ترشيد المياه لمواجهة اﻷزمات

السلام عليكم ورحمة الله

مصدر الصورة: ويكيبديا

لا شك أنه بدأت تلوح في كثير من البلاد والبلدات المختلفة أزمات مياه، سواءً دائمة أو موسمية، أو جفاف بسبب تغيير في المناخ، أو حتى في المدن عندما يحدث خلل في شبكة المياه. وما يحدث هذا هو بداية أزمة لابد من التنبه لها مبكراً فهي ليست بعيدة عن معظمنا.

قبل ذلك لابد أن نعرف أن الماء يحيط بثلثي كوكب الأرض والعذب منه 3% فقط، وهذه الثلاث من المائة معظمها جليد بنسبة 69% و ثلثها مياه جوفية 30%، وجزء منها متبخر وسُحب، فتبقى أقل من واحد في المائة من المياه العذبة متيسرة في شكل مياه سطحية في اﻷنهار واﻷودية والبحيرات العذبة، بنسبة 0.3% من المياه العذبة، أي بنسبة 0.02% من المياه الكلية في اﻷرض.

هذه النسبة البسيطة 0.3% لحسن الحظ أنها متجددة باستمرار حيث تتجدد وتزيد من باقي المياه، من الثلوج في الجبال التي تذوب فتغذي اﻷنهار واﻷودية الموسمية، ومن اﻷمطار التي تهطل فتغذي الأنهار والبحيرات، ثم تغذي المياه الجوفية، وحتى مياه البحار المالحة تتبخر لتتحول إلى مياه عذبة، لكن المشكلة في سرعة الدورة، هل هي متناسبة ومتناسقة مع سرعة استهلاكنا لها أم أن الاستهلاك أسرع، وهذا هو جوهر هذه المقالة.

مصدر الصورة: ويكيبديا

مورد المياه هي من أهم الموارد للحياة، حيث يقول الله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ، هذا المورد الثمين يتأثر بزيادة عدد السكان ويتأثر أكثر بتغير سلوك الاستخدام، مثلاً في الماضي كان الاستخدام مقتصراً على الشرب والنظافة والزراعة وتربية الماشية، وهو استخدام طبيعي وعادل في استخدام الماء، أما اﻵن فدخلت على ثقافتنا أشياء مستحدثة مثل أحواض السباحة والنوافير، وهي استخدامات – حسب رأيي- غير عادلة ومسرفة إذا اُستخدمت فيها مياه عذبة. حتى الاستخدام الطبيعي مثل الاغتسال وغسل الملابس واﻷواني يحتاج إلى تفصيل ويختلف استهلاكه للماء بطريقة كبيرة حسب الطريقة، فقديماً مثلاً – أو حتى اﻵن في كثير من القرى- كان يغتسل اﻹنسان ويغسل اﻷواني والملابس باستخدام دلو أي ماء مقدر ومحدد، أما اﻵن فاصبح الاستحمام وغسل الأواني مثلاً بماء متدفق وغير محدود يستهلك أضعاف ما كان يستهلكه الاحتياج الطبيعي. حتى الوضوء كان باستخدام آنية، وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بمقدار صاع، وقد وجدت من حسبه بأن حجمه أقل من 700 سنتمتر مكعب، وهو أقل من اللتر (1000 سنتمتر مكعب)، وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار.

ما دفعني لكتابة هذه المقالة هي أزمية مياه مررنا بها قبل شهر بسبب أعطال أو كثرة استهلاك في المياه نتجت عنه منافسة في سحب المياه، فلم يصل المياه لعدد كثير من البيوت لأيام متعددة، فصرنا نقتصد في ما نجد من الماء. هذا حدث في بلد يمر بها أطول نهر في العالم ومدينة يحيط بها نيلين، فما بالك بمناطق أخرى يمكن أن تحدث لها ندرة في توفر الماء عندما يُساء استخدامها. كُنت أتعجب من الحديث السابق بعدم اﻹسراف في الوضوء ولو على نهر جار، لكن بعد أزمات المياه هذه تيقنت بمعناه تماماً.

في جنوب أفريقيا وفي مدينة كيب تاون كادت المياه العذبة عندهم أن تنضب، وقد تكلمت عنها في مقالة سابقة، فلجؤوا إلى ترشيد المياه بصورة كبيرة إلى أن مرت تلك اﻷزمة بسلام وجاء مسوم المطر و امتلأت البحيرة التي كادت أن تنضب، وكان من ترشيدهم للمياه أن منعوا غسيل السيارات بواسطة خرطوم، وفُرضت غرامات لمن لديه كسر في توصيل المياه في منزله ولم يصلحه ومنع زراعة العشب. لكن لابد من أن الترشيد أن يكون متساوياً، فلا يصلح أن يرشد 90% مثلاً من سكان مدينة ما استخدام المياه ثم يأتي الـ 10% ليستهلكوا نصف مياه المدينة.

من أكثر اﻷشياء التي تستهلك المياه هي الزراعة التجارية، حيث أنه في الماضي كان اﻹنسان يزرع في بستانه أو أرضه حسب حاجته، لكن اﻵن الزراعة أصبحت مورد تجاري مهم وتستهلك المياه بطريقة فوق التصور، وقد أُستهلكت المياه الجوفية في كثير من المناطق في العالم حيث جفت اﻵبار الجوفية في بعض المناطق مثل ولاية كاليفورنيا، والمياه الجوفية تجددها بطيء جداً لا تتناسب مع الاستهلاك المفرط. احد الحلول هي تغيير طريقة الزراعة والري، مثلاً استخدام الري بالتنقيط، والزراعة الرأسية والمائية والزراعة في بيوت محمية تمنع تبخر الماء، كذلك عدم زراعة صنف يستهلك الماء، مثل زراعة اﻷرز إلا في البلاد ذات اﻷمطار الكثيرة. كل منطقة لها نباتات مناسبة للزراعة فيها، فبدلاً من الاكتفاء الذاتي المكلُف والمهدر للموارد ،اﻷفضل هو التبادل التجاري.

نحن في المدينة نستهلك كمية كبيرة من المياه يومياً، لكن عندما نُسافر أو نذهب لرحلة فنقتصد في المياه بطريقة كبيرة، وقد لاحظت عندما سافرنا إلى قريتنا في شمال السودان طريقة استخدامنا للماء، حيث يتوفر الماء في ساعة واحدة في منتصف اليوم، فيملأ ساكنو القرية اﻷوعية المختلفة من خزانات وبراميل ليستخدموها باقي اليوم، وقد لاحظت أن هذه اﻷوعية في بيتنا هُناك امتلأت في وقت قليل، حوالي ربع أو ثلث ساعة فقط، ثم نُغلق خرطوم المياه. ثم نكتفي بهذا الماء الذي خزناه وتبقى منه الكثير ، أي أن الماء متوفر أكثر من حاجتنا. وكان استخدامنا له كما في العاصمة، من استحمام ووضوء وطبخ وغسيل أواني وغسيل ملابس، لكن الطريقة مختلفة وهي عن طريق أخذ الماء بأواني أو سطل. أما في العاصمة فيتوفر الماء معظم اليوم باستخدام الموتور لملء الخزانات ويستمر الملء لساعتين أو ثلاث في اليوم ولا يكفي لاستخدامنا اليومي. أي أن المشكلة هي في طريقة وآلية صب الماء عند استخدامه.

زيادة السكان ليست مشكلة كبيرة، حيث تكفل الله أن يرزق البشر واﻷنعام والأشجار، كما يقول الله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ. أي بقدر حاجة الخلائق، فهنا سؤال للعاقل: هل يقصد الله بقوله (بِقَدَرٍ) حاجة الخلائق لاستخدام مقتصد وعادل للمياه أم يكفي حتى لو استخدموه بإسراف!!

8 رأي حول “ترشيد المياه لمواجهة اﻷزمات

  1. موضوع مهم ويحتاجه من الناس الكثير؛ بلوة فقدان المياه وشحها بلوة عظيمة، ولن يقدرها انسان حق قدرها حتى يشعر بفقدانها والله المستعان.
    بالنسبة لتفسير الآية، تقول التفاسير ” بقدر حجة الخلائق، فلا ينقص من حاجتهم. أما بالنسبة للاسراف ففي كل ما سخره الله للانسان ثمة من يسرف فيه ويستعمله فوق حاجته أو بما لا يرضيه وهذا حسابه على الله فيمهله أو يهمله. حاجة الناس ستشبع ما داموا مقتصدين وشاكرين لنعمة الله ومحافظين عليها. في النهاية هذا العالم مُدار من قبل حكيم ويعرف كيف يمنع ويعطي.

    تذكرت خلال القراءة الفيديو الاخير لجو حطاب لحفلة 10 مليون مشترك، وقد قام بعمل عمل خيري عنهم في غانا على ما أعتقد، وهو سقيا ماء؛ رد فعل اهل القرية أثر بي كثيرًا والله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ أفضل الصدقة سقي الماء ]

  2. نحن في الماضي لم يكن لدينا ماء ،كانت عندنا بئر الوحيدة في المنطقة وكان الناس يأتون من مناطق بعيدة لاخذ الماء ,كنت في صغري من يوزع الماء على الناس ،ثم أنشأنا نظام إشتراك رمزي ،دولار في الشهر حتى نبني خزانا ،ثم من يريد شراء صهريج 500 لتر بخمس دولار أما من يريد ملأ الماء في الجراكن أو الحاويات سعة 20 لتر فذلك مجاني على أن لا يتجاوز 4 حاويات …يعني 80 لتر و لدينا الفسقية الوحيدة في المنطقة تملأ بماء المطر ،كذلك حين يتعطل محرك البئر يأتي الناس للملأ منها لكن عشرين لتر على الأقصى …كان الناس يأتون من محيط 14 كيلومتر…الآن نحن الوحيدين في المنطقة لدينا مياه في الحنفية ،وتصلح للشرب لأن الماء معدني ،حاولت شركة أن تمنعنا من ذلك …بقية تونس كاملة لا يشربون ماء الحنفية بأنه ملوث ويصلح للإستحمام فقط …الماء نعمة من عند الله علينا أن نحافظ عليه …

    1. هذه قصة جيدة تستحق أن تكتبها في تدوينة،
      لماذا حاولت الشركة أن تمنعكم من شرب المياه المعدنية؟
      وهل هي من البئر أم من الفسقية التي ذكرت؟
      أين تقع مدينتكم أو قريتكم هذه في تونس؟

      1. قريتنا في وسط تونس بالظبط كما أن ثاني أكبر مدينة تشرب من عندنا فلدينا مياه جوفية عذبة …لدينا منبع مياه معدنية و أقامت عليه شركة مياه بئر و هناك من يملأ صهريج على سيارة و يذهب لبيعه بسعر ممتاز العشرين لتر بما يعادل ثمة قارورتي مياه معدنية …في النهاية الشركة بالإتفاق مع السلط الجهوية منعت عن الناس الماء و حددو لنا شروطا للشرب …هناك فترة قمنا بغلق أنبوب المياه الذي يسقي المدينة الكبيرة …كوسيلة ضغط على الحكومة لكي نصل لإتفاق حول موضوع المياه …الآن هناك نوع من الفوضى لذلك لم تعد الشركة تستطيع التدخل …في تونس الآن هناك مدن صغيرة الماء يبقى منقطع لأيام …يلزمها تدوينة طويلة جدا…

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s