قضاء رمضان بطريقة أمثل

السلام عليكم ورحمة الله

تقبل الله منا ومنكم شهر رمضان وما به من عمل وعبادة. في الحقيقة دائماً لدي تجربة مختلفة كل عام في رمضان، لكن ما يجمع هذه التجارب أن رمضان يكون فيه اﻹنتاج أعلى من غيره من الشهور، أقصد اﻹنتاج في العمل (عملنا في مجال البرمجة) وذلك على مر أعوام عديدة منذ الجامعة، لكن ليس على حساب العبادة، على حساب أشياء أخرى أذكرها في هذه المقالة بإذن الله.

شهر رمضان بالنسبة لي شهر فيه صفاء له عدة أسباب مادية وأخرى معنوية، فمنها عدم الانشغال بالأكل والشرب طوال النهار والتحضير للوجبات والمشروبات التي تأخذ وقت لا يُستهان به. والأمر الثاني وهو قلة الاتصال مع الناس، من حيث الاتصالات الهاتفية والبريد وحتى الاجتماعات فهي تقل بصورة كبيرة خلال شهر رمضان. اﻷمر الثالث يحس اﻹنسان بنوع مختلف من الطاقة المحفزة للعمل تجعله يركز في اﻹنجاز، كذلك هناك شعور بالانحباس أثناء النهار لذلك كان الانغماس في العمل هو أحد الحلول. وهذه اﻹنجازات لا تأخذ وقت مقارنة بباقي الشهر، فأنا لا أتكلم عن زيادة ساعات العمل في رمضان مقارنة بالأشهر اﻷخرى، إنما هي أقل لكن بناتج أعلى، وهذا هو مختصر الفكرة التي أريد الوصول لها من هذه المقالة، لكن لتنفيذها هُناك تفاصيل كل صغيرة منها له أثر ابتداءً من كيفية تخطيط قضاء اليوم وانتهاءً بنوعية ومقدار اﻷكل والشرب.

النتيجة لتطبيقي هذه الحزمة من اﻷفكار أن كان شهر رمضان أفضل في العبادة والعمل وحتى الصحة، لكنها ليست أفكار كاملة، بعضها يصلح في وقت ولا يصلح في وقت أو عام آخر، لكن هذا العام كان أفضل، مع أنه لم يكتمل بعد ولم تكتمل اﻷفكار بعد، حيث ما زلت أجرب وأغير تلك اﻷفكار والتطبيقات المختلفة حتى أحل بعض المشاكل والمعوقات وأهما كثرة النعاس والحاجة للنوم، -وقد اقترح الأخ يونس حلول للنعاس في رمضان في هذه المقالة-. لكن إذا انتظرت حتى يتم الشهر فلا تكون هُناك فائدة من مشاركتها، حيث الهدف من المشاركة أن يجد من يقرأ هذه المقالة بعض اﻷفكار فيستفيد منها ويفيدنا حسب تجربته في إيجاد بعض الحلول، أو لسرد تجربته إذا كانت مشابهة أو مختلفة.

في اﻷعوام السابقة كان شهر رمضان وهو الشهر الوحيد الذي أنام فيه بعد صلاة الفجر، لكن هذا العام عزمت على عدم النوم بعد الصلاة، وهذا كان له كبير اﻷثر في تغيير هذا الرمضان وجعله مختلف وأكثر إنتاجية وأكثر صحة بالنسبة لي، حيث كُنت إعاني من مشاكل في المعدة كل عام وكُنت أعزيه لتغيير نوعية اﻷكل، حيث يتغير أكلنا جذرياً من حيث النوعية مقارنة بما نأكله في باقي العام، ولعل ذلك يحتاج لمقالة منفصلة للتعريف بثاقفتنا وإرثنا في المأكولاتنا الرمضانية. كُنت دائماً أصاب بعلل في البطن و يتعكر معها صفاء الشهر وأحياناً يمتد أثره إلى ما بعد شهر الصيام، لكن هذا العام -بفضل الله وحده- هداني لأن لا أنام بعد الفجر فبعد مرور إسبوعين لم أشتكي من هذه اﻷعراض، لذلك كان هذا أفضل رمضان أو أفضل إسبوعين إلى اﻵن. ومن اﻷسباب التي تُساعد في مشاكل البطن هو أني أؤخر السحور إلى قريب اﻷذان وعند النوم مباشرة بعد الفجر لا يتعذر معه الهضم وتبدأ المشاكل.

بعد صلاة الفجر يبدأ أول هجوم للنعاس، ويُساعد عليه بعض النشاطات غير الحركية مثل تصفح النت، لذلك أتغلب عليه بنشاط حركي مثل سقاية النباتات في هذا الوقت الجميل من اليوم، خصوصاً في فصل الصيف تحتاج النباتات لسقاية يومياً، فهذا يطرد النعاس، خصوصاً أن عدد المزهريات في البيت كبير، ومنها تفقّد للمزروعات وتأملها، كذلك وضع ما تبقى من خبز للطيور في الحي، من حمام وقمري وغيرها، وأحد المرات تأخرت وجدت الطيور منتظرة في المكان الذي أضع فيه باقي الخبز بعد بلّه بالماء، فأصبح الموضوع رسمي لا استطيع التأخر والتهاون به. يكون الجو في أفضل حالاته في هذا الوقت، لذلك النوم فيه يضيع الاستمتاع بهذه اللحظات من اليوم.

بعد شروق الشمس أبدأ بالعمل من البيت بتصفح البريد وأحياناً أؤخره إلى أذهب إلى مقر العمل، وغالباً أذهب باكراً مقارنة باﻷيام العادية، أما وقت الإجازة فيمكن أن أذهب للتسوق والشوارع فارغة والسوق فارغ إلا من البائعين وبعض المشترين، فيكون الشراء نشاط غير مزعج مقارنة بباقي الوقت من اليوم. وفي حالة أيام العمل أجد نفسي الوحيد في المكتب طوال ساعات عدة ربما تمتد إلى ثلاث ساعات استطيع من خلالها العمل بتركيز عالي، لذلك أختار المهام الصعبة لأنجزها في رمضان، وقد أنجزت -بفضل الله- في عدة رمضانات برامج مهمة وبعضها كتبت فيه كُتب وشاركت في مشروعات مهمة للبلد، كذلك كان رمضان فرصة لدراسة تقنيات جديدة. وهذا العام بما أني أصبحت لا أنام بعد الفجر، فأصبح يُباغتني النعاس مرة أخرى حوالي التاسعة أو العاشرة صباحاً، لكن هذه المرة أستسلم له وآخذ قسط من النوم أو غفوة صغيرة أو قيلولة سواءً كُنت في العمل أو في البيت، وفرقها من النوم بعد الصبح أنها تكون بعيدة عن السحور فلا تؤثر على عدم هضم الطعام، ثم أنها نومة قصيرة بعد إنجاز وبعد بداية العمل فلا يحس الشخص أنه متأخر أو أن لديه مهام معلقة، بل يكون قد أنجز مهامه قبل كثير من زملائه أو عملائه، ثم بعد النومة القصيرة أرجع للعمل مرة أخرى إلى الظهر، وكما ذكرت في مقالة سابقة فإن العمل ينتهي بعد الظهر. و بعد الظهر يكون العمل أقل وهو استمرار لما بدأته في الصباح وأحياناً أكون قد أنجزت ما يكفي في فترة ما قبل الظهر فأنتقل إلى مهام أخرى وأخف مثل الاجتماعات أو التخطيط والتفكير.

نوعية اﻷكل لها أثر مهم كذلك ومقداره في رمضان، فاﻷكل الخفيف على المعدة وعدم اﻹسراف فيه يجعل اليوم يمضي بسلام، وأقصد بسلام أي مع بطنك، فتكون أنت من تتحكم فيها بدلاً من أن تتحكم فيك لباقي اليوم. فالنصيحة هي ما نصحنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا إذا أكلنا لا نشبع، وعدم الشبع خصوصاً في رمضان هو أفضل نصيحة، والشبع له أثر سلبي على العبادة وعلى المعدة وعلى العمل وحتى على النوم.

النوم باكراً بعد صلاة التراويح هو من أفضل النصائح، لأنه يعقبه استيقاظ باكر قبل اﻷذان بساعة أو ساعة إلا ربع مما يتيح لنا السحور الخفيف لنأخذ بركته ويبدأ اليوم على خير، أي أن اليوم يبدأ بالسحور في الثالثة والنصف صباحاً عندنا في الخرطوم، أو الرابعة إلا ربعاً لمن أراد التأخير اكثر. بضع تمرات ورغيف محشو ببيضة مقلية ومعها مش أو زبادي ثم شرب عصير وماء هو سحور يغني عن العشاء، فتكون في اليوم وجبتان: فطور بعد المغرب ثم سحور، ولا يتخلله إلا شرب عصير وشاي أو قهوة باقي المساء.

العبادة لا تمنع العمل، والعمل لا يمنع العبادة، كذلك الصيام لا يمنع باقي العبادة، وما يمنعها هو كثرة النوم، كذلك قلة النوم لها أثر سلبي، لذلك إذا التزمنا بالنوم باكراً وتقليل اﻷكل فإن ذلك يجعل مساحة العبادة ممكنة وبتركيز عالي، فنحن لا نتكلم عن أوقات طويلة للعمل أو للعبادة أو حتى للنوم، إنما تركيز في العمل لوقت قليل بدون انشغال لتحقيق أعلى إنتاج، ثم التركيز في العبادة وإخلاصها للاستفادة منها على قلتها وأعلى هدف الاستفادة من العبادة هي القبول من الله، كذلك النوم بتركيز أي بدون منغصات وبعد النعاس، فالصحو باكراً وممارسة نشاطات مختلفة أثناء النهار يضمن النوم براحة تامة في المساء والاستسلام له والاستمتاع بالنومات القصيرة في النهار بعد إنجازات سواءً في العمل أو في البيت، وهي بالمناسبة أكثر من نومة، حيث اعتدت أن أنام قبل الظهر وقبل العصر، لذلك فإن نومي في رمضان أكثر من باقي اﻷيام وهي أحد المشاكل التي تحتاج لحل. كُنت أصاب بالنعاس الشديد أثناء صلاة التراويح بعد العشاء، خصوصاً في النصف الثاني من صلاة التراويح، وكُنت قد تركت القهوة والشاي في الاسبوع اﻷول من رمضان، لكن رجعت لشرب كوب قهوة بعد الإفطار أو قبل صلاة العشاء حتى لا أشعر بالنعاس أثناء الصلاة، وكان المفعول إيجابياً، لكن لدي تساؤل لكم بما أني جديد في شرب القهوة: هل شرب القهوة يقلل مدة النوم التي نحتاج إليها في اليوم أي أنه يؤخرها، مثلاً لو شربنا قهوة لكي نسهر، فهل يحتاج الجسم للتعويض عن تلك الساعة التي ساهرناها أم أن المنبهات تلغي حاجة الجسم أو تقلل من حاجته إلى النوم، وهذا موضوع مهم نحتاج أن نعرفه، وما هو المقدار الذي تشربونه من القهوة والشاي في رمضان؟

اﻷسبوع اﻷول قضيته بطريقة مختلفة عن الثاني، وربما الثالث والرابع أقضيه بطريقة مختلفة – إن مد الله في العمر- فنحن نحتاج أن نجرب ونغير للأفضل إلى أن نجد ما يُناسبنا، وهذا ما اعتد عليه بعد التقدم في العمر، أن أجرب في نفسي ولا استسلم للموروثات والعادات أو الروتين أو الافتراضات ، فالفضاء واسع والخيارات كثيرة والنتائج تختلف من كل تجربة، والتجارب نفسها ممتعة، ما يُحفزّني لمقاومة النعاس بالصباح هو الاستمتاع بالتجربة، فعلينا أن لا نستسلم للروتين إذا كان يسير بطريقة لا ترضينا.

كل نشاط يؤثر على النشاط الذي يليه: الساعات والنشاطات خلال اليوم هي سلسلة متراصة ومتعلقة ببعضها، فأي خلل في أحدها يؤثر على الثاني، فيمكن إفساد اليوم بسهولة، أن نحدث خلل في أحد ساعاته، لكن يمكن تداركه في اليوم التالي.

الفقرة اﻷخيرة: من أين يأتي الوقت الذي نمارس فيه كل هذه النشاطات ويكون شهر إنجاز من ناحية عبادة وعمل وصحة! حتى الترفيه نجد له وقت، لكن القاعدة أن تكون نشاطات مختلفة ذات وقت قليل نتنقل بينها لكنها شاملة لكل هذه اﻷشياء في اليوم. و اﻹجابة أننا نتخلص من كثير من اﻷشياء غير الضرورية، لكن أحياناً نتخلص من أشياء ضرورية وربما نرجئها إلى شهور أخرى. أولها التسوق، فحسب تجربتنا في رمضان نقلل من التسوق اليومي لشراء اﻷشياء اليومية، حيث يعتمد رمضان على أكلات شعبية تُشترى معظم مكوناتها قبل رمضان ثم نخزنها كمؤونة طوال الشهر في المطبخ، مما يقلل من الشراء اليومي، كذلك اعتدنا أن نأكل أقل من باقي الشهور، لذلك الشراء كان أقل. و يقل وقت العمل أو الوقت المُهدر في العمل من زحمة الشوارع، خصوصاً إذا ذهبنا باكراً للعمل، وتقليل الاجتماعات والاتصالات. وصيانة السيارة أو المنزل والرياضة، حتى الذهاب للعيادات الطبية، فنكون أكثر صحة في رمضان، كذلك تقل الزيارات الاجتماعية في رمضان، مع أنه أحياناً يكون هُناك إفطارات سواء كانت أسرية أو في العمل فيضيع معها هذا الصفاء الرمضاني ونفقد التحكم في باقي اليوم، لذلك ننصح بالتقليل منها قدر المستطاع. الفطور البسيط مع اﻷهل يضمن استمرار اليوم والاستفادة منه بطريقة أفضل. و تقل كذلك فترة التحضير للأكل من فطور وغداء في باقي الشهور وشاي وقهوة، لكن يكون هُناك وجبة واحدة يُحضّر لها وهي الفطور، أما السحور فكل فرد من العائلة يعتمد على نفسه لتحضير ما يُناسبه من طعام للسحور، ولا يوجد وقت مهدر في الاجتماع على أكل السحور فيكون مختصر قبل اﻷذان، لذلك كان السحور المتأخر هو سبب للاختصار ويُجبرنا على التبسيط رغماً عنا، أحياناً من الخير أن يفعل اﻹنسان أشياء رغماً عنه ومن غير كثير تفكير ولا تردد ولا تكّلف، خصوصاً اﻷشياء التعبدية والأشياء التي أمرنا بها الله ورسوله، فنفعلها سواءً عرفنا أم لم نعرف الغاية منها.

و أخيراً بعد سرد تجربتي لهذا العام، أحب سماع تجاربكم مع رمضان، و نسأل الله أن يجعله شهر خير لنا ويتقبل منا العمل على قلته ويبارك لنا في رزقنا.

4 رأي حول “قضاء رمضان بطريقة أمثل

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s