النشاطات المرتبطة بالعبادة

السلام عليكم ورحمة الله

خطرت لي في الصباح الباكر خاطرة حول الصيام، كيف أننا ننصاع له ونتقنه ونستسلم له ونسلم به. الجواب لأنه عبادة، فإذا كان نشاط آخر مثل نشاط رياضي كالمشي مثلاً أو حمية غذائية أو دراسة أو عمل فإننا لا ننصاع بكامل إرادتنا وإدراكنا وربما تكون فترة معينة ثم تخبو تلك الهمة بعد فترة إما لملل من رتابتها أو لأننا مستعجلون في النتائج ولم نصبر ولم يحدث الهدف الذي ننشده. لكن العبادات يكون طابعها استسلامي حتى لو لم نعرف فائدتها، فإذا أخذنا الصوم مثلاً – ونحن اﻵن في رمضان- فنجد فوائده الكثيرة الجسدية والنفسية والسلوكية على اﻹنسان ابتداءً من تقليل المعاصي وزيادة العبادة وتقوية النية و مروراً بفوائده الجسدية مثل فائدته في صفاء الذهن و تخفيف مشاكل المعدة وتقليل الدهون و الكلسترول في الدم وتعديل المزاج وانتهاءً بتقليل السكر في الدم الذي يقلل فرص نمو الخلايا السرطانية حسب الدراسات. لكن لم يكن اﻷولين خلال أكثر من أربعة عشر قرناً يعرفون أهمية الصوم الجسدية من أثر هرموني وتقليل المواد الضارة في الدم والخلايا المختلفة، لكن لأنها عبادة وهم مأمورون بها فليس لديهم خيار آخر سوى التفكر اﻹيجابي مع فائدة الصوم. كذلك ترك المعاصي الجسدية منها والقولية فإن تأثيرها إيجابي لصحة اﻹنسان وصحة المجتمع. وحتى لو لم نعرف الفائدة ولم نكن متخصصون أو لدينا معرفة ثقافية عن أجسادنا مثلاً وعملية اﻷيض والدورة الدموية ودورة إخراج السموم من الجسم، فإن الله يُجازينا بانصياعنا لتلك الأوامر بأن يصون أجسادنا وأن نعيش حياة صحية ونفسية كريمة حتى لو لم تكن الغاية من تلك العبادات هي تحقيق تلك اﻷمور الدنيوية. كذلك فإن المجتمع سوف يعيش حياة كريمة إذا اتبع كل اﻷوامر بتفاصيلها من حقوق جار وعدم احتكار المؤونة وحتى ما يوجد في الشرع من حفاظ على البيئة. لكن لا يمنع أن نتفكر ونصاحب الفائدة الدنيوية في عباداتنا المختلفة، من صلاة وصيام وزكاة وحج وصلة رحم وطاعة للوالدين وأن نترك ما لا يعنينا ولا يفيدنا وأن نلتزم باﻷحاديث التي أمرنا أو نصحنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمور متعلقة بدنيانا مثل كيفية اﻷكل وأوقاته ومدة وأوقات النوم الأمثل وعدم تعارضها مع أوقات الصلاة . كل ذلك إذا التزمنا به فسوف نحيا حياة كريمة طيبة بأفضل ما خلقنا الله له، فالله هو الخالق وقد أنزل وبيّن لنا مع رسوله كيف نعيش.

إتباع الدين بكماله وإتقانه لا يتعارض مع النجاح في العمل، فالشخص مهما بلغ انشغاله وأهمية عمله لمجتمعه فإن العبادة لها ما يكفي من وقت، والعبرة في النيّة والإتقان للعمل أكثر من الوقت المقضي في العبادة نفسها، فعندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله؟ قال: (أدومه وإن قل). و حسب تجربتنا فكلما كان الشخص ملتزم بتعاليم دينه كان أقوى شخصية، فالشخص الذي يقوم من الاجتماع – مهما كان مهماً- ليؤدي الصلاة في جماعة هو أقوى موقفاً من شخص يخلط اﻷولويات فيضحي بصلاة الجماعة أو المسجد لأجل الاجتماع، ومن ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه، فما يفوتك في الاجتماع نجد أفضل منه إذا أعطينا اﻷولوية للصلاة كما وعد الله ورسوله، كما يقول الله تعالى: قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ، وكما قال رسوله صلى الله عليه وسلم: إنك لن تدع شيئا ابتغاء الله إلا آتاك خيرا منه.

الحج والعمرة من العبادات المختلفة عن باقي العبادات، وبالنسبة لي ما زلت أتفكر فيهما وأتعجب لهما وأتمناهما، مع أنه سبق لي الحج والعمرة -بفضل الله وحده- إلا أن مرة واحدة لا تكفي، خصوصاً أنه مضى وقت طويل وفي عمر مختلف لذلك كان طعم هذه العبادة مختلف، ومع أنها كانت تجربة ما زلت أحكيها إلى اﻵن إلا أننا دائماً نتوق لفرصة حج أو عمرة أخرى لنعيشها بشكل آخر وبعمق أكبر ومع صحبة مختلفة. ما يجعل الحج مختلف عن باقي العبادات أنه به مشقة وتكلفة وسفر، فكل العبادات ليس فيها أي مشقة ولها أجر كبير مثل ذكر الله وقراءة القرآن، وليس فيها مال مبذول وحتى الزكاة تجد أنها لا تؤثر على المال وقيمتها قليلة جداً وبشروط ميسرة للمزكي، فمثلاً لو صرفت مال خزنته لمدة عشرة أشهر ولم يكمل الحول فليس عليه زكاة، وهي مدعاة لأن نصرف أموالنا حتى على أنفسنا وعلى من نعول ولا نكتنز المال وندعه يكمل دورته في المجتمع فيكون له أثر أقتصادي صحي ولا يحدث كساد وتضخم وغيرها من اﻷشياء المُحدثة التي حدثت بسبب الحياد عن الشرع في التعاملات المالية. الحج خصوصاً يمكن أن تصرف فيه كثير مما تملك، أو ربما يبيع البعض بعض ممتلكاته حتى يحج، خصوصاً لمن كان بعيداً مكانياً عن بيت الله، كذلك فإن به مشقة في السفر. فيأتي التفكر لماذا كل هذه المشقة والجهد الكبير والتكلفة العالية! هل يريد الله أن يختبرنا، أم يُريد أن يمتعنا برؤية هذه المناسك وأرض الحرم وبيته وهذه البلاد التي عاش فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، و ربط هذه الأماكن بما نقرأ من قرآن وأين نزل، أم يريد أن يُشعرنا بذلك الشعور الروحي القوي عند رؤية الكعبة في كل مرة نزورها، أم يريدنا أن نبعد كل البعد عن العمل وأن نتفرغ لفترة من عمرنا لعبادة مختلفة وشاملة تؤثر على بقية حياتنا وتفكيرنا، أم يريد أن يقوي أجسادنا بخوض هذه العبادة الشاقة ويقوي صربنا، لكنها مشقة محببة للنفس يتمنى اﻹنسان لو يتعرض لها كل عام، أم يريد أن تكون سياحة لنا، سياحة تعبدية، أم يجمع لنا كل هذه اﻷشياء في عبادة اسمها الحج والعمرة ويجمع قلوبنا لها بأعوام طويلة قبل أن يُيسرها لنا. فما بعد الصوم وهذا الرمضان إلا الحج والعمرة، فنسأل الله أن يرزقنا زيارة لبيته الكريم وزياره لمسجد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة وأن تكون متقبلة وأن لا يحرمنا منها، فلو صادفنا ليلة القدر لكان دعائنا أن نزور بيته ومسجد نبيه في حج أو عمرة عاجلة غير آجلة نحن وأهلونا وأبنائنا وآبائنا وأصدقائنا وزملائنا، فما نتمناه لأنفسنا نتمناه لغيرنا وهو وحده قادر على الاستجابة. لكن علينا أن نصدق النوايا ونستعد حتى لو بتخطيط طويل اﻷجل حتى نحقق هذا الهدف بإذنه.

رأيان حول “النشاطات المرتبطة بالعبادة

  1. مررت بالصدفة على هذه المدونة وأعجبتني كثيرًا التجارب والمقالات التي تكتبها.

    من النقاط المثيرة للاهتمام التي ذكرتها أن الزكاة تساعد في استمرار دورة المال في المجتمع، أنا متيقن أن تطبيق الزكاة على وجهها الصحيح ومتابعتها هو من أهم الحلول للمشاكل الاقتصادية التي يعاني منها مجتمعنا.

    1. مرحباً بك أخ أحمد أبوشام في المدونة
      صحيح الزكاة وتحريم الربا وغيرها من المعاملات التجارية في الإسلام هو وسط ليس فيها احتكار وهيمنة الرأسمالية كما يقول الله تعالى كمام قال الله تعالى عن سبب الزكاة في المال “كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s