتحاري، حيث يفكر من يُصاب به -خصوصاً إذا كان من النوع المزمن – بالانتحار أو بعضهم يُقدم على الانتحار بسبب شدة اﻷلم وتعثر الحياة معه، حتى أن استخدام اسم صداع مع هذا النوع لا يوصف اﻷلم الذي يصاحبه. و هذا الصداع غير قاتل حسب ما قرأت -لكن أشك في هذه المعلومة-. ومنه نوعان: عرضي ومزمن، وبفضل الله النوع الذي أصابني هو عرضي ويأتي كل عامين أو ثلاثة أعوام في نهاية الشتاء أو في الربيع، وأكثر الشهور التي أصبحت فيها بالصداع هو شهر فبراير. يبدأ هذا الصداع في الظهور من عمر 20 إلى 40 وهو وراثي وله عوامل أخرى تُسببه منها بيئية أو بسبب بعض أطعمة أو اﻷمراض أو التعرض للتدخين. يأتي الصداع في شكل نوبات تُسمى هجمات attacks تستمر من ربع ساعة إلى ثلاث ساعات كحد أقصى، ثم يتوقف بعدها ويمكن أن يعاود أكثر من مرة في اليوم، ويمكن أن تستمر نوباته من إسبوع إلى شهر. هذه المعلومات معظمها من ويكيبديا، وهي معلومات أؤمن عليها حسب ما عشته مع هذا الصداع الذي بدأ وأنا في الجامعة حين كانت سني حوالي عشرين عاماً.

في البداية – أيام الجامعة- كان طفيفاً كأنه صداع عادي ولا يستمر أكثر من ربع ساعة وكان لا يتكرر كثيراً، كان يأتيني أثناء المحاضرة ويزول فأواصل يومي بطريقة عادية حتى أني لا أخبر عنه أحد، لكن قبل تسعة أعوام عندما أسست عملي الخاص كُنت قد ساهرت يومين متتاليين من أيام نهاية اﻹسبوع لدراسة تقنية جديدة فبدأ هذا الصداع بالظهور في اليوم التالي بصورة لم أعهدها من قبل واستمرت تلك النوبات ثلاث أسابيع في ألم لم أمر بأصعب منه في حياتي، وكان سببه اﻹرهاق والضغط النفسي الشديد حيث كانت تلك اﻷيام نقطة تحول في عملي الحر من العمل لوحدي إلى تأسيس شركة وعمل عقد مهم مع شركة اتصالات. وعند استشارة اﻷطباء اعطوني عدد من الحبوب للاشتباه في عدة أمراض منها الملاريا، لكن كل هذه اﻷدوية لم تجدي نفعاً، وحتى المسكنات مثل البانادول لا تفعل شيئاً مع هذا الصداع، ما عدا دواء واحد كان فعال، وهو يؤثر على تمدد أو تقلص الشرايين (لا أذكر بالضبط) وله تأثير على القلب، شرط أن تؤخذ هذه الحبة قبل الصداع بربع ساعة وإذا تأخرت قليلاً لا تجدي نفعاً. زال الصداع – بفضل الله وحده- بعد أن انتهى موسمه وكان نهاية شهر فبراير على ما أذكر ولم يعاد الظهور إلى العام الذي يليه في نفس الموعد أو متأخر قليلاً، حيث أن له صلة مع تقلب الفصول حسب ما قال لي الطبيب وقرأت في الموسوعة، لكن للأسف لم أتم العلاج والتشخيص مع الطبيب و اكتفيت فقط بمعرفة أسمه.

عندما عاود للمرة الثانية لم استخدم أي حبوب ولا حتى مسكنات، فأخذ دورته كاملة (ثلاث أسابيع) ثم زال مرة أخرى. بعد ذلك قرأت في أحد المواقع أن له علاقة بنقص هرمون التستوستيرون، والذي ينقص بسبب اﻹرهاق والسهر والضغط النفسي، ويزيد بالرياضة واﻷكل الصحي على ما أعتقد، فبدأت العلاج بتغيير نظامي اليومي وتركت السهر، خصوصاً في فترات الموسم لهذا الصداع، وكانت نتائجه فعّالة بفضل الله. اﻹسبوع الماضي بدأت علاماته بالظهور فخرجت من المكتب ومشيت مسافة 2 كيلومتر تقريباً فقلت حدته وذهب بسرعة، لكن يوم الجمعة الماضي عاود صباحاً، وله توقيت ثابت في الفترة الصباحية من الثامنة تقريباً إلى العاشرة صباحاً، بعدها نادراً ما يحدث، واستمر في ذلك اليوم ثلاث ساعات كدت أن أفقد الوعي بسبب شدة الألم، وهو مُشابه لصداع الشقيقة من حيث أن الشخص أثناء الصداع لا يتحمل أي صوت ويعزل نفسه من الناس، إلا أنه يختلف بأن الشقيقة يزيد عند القيام بأي نشاط واﻷفضل له الراحة والنوم، أما الصداع العنقودي فالأفضل الحركة وعدم الجلوس وهو يُوقظ الشخص النائم من النوم، كذلك يختلف معه في المحفزات، حيث أن الشقيقة من أسبابها القهوة فهي تحفز ظهور الصداع، أما العنقودي فقد جربت أمس بعد موجة صداع شربت كوب قهوة ولم يكن له أي تأثير سلبي.

في أحد اﻷيام التي هاجمني فيها هذا الصداع كُنت أنتظر دوري في تقديم ورقة محاضرة في قاعة كبيرة في مؤتمر تقني والقاعة كان بها حوالي 300 من الحضور، وأنا شخص لدي نوع من الرهاب الاجتماعي، فأصبت بالصداع قبل محاضرتي لكن زال عندما حان دوري، كذلك مرة في امتحان أو مسابقة برمجية في القاهرة كانت مدتها خمس ساعات وكنا متوترين جداً، ومرة في الطائرة كنت مسافر إلى الصين.

أنا شخص مدمن على العمل حتى أيام نهاية الإسبوع ولا أرتاح كثيراً، ودائم التفكير، لكن في الإسبوع الماضي بعد نوبة الصداع توقفت 24 ساعة عن استخدام اللابتوب والموبايل واﻹنترنت، وبدأت برياضة المشي منذ ذلك الوقت وكان له أثر كبير في توقف الصداع لمدة إسبوع كامل إلى أن جاء يوم الخميس الماضي وأصبت بنوبة أخرى من التاسعة صباحاً استمرت ثلاث ساعات، ثم تحول إلى صداع عادي مستمر، استمر إلى حوالي التاسعة مساءً، فبدأت اليوم الذي بعده برياضة المشي بصورة مكثّفة خصوصاً فترة الصباح قبل الصاع، حيث مشيت حوالي 4 كيلومترات قبل التاسعة صباحاً، لكن جاءني الصداع في ذلك اليوم ثلاث مرات لكن يستمر ربع ساعة فقط وحدته كانت أقل، وكُنت أتمشى وأدور في الفناء أثناء الصداع حتى تقل حده، حيث أن الجلوس أو الاستلقاء يزيد من حدته عكس صداع الشقيقة، واليوم كذلك مشيت أكثر من 4 كيلومترات منذ الصباح ثم واصلت في مهام في البيت من زراعة وطبخ إلى أن تجاوزت فترة بداية الصداع (العاشرة صباحاً) وقللت من الجلوس في اللابتوب ولم أصب بالصداع إلا بعد العشاء بصورة متوسطة فبادرت بالمشي لمسافة كيلو متر فزال الصداع بفضل الله. أفكر في عمل مبادرة للمشي لتكون أول مبادرة من مبادرات (أطلب من مدون) لهذا العام، خصوصاً إذا نجحت الرياضة والمشي بتقليل أو علاج هذا الصداع، وذلك في شهر فبراير وهو موسمه. موضوع آخر هو أني لا أشرب الكثير من الماء، ربما كوبين أو ثلاث فقط في اليوم، أي أقل من لتر، وأرجو أن لا تقولوا لي أن الحد اﻷقل الموصى به أكثر من لتر في اليوم في هذا الشتاء.

أثر هذا الصداع يتجاوز اﻷلم في الرأس، فهو يغير حياة الشخص، ويحد تخطيطه للمستقبل، فيحس اﻹنسان عندما يأتيه الصداع أنه لا يوجد مستقبل ، لا اجتماعي ولا مهني مع هذا الصداع وأن هذه هي نهاية المشوار واﻹنجاز في الحياة، فالخوف من نوبات الصداع يكون لها أثر أكثر من الصداع نفسه، مثلاً خلال هذا الإسبوع توقفت عن تطوير برنامج كنت أعمل عليه منذ رمضان الماضي، وفكرت أني لا أستطيع أن أسافر لأي سبب مثل رحلة عمل أو أي سفر آخر داخلي أو خارجي، ولابد أن ألازم المنزل حتى أستطيع أن أتعامل مع الصداع إذا باغتني، حيث يتطلب الجلوس في غرفة ليس بها إزعاج بعيدة عن الناس، كل اﻵمال واﻷحلام في الحياة تتلاشي ويصبح التفكير في كيف استطيع أن أتخلص من هذا اﻷلم، ويقل الخوف من الموت – مقارنة باﻷلم-. لكن بفضل الله غالباً ما يحدث لي أثناء نهاية اﻹسبوع أو فترة الصباح قبل الذهاب إلى العمل، لذلك ومع أنه لازمني أكثر من عشرين عاماً إلا أن معظم زملائنا لا يعرفون عنه شيئاً، فمن قرأ مقالتي هذه فهو يعرف عن صداعي هذا أكثر من أكثر أصدقائي أو زملائي قرباً لي. أكثر ما أخاف منه هو أن يتحول إلى مزمن أو يزيد عند التقدم في العمر، واﻷكبر من ذلك أن يرثه أحد أبنائي فأكون ورثته أكبر ألم جسدي يمكن أن يتحمله إنسان.

علاجه السريع هو إعطاء المريض أكسجين مركز لمدة ربع ساعة كما أضاف الأخ فرزت في التعليق، لكني شخصياً لم أجرب هذا العلاج.

معلومة أخرى مهمة وهي أنه عندما يزول موسم الصداع أنساه وأرجع لحياتي بصورة طبيعية وتخطيطي للمستقبل، وهذا من رحمه الله للإنسان أنعم عليه نعمة النسيان.

لكن أملي في الله كبير أن هذا العارض المرضي بسبب ذنوبي فأتمني أن يرشدني الله لهذه الذنوب حتى أستغفر أو أتوب عنها، وكذلك إيماني كبير في أن الله سوف يشفيني ، كما يقول عز وجل: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ‎) فآمل أن يهديني الله سبيل علاج ووقاية دون تدخل طبي أو أدوية. وقد قرأت في هذه الصفحة أن الالتزام بجدول نوم ثابت يقلل من نوبات الصداع، وفي الفترة اﻷخيرة أصبحت ثابتاً في مواعيد النوم باكراً والاستيقاظ الفجر ولا أنام مرة أخرى إلا فترة القيلولة، لذلك قلت الصداع كثيراً في هذه اﻷعوام مقارنة بالماضي، لكن تبقى الالتزام بجدول رياضي وحركة والتقليل من الجلوس في الكمبيوتر و تقليل العمل والتركيز في البرامج واﻹنترنت.

استخدمت برنامج لرصد الخطوات والكيلومترات في الموبايل اسمه Pedometer (تظهر صورته في أسفل المقالة) حيث حفزني لأن أُتمشى ما لايقل عن 4 كيلومترات في اليوم، يمكننا استخدامه في المبادرة أو أي برنامج ليكون مقياس لإنجاز كل شخص من هذه الرياضة خلال اسبوع مثلاً.

في الختام أتمنى أن يستفيد من هذه المقالة من لديه أعراض مشابهة من صداع عنقودي أو شقيقة، كذلك من يعمل في المجال الطبي لتكون هذه شهادة مريض يلخص مشوار أكثر من عشرين عاماً مع هذا العارض المرضي. ونسأل الله الشفاء لكل مريض.

10 رأي حول “الصداع العنقودي، وكيف أتعايش معه

  1. شفاك الله…هل جربت توكيل المهام لموظفين آخرين و أن تتكفل بالجانب الإداري و العلاقات العامة ؟

    1. نعم أكثر من مرة أوكلت المهام إلى بعض الموظفين، لكن مع الوضع الاقتصادي الصعب في البلد كل فترة يتركنا المبرمجين القدامي إما لخارج البلد أو ينشؤوا شركاتهم الخاصة أو لوضع أفضل فترجع لي المهام اﻹدارية والفنية مرة أخرى

  2. كان لدي صداع قديم قبل بداية الجامعة وكما تصف عندما يشتد فهو مؤلم جدا، و عجزت ان اجد له حل في ذلك الوقت، شُخص على اساس شقيقة او صداع نصفي، و هو كالسيخ الحار جدا يخترق الجمجمة من الجبهة للرقبة و لا يزول الا بنهاية الليل بعد النوم
    تخلصت منه الحمد لله عندما طابقته مع فترات التزامي بدوام في شركة جامعة او مدرسة و فترات تفلتي من اي دوام او ترتيب الحياة اليومية ، يعني النمطية غير مناسبة لي منذ ذلك الوقت لم يعد يصيبني نهائيا، بالمقابل خسرت قدرتي على الالتزام في شركة، و كانت اي شركة التزم معها، اشترط الدوام الكيفي، و الحساب على اساس الساعة و العمل و ليس على الالتزام بالدوام، كانو يقبلون هذا الشرط في الاول ثم يبدأ النق بالالتزام، بالرغم من كفائتي في العمل، على ما يبدو الدوام نوع من انواع الولاءات المطلوبة لدى الشركات، و دائما تنتهي بطردي من العمل.

    وحتى لا استطيع انشاء عمل خاص لهذا السبب، لانه بقناعاتي انني يجب ان اكون قدوة للآخرين في الالتزام.

    الحمد لله لم يتبق من العمر الكثير عسى ان امضي هذه السنوات التي بقيت لي كيفما اتفق.

  3. سلامتك يا أبا أيأس، فعلًا هو من أفظع الآلام، رأيت العديد من مرضى العنقودي في المشفى ولا يستطيعون حتى التكلم إلا بعد إعطائهم العلاج، والغريب أن العلاج هو تقديم الأوكسيجين بشكل مركز، قناع اوكسيجين بتركيز ١٠ لتر لمدة ١٥ دقيقة ومن ثم يختفي الألم تدريجيًا.
    إن كان الصداع مزمنًا فيمكن وصف مضادات الاختلاج مثل فيرباميل والتي تساعد فعليًا.
    سلامتك وتبقى بخير

    1. الله يسلمك يا أخ فرزت، توقعتك أن تعلق، نعم نسيت أن أسرع علاج مذكور هو اﻷكسجين ومفعوله بعد ربع ساعة كما هو مكتوب في ويكيبيديا
      الحمد لله أن الصداع لدي ليس مزمن، وإلا كُنت قد اعتزلت كل شيء

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s