لبيت تخفق اﻷرواح فيه

السلام عليكم ورحمة اللهboat-nile

ربما معظمنا سمع قصة أبيات الشعر هذه التي قالتها أم يزيد بين معاوية البدوية والتي حنت إلى باديتها بعد أن سكنت القصور وقالت:

لبيت تخفق الأرواح فيه      أحبُ إليّ من قصر منيف
ولبس عباءة وتقـرّ عيني      أحبُ إليّ من لبس الشفوف
وأكل كسيرة فـي كسر بيتـي      أحبُ إليّ من أكـل الرغيـف
وأصوات الريـاح بكـل فـج      أحبُ إليّ من نقـر الدفـوف
وكلب ينبـح الطـراق دونـي       أحبُ إليّ من قـط أليـف
خشونة عيشتي في البدو أشهى       إلي نفسي من العيش الطريف
فما أبغي سوى وطنـي بديـلا        وما أبهاه مـن وطـن شريـف

هذه اﻷبيات وغيرها ممن يحن إلى بساطة العيش والقناعة – الكنز الذي لا يفنى-، لكن لفهم ذلك ولعمل تحليل لما نحن عليه في مجتماعتنا المستهلكة، نحتاج للوقوف مع أنفسنا وسؤالها: عن ما ذا نبحث؟ هل نبحث عن السعادة، أم الراحة، أم التميز؟ وما هو الذي يحققهما: هل الأساسيات كافية لتحقيق هذه المتطلبات، أم الكماليات والرفاهية هي التي تحققها!

تختلف الاحتياجات وسبل تحقيقها من شخص لآخر ومن مجتمع لمجتمع مختلف، لكن المشكلة أنه تطغى الاحتياجات المجتمعية على الاحتياجات الشخصية، فلو أن شخصاً قنوعاً في مجتمع هدفه الرفاهية والتكلف في العيش لوجد معارضة واستغراب من مجتمعه.

نجد أن السعادة يمكن أن تحققها الأساسيات البسيطة ويمكن أن تحققها الرفاهيات المُكلفة، وذلك حسب الشخص وحسب المجتمع، فيمكن لشخص إذا كان على الفطرة – ويمكن أن نقيس ذلك على اﻷطفال فهم أكثر فطرة منا- يمكن لذلك الشخص أن يكون سعيداً بشيء بسيط ويمكن توفره بسهولة، كأن يفرح بهدية بسيطة أو يوم به نجاح عادي، أو سفر أو رحلة إلى مكان قريب، ويمكن لشخص آخر في المقابل أن لا يقنع إلا بالغالي والمكلف من اﻷشياء، لا يفرح إلا بهدية غالية، أو سفر إلى بلاد بعيدة، أو شراء سيارة نادرة. لكن نجد أن المحصلة واحدة اﻷول سعيد بتوفر حاجياته البسيطة والآخر يفرح بتوفر حاجياته المُكلفة، لكن يكمن الفرق في الوصول أو حصول تلك الحاجيات، فيمكن للشخص البسيط أن لا يتعب كثيراً حتى يسعد، لكن الشخص المتكلف يتعب وينتظر ويصبر إلى أن يسعد، وربما هذا اﻷخير يُتعب من حوله، مثلاً طفل يطلب أبيه مطلباً صعباً فيتعب اﻷب ويجمع المال لتوفير هذا الطلب لابنه، فنجد أن الراحة أسهل ومتوفرة أكثر في حالة البساطة.

ثم يأتي التميز، فنجد أنه مرتبط أكثر بالكلفة وبالمجتمع، فمن أراد التميز في مجتمع فلابد أن يتحصل على الصعب، لكن يمكن ان يتميز شخص ما عن أقرانه في مجتمع بالقناعة، فالميزة لا تعني اﻷفضل وإنما تعنى المختلف، فلو كان زملائك يقودون سيارات فارهة جميعهم فلا تميز بينهم، أما إن كنت تقود سيارة قديمة أو اقتصادية و أقل كلفة فأنت مميز عنهم، بل ربما تكون أن سعيد بأن لديك سيارة قديمة لها ذكريات معك ولا تريد تبديلها وتريد أن تستمر في استخدامها وتوفر قيمة اقتصادية لك ولعائلته وتستثمر فرق تكلفة سيارة جديدة في شيء آخر أكثر فائدة وأكثر سعادة لك ولعائلتك.

العبرة هي في كيفية رؤيتنا واحساسنا بالأشياء، فيمكن لشخص أن يتذوق الطعام ويجد المتعة فيه، وشخص آخر يأكل الطعام دون أن يدري ماذا يأكل إما لانشغاله بأمر آخر أكثر أهمية أو لأن طبيعته ومتطلباته تحول بينه وبين الاستمتاع باﻷشياء العادية. ويمكن لعائلة أن تسافر لمكان عادي في نظر مجتمعهم، لكنهم ينظرون لهذا السفر بأنه مغامرة وأنه قصة يقصونها وذكريات مصورة يحتفظون بها، وموضوع إنشائي يحرز به أبنائهم درجة عالية 🙂 ويمكن لعائلة أخرى أن لا ترى في هذا السفر العادي أي متعة ولا تأخذ أي صور أو ذكريات من هذا المكان، فنجد أن كلا العائلتين تكلفتا نفس التكلفة ومضى من وقتهم نفس الوقت، لكن اختلف اﻹحساس بمتعة السفر والتغيير وكسر الروتين، اختلافاً كبيراً فربحت العائلة الأولى وخسرت العائلة الثانية الوقت والتكلفة.

ونختم بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لخصت هذه المفاهيم في قوله: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)

آن اﻷوان لإجازة نهاية الإسبوع

السلام عليكمSakhr

قبل أكثر من ستة أعوام تكلمت في مقالة بعنوان مائة يوم في السنة عن استغلال إجازة نهاية اﻹسبوع في عمل مفيد من دراسة وتنفيذ أعمال مختلفة عن باقي أيام العمل في الإسبوع، وقد داومت على الاستفادة من هذه اﻹجازة اﻹسبوعية في تعلم البرمجة وكتابة برامج ومشاركة في مشروعات مفتوحة المصدر وكتابة عدد من الكتب التقنية، وقد بدأت ذلك منذ أن انتهيت من امتحان الشهادة الثانوية وقبل دخول الجامعة. كانت البداية بأن ذهبت إلى مكتبة القبة الخضراء في وسط الخرطوم- اﻵن بُني مجمع تجاري اسمه واحة الخرطوم مكانها- واشتريت كتاب لتعلم تطوير اﻷلعاب بلغة بيسك. وكان لدي حاسوب صخر، ومنذ حينها عكفت على كتابة البرامج وأصبحت أستغل نهاية الإسبوع للمزيد من التعلم والتطوير في هذا المجال، كان هذا مع بداية كأس العالم لعام 1994م وهوالعام اﻷخير الذي شارك فيه اللاعب مارادونا في كأس العالم، كان الناس يشاهدون المباريات وكنت أقوم بعمل برامج وألعاب كمبيوتر وكنت مستمتع بها جداً، لكن أذكر أني حضرت مباريتين شارك فيها مارادونا آخرها كانت التي خسر فيها أمام أيطاليا على ما أذكر، وقد كانت هذه آخر مباراة كرة قدم أشاهدها، مع أن لعبة كرة القدم كانت هوايتي المفضلة لكن لم أكن ممن يستمتع بالمشاهدة، وقد تركت هواية لعب الكرة لصالح هواية البرمجة، بعد هذا التاريخ توقفت عن لعب الكرة تاماً بعد أن كُنت مدمن للعب كرة القدم.

استغليت إجازة نهاية الاسبوع وأحياناً بعض اﻷيام من اﻷعياد منذ ذلك العام في هذه اﻷشياء التي ذكرتها من تعلم وكتابة برامج وكُتب طوال خمس وعشرون عاماً، لكن منذ فترة توقفت عن هذه العادة واصبحت أتوقف عن العمل طوال يومي عطلة الاسبوع، وذلك لعدة أسباب منها أن هناك أشياء أصبحت أكثر أولوية مثل الاهتمام بشؤون العائلة واﻷبناء، ومنها التخطيط، حيث أن التخطيط يتطلب التوقف عن العمل، حيث أن اﻹنهماك في العمل لا يُهيء بيئة خصبة للتخطيط إنما التوقف والتأمل هما من يوفرا بيئة خصبة للتخطيط ومراجعة اﻷهداف والانجازات. من اﻷسباب اﻷخرى هو أن البرمجة أصبحت عمل أكثر من كونه هواية، يكفي خمس أيام في الاسبوع لهذا التخصص الذي استمر أكثر من خمس وعشرون عاماً، أريد أن أجرب أشياء أخرى في ما تبقى من يومين في الاسبوع، كذلك من اﻷسباب هو الانتقال إلى العمل الإداري وإدراك أهمية التفويض في العمل، فبدلاً من أنجاز كل شيء بنفسك يمكنك إنجاز أكثر بمساعدة خمس أشخاص مثلاً، تخيل نفسك فوضت عملك لخمس أشخاص هم أكثر منك شباباً وأكثر طاقة وتحمساً للعمل، فهذا هو اﻹنجاز الحقيقي، وكلما قمت بتفويض العمل وتوفيره لعدد أكبر كلما زاد ما يُحسب لك من إنجاز، خصوصاً عندما تتسارع وتيرة العمل ويتسارع معه العمر.

هذا أشبه بمعاش مبكر، كأني وصلت إلى مرحلة المعاش بالنسبة لعطلة نهاية الاسبوع لاستغلالها في العمل وفي التخصص، اصبحت تُستغل لأشياء أخرى منها الهوايات المختلفة والالتفات لتربية الأبناء ولصيانة المنزل العتيق، والسيارة العتيقة التي كادت أن تصل إلى عمر عشرون عاماً، فصيانتها تعطيها أميالاً إضافية كما يقولون، أصبحت الصيانة للسيارة والمنزل من الهوايات الجديدة التي استمتع بها واحياناً يُشاركني أبنائي في هذه اﻷنشطة.

في السابق عندما يضيع يوم من اﻹجازة بدون استغلال كُنت أحس بالذنب، اﻵن أصبح العكس وهو أني أحس بالذنب إذا قضيت أيام العطلة في العمل. خصوصاً أني صبحت أدرك أنه لا يمكنني إنجاز المزيد بعد هذا العمر، فقد أسست شركة صغيرة للبرمجة بعد العمل كموظف لخمسة عشر عاماً، ليس لدي خطة تحتاج للتضحية بوقت ثمين إضافي لإنجاز المزيدا، يمكن لباقي الموظفين الاستمرار في اﻹنجاز ومواصلة النجاح للشركة التي اصبحت تمثل جزء كبير من وقتهم واهتمامهم حيث نجحت إلى حد كبير في تنمية روح الإنتماء للشركة لمعظمهم.

ربما أتكلم في مقالات لاحقة بإذن الله عن اﻷنشطة والهوايات لعطلة الاسبوع هذه والتي أصبحت بمثابة وقد جديد لم يكن موجود طوال الأعوام السابقة. وهي أصبحت – بفضل الله- كمكافئة كافئتها لنفسي بعد صبر واجتهاد، بعد أن شعرت بالاكتفاء من الانجازات المتواضعة التي حققتها، وليس علينا أن نهلك أنفسنها حتى نصل إلى إنجازات يتكلم عنها الناس وتغيير حياتهم، إنما يكفي اﻹضافة، إضافي جديد لهذا العالم حتى لو كان قليلاً، في هذه المرحلة أكتفي بتقيمي الشخصي لهذا الموضوع، أنظر بعيني وليس بعيون الناس، خصوصاً أنها إنجازات دنيوية ليس مطلوباً منا التوسع فيها بدرجة كبيرة كما يصوره الغرب وتصوره العولمة ويصوره الإعلام الحديث. ربما كان هذا تغيير مهم في أفكاري، في السابق لم أكن أفكر بهذه الطريقة، لكن هذا تغيير لمرحلة، كأني مررت بواحة وأريد الاستراحة. من يدري ربما أرجع مرة أخرى للاجتهاد والتعب واستغلال كل وقت للعمل والانجاز ووضع أهداف جديدة وصعبة، لكن اﻵن اريد الاستمتاع بهذه الاستراحة والنظر للماضي بعين الاكتفاء.

boat

سَئِمْـتُ تَكَالِيْفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِـشُ ،ثَمَانِيـنَ حَـوْلاً لا أَبَا لَكَ يَسْـأَمِ

tent
المصدر: http://qpedia.org

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

منذ فترة طويلة أصبحت أردد أبيات زهير بن أبي سملى هذه:

سَئِمْـتُ تَكَالِيْفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِـشُ     ثَمَانِيـنَ حَـوْلاً لا أَبَا لَكَ يَسْـأَمِ

واصبحت أتسائل ماهي هذه التكاليف التي يقصدها زهير أيام الجاهلية، و ماهي الأشياء التي كانت تنغص حياتهم! هل كانت تأتيهم رسائل مزعجة من الواتسآب أم هل كان لديهم مدارس لأبنائهم، وترحيل لتلك المدارس وواجبات وإستدعاءات لأولياء اﻷمور، وهل كان لديهم ضرائب، وهل كان العمل الخاص يتطلب إجراءات طويلة لسجلات تجارية، وهل كانت لديهم سيارات يحتاجون لعمل إجراءات ترخيص مملة وعقيمة لها كل عام، وتجديد رخصة قيادة كل خمسة أعوام، وصيانة للسيارة، وصيانة للأجهزة الكهربائية، وأدوات كثيرة، وأواني مطبخ، واستخراج شهادة ميلاد ورقم وطني، وبطاقة، وجواز، وعمل تأشيرات دخول وخروج للسفر. وشراء للمأكولات والبقالة كل يوم أو يومين، ومشاوير في منتصف النهار لللحاق بإجتماعات والمرور بزحمة الطريق وإشارات وسائقين مستعجلين خلفك، وآخر يتكلم في الموبايل أمامك، وهل كان لديهم مناسبات اجتماعية كثيرة  وسط أيام العمل فتعطل العمل، أم مناسبات أيام الإجازة فتضيع معها عطلة نهاية الاسبوع.

هل التكلفة في الحياة اﻵن أصبحت أصعب أم في الماضي، هل إذا عاش زهير بن أبي سملى في عالمنا هذا سوف يُنشد نفس هذه اﻷبيات أم أنه سوف يمتلك هاتفاً ذكياً به إنترت وبرامج شبكات اجتماعية يضيع معه وقته وتسبب له التشويش في تفكيره فتفقده موهبته في إلقاء الشعر وتجعله شخص عادي يكابد الحياة اليومية حتى يستطيع أن يسير مع الركب.

تفاصل الحياة في الماضي ليست متوفرة لنا، لم يتم توثيقها بدقة، ولم يتم تصويرها، إنما كانت معظمها تشبيهات وتخيلات لا تعكس الصورة كاملة لما كان يعيشه الناس في الماضي بكامل التفاصيل، ولا ندري كيف كان يقضون يومهم، حيث لم تكن هناك تدوينات أو فلوقات ليوم مثالي لشخص من الماضي.

لكن ما نعرفه أن الأشياء البسيطة واﻷساسيات كان الحصول عليها به صعوبة، مثل اﻷكل وحتى الحصول على الماء العذب، والعلاج والتعامل مع اﻷمراض المختلفة، كلها كانت أشياء صعبة ربما تأخذ منهم وقتاً طويلاً ومكابدة حتى يتحصلوا عليها، حتى أن ذلك أثر على أعداد أسلافنا في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، حيث أنهم كانوا قلة مقارنة باﻷوروبيين في نفس الحقبة الزمنية والذين كانت تتوفر عندهم الموارد و نتج عنها زيادة كبيرة في أعدادهم، خلاف الحياة في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، فكلها صحاري ومناطق مدارية شحيحة الموارد.

التقدم التقني والمعرفي والاجتماعي كان له اﻷثر الكبير في توفير الحياة السهلة لأي إنسان، حيث أصبحت اﻷساسيات مثل المأكل والمشرب والملبس في المتناول، لكن في المقابل أصبحت هناك أعباء إضافية ناتجة عن هذا التقدم، وهي أنك حتى تنعم بهذه الحياة الكريمة السهلة، عليك أن تعمل لساعات طويلة دون راحة ودون إجازات حتى تتمكن من توفير وضع اجتماعي مساوي لمن حولك، وحتى تستطيع توفير متطلبات أشياء كانت رفاهية لكنها اﻵن اصبحت أساسية. و نجد أن بعض الشعوب تعمل بمجهود أكبر للحصول على اﻷساسيان دون تلك الرفاهية، فأيهما أفضل لهم في هذه الحالة: الحياة في المدن المتطلبة للساعات الطويلة والعمل المضني والتعامل مع الروتين الذي يضيع معه العمر دون الإحساس بطعم الحياة، أم العيش في القرى ذات المتطلبات اﻷقل من ساعات العمل والتضحية بتلك الرفاهيات التي ربما لايجدون لها وقت في المدينة بالاستفادة منها. تخيل مثلاً شخص اشترى شقة بمبلغ مكلف كلفه عمل خمس أعوام، ثم يستفيد من هذه الشقة بأن يأتي لينام فقط بعد يوم متعب من العمل، مقارنة بشخص لديه بيت متواضع في قرية يستطيع قضاء معظم وقته فيه.

السؤال اﻵن: هل نستطيع الحياة بدون كل تلك التكاليف بموازنة بين العمل لساعات أقل وتوفير وقت للحياة أم أن العمل أصبح هو حياة الناس في هذا العصر. ما هو الحل، هل الانتقال إلى بلد أو بلدة توفر حياة أسهل مع تقيل مقياس الأساسيات أم اﻹنعزال عن هذا المجتمع الذي لا يترك شخص في حاله ولا يدعك أن تعيش كما تُحب ويفرض عليك حياة صعبة هو نفسه لا يستمع بها.

سؤال آخر: هل الجنة -والتي هي هدف لكل مسلم- هل هي تهدف وتُوصف بأنها بها تعقيد وتقدم لما سوف يصله اﻹنسان في المستقبل من تقنيات أم أنها تهدف بالرجوع للحياة البسيطة لكن بشكل أسهل.

أوقات الفراغ المتفرقة

السلام عليكم ورحمة الله

منذ أن بدأت أتعمق في اﻹدارة ظهرت لدي مشكلة جديدة، وهي مشكلة عدم المقدرة على الاستفادة من اوقات الفراغ الصغيرة أثناء العمل، ربما كانت هذه المشكلة قديمة، لكن بدأت تظهر اﻵن بصورة أكبر وأصبحت تؤثر على أدائي بصورة كبيرة وتحول دون الاستفادة من جزء لا يُستهان به من الوقت.

لشرح المشكلة، تخيل أن لديك صندوق كبير لكن بسعة محددة، وتريد أن تضع فيه عدد من الصناديق ذات اﻷحجام المختلفة، فإذا وضعتها بطريقة عشوائية فسوف تكون هُناك فراغات لا تستطيع الاستفادة منها كما في الصورة أدناه:

boxes
مصدر الصورة: https://milliefeuille.com/

نفس المشكلة تحدث مع إدارة الزمن: الصندوق الكبير هو وقت الدوام، مثلاً الثماني ساعات، والصناديق الصغيرة هي اﻷعمال المختلفة التي تريد أنجازها داخل هذه المساحة الزمنية.

ما دفعني للكتابة لهذا الموضوع هو أني كنت أنتظر اجتماع بعد صلاة الظهر، وتبقى للصلاة 20 دقيقة، ولدي عمل يتطلب أكثر من 30 دقيقة، فلم استطع الاستفادة من تلك الفترة الزمنية، وذلك بسبب أن بعض اﻷعمال تتطلب إنجازها في وقت واحد دون تقطيع، لذلك بدلاً من محاولة بداية الشروع في ذلك العمل، قمت بتصفح النت واﻹنشغال بأشياء لتمضية الوقت، مع أني كُنت في زحمة من العمل في ذلك اليوم.

هذا الموضوع الذي أتكلم عنه هو عرض لمشكلة لم أجد لها حل، ربما نجد حلول لدى المعلقين، أو ربما أجد حل لاحقاً فأتكلم عنه بإذن الله.

المشكلة هي  أن هُناك بعض اﻷعمال يتطلب إنجازها يوم واحد و وقت متصل، هذه المشكلة يمكن أنها تكمن في نوعية العمل نفسه ويمكن أن تكمن في طريقة مؤديه، أي يمكن أن تكون هذه اﻷعمال قابلة للعمل في أكثر من يوم، لكن من يؤدي هذا العمل لديه مشكلة أو يُمانع أن يُقسم العمل بين يومين. أنا لا أتكلم عن عمل سبيكة معدنية يتطلب صبها كاملة في قالب دفعة واحدة، أو صبة خراصنية يتطلب تنفيذها وقت واحد وإلا أصبحت مجزأة وأصبح بينها تشققات تفصل بين الفترات الزمنية التي تم صبها فيها، لكن أتكلم عن أعمال ليس فيها هذا الحاجز الفني، مثل كتابة برامج، أو كتابة وثيقة، لذلك افترضت أن المشكلة ربما تكمن في من يقوم بإنجاز العمل  هو من وضع لنفسه حاجة أن يقوم بإتمامها في وقت  واحد أو لا يبدأ فيها إذا لم يتوفر له هذا الوقت المتصل.

هذه المشكلة أصبحت تتفاقع علي أكثر، حيث لم اعد استطيع البداية في كتابة برنامج أو جزئية متكاملة منه أو عمل صفحة أو تقرير ضمن برنامج إلا إذا ضمنت أنه لا يوجد لدي مهام أخرى في ذلك اليوم، بل أحياناً أضع شرط أن أبدأ في الفترة الصباحية، أي أن اليوم كاملاً يكون محجوز لهذه المهمة حتى لو كانت تتطلب ساعتان أو ثلاث ساعت فقط، و إذا لم أقوم ببدايتها في الصباح لا أبداها بعد الظهر. كذلك إذا كان في الخطة اجتماع بعد الظهر مثلاً يمنعني هذا من بداية أي مهمة طويلة الزمن في الفترة الصباحية مخافة أن تنقطع قبل تمامها.

أريد أن أعرف هل هذه المشكلة خاصة بي فقط، أم أن هناك من يُعاني من هذه المتلازمة،  نسميها لأغراض هذه التدونية: متلازمة الخوف من إنقطاع إنجاز العمل.  في السابق لم تكن لدي مهام إدارية كثيرة، لذلك كان معظم الوقت هو وقت متصل استطيع إنجاز مثل هذه المشروعات فيه بدون خوف، لكن مع المهام الإدارية والتي تعتمد على اجتماعات مخطط لها، واجتماعات غير مخطط لها، ورد على رسائل بريدية، وتعامل مع مهام إدارية روتينية – مع أنها ربما لا تتطلب وقتاً طويلاً- هذه المهام ينتج عنها فراغات في اليوم، فإذا قمت بتجميعها ربما لا تتجاوز أربع أو خمس ساعات، وتصبح هناك من أربع إلى ثلاث ساعات للفراغ في اليوم لكنها مجزأة، أكثرها يمكن أن يكون ساعة أو نصف ساعة فيكون كل هذا الوقت الثمين المتبقي عرضة للضياع.

الصلاة والطعام وشرب الشاي هذه كلها لا تؤثر على إنقطاع العمل، حيث أقوم بترك العمل معلقاً إلى أن أقضي هذه اﻷشياء، فهي بحد ذاتها لا تجعل اﻷفكار تنقطع، لكن إجتماع لمناقشة مشكلة ما يستمر لساعة أو حتى نصف ساعة كفيل بأن يقطع لك أفكارك، جرب كتابة مقالة أو تدوينة، ثم إحضر اجتماع لمناقشة مشكلة لا تتعلق بموضوع التدوينة وقل لي عندما ترجع للتدوينة كيف تشعر.

في إحدى المرات ناقشنا مع زملائنا الموظفين موضع أن بعضهم يُفضل تطوير البرامج في المساء لأنه فترة ممتدة ليس فيها مقاطعات وتوقف عن العمل، لكن كانت وجهة نظري أننا نحتاج لهذه المقاطعات حتى لا نجلس جلسة طويلة فهي ضارة صحياً، فإذا بدأت العمل في الصباح تأتي استراحة الفطور، ثم نرجع للعمل، ثم تأتي صلاة الظهر، وبعدها بفترة قصيرة صلاة العصر، وبالنسبة لي أُفضل الصلاة في المسجد عن الصلاة في مقر العمل حتى لو كان به مصلى للجماعة، فبالإضافة لأفضلية الصلاة في المسجد عن المصلى يكون هذا الخروج من مقر العمل ورؤية السماء والشارع واستنشاق هواء جديد، يكون بمثابة إعادة شحن للطاقة وتجديد للنشاط وله أثر كبير في كسر الروتين، بعض الناس لا ينتبهون هذه الأشياء، حيث يختلف إدراك الناس بالشعور بالبيئة وما حولهم، بعضهم لا ينظر لهذا التغيير، وبعض الناس له ارتباط كبير للبيئة وتؤثر فيه عناصرها ويبحث عن التغيير فيها والجديد، فتجده ينتبه لتراكم السحب وهبوب الرياح واﻷمطار وغروب وشروق الشمس، وتغيير منازل القمر وتغير لونه وحجمه، كل هذه اﻷشياء يراها من يداوم على الصلاة في المسجد، وكلما كان المسجد بعيد عن البيت أو العمل كلما كانت هُناك فرصة أكبر لنشبع روحنا بهذه العناصر البيئية والجمالية، كذلك الاختلاط بالناس له أثر.

السؤال اﻵن كيف أقضي هذه اﻷوقات التي لا استطيع استغلالها: اﻷجابة هي أني أقضيها في أشياء متفرقة، مثل قراءة مقالات أو مراقبة برامج قديمة تعمل قمت بتطويرها أو قام زملائنا بتطويرها وذلك لشحذ أفكار جديدة عن إضافات أو لمجرد معرفة أنها تُستخدم من قبل مستخدمين ومراقبة أدائها، لكن في معظم اﻷحيان لا أخرج بأفكار جديدة، فكون ذلك الزمن قد ذهب سُدى، كذلك أقوم بقراءة تدوينات عن مواضيع مختلفة، و في قليل من اﻷحيان أشاهد فيديو أو أقوم بالبحث والتنقل في خرائط قوقل لاكتشاف مناقطة جديدة أو مناطق قديمة تم تحديث صور لها، وفي أحيان أخرى استفيد من هذه اﻷوقات بمتابعة زملائنا في العمل في إنجازاتهم وإذا كانت لديهم مشكلة يمكنني حلها أو يمكن أن أنصح بطريقة حلها.

أعتقد أن هذه المشكلة حدثت لي في هذه الفترة الإنتقالية والتي أجمع فيها بين عملين ذوات طبيعة مختلفة: عمل فني يتطلب زمن طويل لإنجازه وبيئة هادئة، وعمل إداري يتطلبت التعامل الآني مع اﻷحداث والاستجابة الفورية لمتلطلبات، فإذا كان العمل فني فقط فسوف لا يكون هُناك فراغات حيث أن كل الوقت يكون متصل، وإذا كان العمل إداري فقط، فسوف تكون كل الأعمال ذات طبيعة منفصلة وأزمان محدودة فيتم إنجازها بالترتيب.

أريد سماع رأيكم ونظرتكم لهذه المشكلة وخصوصاً من يمر بمثل هذه الحالة

تحديث:

أحد الحلول هي إتباع مفهوم العمل العميق، في مقالة لتلخيص كتاب قرأتها اﻵن:

https://bit.ly/2kyjakM

مقومات النجاح في المهنة، أو الهواية، أو المشروع

السلام عليكم ورحمة الله

شاهدت فيديو قبل قليل لتجديد آلة قديمة، فألهمني هذا الفيديو كتابة هذا الموضوع. لذلك أنصح بمشاهدته أولاً أو على اﻷقل جزء منه ثم نناقش و نتحدث عن ما رأيته في هذه المادة، والمطلوب أثناء المشاهدة اﻹجابة عن سؤال: ماذا يتطلب لنجاح تجديد هذه اﻵلة:

حسب قرائتي لإنجاز هذا المشروع وغيره من المشروعات والمهن وحتى الهوايات  – نعم الهوايات تحتاج لمقومات للنجاح-، بعد التوفيق من الله يتطلب سببين رئيسين:

  1. الرغبة
  2. اﻹمكانية

وهنا التفصيل لهذين المتطلبين:

1. الرغبة

وهي الدافع الذي يجعلنا نختار مهنة ما من آلاف المهن، مهنة نريد أن نقضي بها معظم حياتنا ووقتنا الثمين وعمرنا المحدود، هواية نريد أن نقضي معها أثمن ما تبقى من وقتنا في اليوم، أو مشروع نريد أن نقضي معه شهر أو عام. فإذا لم يوجد هذا الدافع إنهار أول المقومات والركائز للنجاح فيه. الرغبة هذه منبعها داخلي في الشخص، ويمكن يتم تحفيزها خارجياً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بأن ينصحنا شخص بمجال معين أو مشروع معين، أو يمكنك أن نرى شخص آخر يقوم بعمل ما فيكون بمثابة تحفيز لنا أن وبداية لتطور رغبة لنا أن تختار هذا المجال. يمكن أن تكون الرغبة في المرحلة اﻷولى أو تأتي في المرحلة الثانية، مثلاً شخص لديه رغبة في مجال معين ثم قام بالعمل فيه، أو العكس، ربما قام بالدخول في مجال أو عمل معين ثم وجد نفسه فيه وتحققت له الرغبة فيه، لكن ربما الطريقة الأولى هي أكثر مثالية من الثانية. لكن كذلك الطريقة الثانية يمكن أن تكون أفضل في بعض اﻷحيان في حال أن الشخص متردد ولم تكن لديه فرصة في البحث وإيجاد رغبة، كما يقول الله تعالى: فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّـهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا

2. اﻹمكانية

اﻹمكانية موضوع متشعب وله عدة ركائز فرعية يمكن أن نحصرها كلها أو معظمها في هذه النقاط:

2.1 الوقت: لا بد أن يكون لدينا وقت لإنجاز ذلك العمل، فإذا كان يتطلب شهر مثلاً لابد أن يتوفر لدينا ذلك الشهر بحيث نتفرغ فيه حسب ما يتطلبه تنفيذ المشروع، وإذا كان وظيفة فلابد أن نتفرغ للعمل في تلك الوظيفة، وإذا كانت هواية تتطلب ساعة في اليوم مثلاً فإذا أعطيتها نصف ساعة فسوف تكون النتائج غير كاملة. في الحقيقة عنصر الوقت مهم جداً، فهو يُمثل الشخص، يُمثل العمر، فإذا عملنا في مهنة خمسون عاماً مثلاً فنكون قد قضينا خمسون عاماً من عمرنا فيها، بل نحن تلك الخمسون عاماً، ما قبلها وما بعدها لا يضيف لك شيء ولا يمكن أن ننسبه لك، فقط ننسب لك وقتك الذي عشته. وكما قال الحسن البصري: يابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك.

التقليل من الوقت المخصص لهذا العمل يقلل من اﻹنجاز ويقلل من إحتمال النجاح، ويقلل من درجة النجاح، والعكس بالعكس، زيادة الوقت المخصص يكون سبباً لزيادة العمل وزايدة المجهود المبذول، وزيادة إحتمال ودرجة النجاح. إذا لم يكن لدينا وقت كافي فربما علينا أن نفكر في أن نضحي بعمل آخر يأخذ وقتنا الثمين، وإلا فيجب أن نفكر في مشروع أو عمل آخر يتطلب وقتاً أقل يتناسب مع ما يتوفر لدينا من الزمن.

2.2 اﻷدوات: وهي الأدوات المطلوبة للعمل، سواءً كانت أدوات حسّية إبتداءً بما يستخدمه العامل من أدوات بسيطة من مفكات وبراغي ومروراً بأجهزة أكثر تكلفة من الحواسيب، ومعامل صغيرة، وإنتهاءً بمصانع . لابد أن تتوفر لدينا اﻷدوات الكافية والمناسبة لإنجاز العمل، سواءً قمنا بتوفيرها ذاتياً أو أنها متوفرة في مكان العمل الذي نعمل فيه، لا يهم الملكية لمن، المهم أنها متوفرة بصورة دائمة متى نحتاج إليها نجدها لإنجاز العمل. بعض الهوايات تتطلب أدوات ذات إمكانات عالية مثل التصويرالفوتوغرافي، فكلما كانت لدينا كاميرا ذات إمكانيات أعلى كلما كانت النتيجة أفضل.

2.3 المعرفة: لابد أن تكون لدينا المعرفة بالشيء الذي نتخصص فيه أو لدينا رغبة في إنجازه، سواءً كانت معرفة نظرية أو عملية، وهي معرفة شاملة بالعمل باستخدام اﻷدوات بكيفية البداية، و بكيفية تخطي العقبات الفنية. أحياناً المعرفة تتطلب دراسة طويلة، مثل تعلم البرمجة ولغاتها وأدواتها ومفاهيم تطوير البرامج، وأحياناً تتطلب وقت قليل مثل التصوير واستخدام الكاميرا . المعرفة تتدرج مع الشخص قبل الشروع في العمل، ثم بعد البداية فيه، ثم تستمر مع استمارره في ذلك العمل، وعليه أن يتقدم في المعرفة بطريقة تجعله يستطيع مجاراة أقرانه وما يتطلبه النجاح في تلك الوظيفة، فلا يُمكن أن تكون لدينا معرفة مكتسبة في شهر واحد فقط ونريد أن نعمل بها في مجال يتطلب أعواماً لتحصيل تلك المعرفة. الخبرة هي معرفة متراكمة، لذلك لم أفرد لها نقطة منفصلة.

  2.4 الميزانية المالية: نعم نحتاج لميزانية مالية لإنجاز أي عمل، وتبدأ الحاجة إليها مع بداية العمل، حتى الهواية تحتاج إلى أموال لتوفير اﻷدوات المناسبة وزيادة اكتساب المعرفة، من تعلم و توفير سبله مثل اﻹنترنت والكتب وأجهزة وأدوات.

لابد من وجود تغطية مالية كافية لما نصرفه من وقت، فنحن نحتاج إلى مصروفات شخصية، وأن نصرف على من نعول، فإذا لم تتوفر لنا هذه الميزانية فسوف ننشغل بتلك المصروفات ولن نستطيع الاستمرار أو البداية في ذلك العمل، حتى الهواية لا نستطيع قضاء وقت بها إذا لم يكن لدينا دخل يكفي متطلباتنا الشخصية. وفي كثير من اﻷحيان نجد أن العمل هو من يوفر لنا تلك المصروفات، ولابد أن يكون كافي حتى لا يؤثر ذلك على اﻹنجاز، لكن لا يكون الهدف من ذلك العمل فقط هو تغطية تلك المنصرفات، وإلا لم تكن هُناك فائدة من هذا العمل، فإذا عملت عملاً فائدته هي أن تستطيع أن تصرف على نفسك فقط، فإذاً أنت تعيش حتى تعمل لنفسك فقط، فإذاً أنت لا تضيف شيئاً للعالم. أقصد أن يكون الهدف هو إضافة شيء والمساهمة في عمل يستفيد منه الناس والكسب المادي منه إنما هو ناتج ثانوي فائدته تمويلك بما يكفي للمواصلة في تقديم هذا العمل أو الخدمة للبشرية.

هذا ما استحضرته إلى اﻵن، إذا كان هُناك شيء نسيته وترون أنه مهم، يمكننا مناقشته أو إضافته للنقاط السابقة

فيضانات عام 88 في السودان

السلام عليكم ورحمة الله

ارتبط عام 1988 ميلادية بأمطار غزيرة وفيضان لنهر النيل تأثرت البلاد بسببه وكان أكبر كارثة طبيعية شهدتها، حيث كان قبلها فيضان عام 46 كما سمعنا من آبائنا، وفيضان عام 6 كما سمعنا من أجدادنا. وما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع هي اﻷمطار الغزيرة المتتابعة على السودان منذ عيد اﻷضحى إلى اﻵن في هذا العام والذي رجع بذاكرتي لفيضان عام 88.

في ذلك العام كُنت أدرس في المرحلة اﻹبتدائية في جنوب السعودية في قرية النجامية وكُنا نسكن في مدينة صامطة جنوب جازان، لكننا كنا نرجع السودان في إجازة المدارس وكانت توافق فترة الخريف. في تلك الأعوام أي في نهاية الثمانينيات، كانت اﻷمطار غزيرة في الخرطوم تختلف عن أمطار اليوم والتي انخفضت بنسبة كبيرة وتسببت بتغيير المناخ في الخرطوم لشبه صحراوي.

أكتب هذه التدوينة واﻷمطار مازالت تهطل، نسأل الله أن يأتينا من خيرها.

2019floods
صورة لفيضان النيل عام 2019، تم أخذ الصورة من مسجد النيلين بأمدرمان

في عام  88 هطلت عدة أمطار، وكان أغزرها أمطار بدأت وقت العشاء واستمرت إلى صباح اليوم التالي، كانت أمطار بدون رعد وبدون رياح، ظلت تمطر بإنهمار، أذكر أننا خرجنا من البيت ووقفنا في الخارج تحت شجرة، واصبح الناس ينقلون الأثاثات واﻷدوات من البيوت القديمة اﻵيلة للسقوط، وبينما نحن نشاهد اﻷمطار إذا أحد البيوت ينهار أمام أعيننا وسط فزع من الناس – في منظر لا زلت أذكره إلى اﻵن-، وتبين لنا بعد ذلك أن ابن خالتي كان في ذلك البيت ينقل اﻷثاث مع الجيران فانهار فيه البيت، فقام الجيران بإخراجه من اﻷنقاض ، والحمد لله لم يُصب إلا ببعض الرضوخ في ركبته. بعد ما خفّت اﻷمطار وذهبنا للنوم سمعنا بيت آخر ينهار، وفي الصباح الباكر سمعنا أن عدد كبير من البيوت القديمة قد انهار في عدة مناطق من الخرطوم، وأصبح الخطر القادم هو فيضان النيل، حيث تأثرت المناطق القريبة منه بالفيضان وكان أشهرها جزيرة توتي التي تقع عند ملتقى النيلين: اﻷزرق والأبيض، لكن الفيضانات كانت تأتي من النيل الأزرق والذي ينبع من بحيرة تانا في الهضبة اﻷثيوبية. فأخذ أهل توتي يتكاتفون لعمل ترسانات ترابية لحماية جزيرتهم التي هي دائماً في مهب الفيضانات.

أنقطعت الكهرباء لمدة إسبوع بعد هذه اﻷمطار، واصبح هُناك شح في الخبز والطعام وأنقطعت سبل المواصلات، وقامت دول الخليج بعمل جسر جوي لإمداد السودان وإنقاذه من هذه الكارثة الطبيعية، وكان من أهمها الخيم التي تؤوي من تهدمت منازلهم.

في العام الذي يسبقه أي عام 87 كانت هُناك أمطار غزيرة أيضاً وكانت هناك صواعق شديدة، فأذكر في صباح إحدى هذه الليالي الماطرة طرقت جارتنا – رحمها الله- الباب ففتحته فقال لي أخبر أهلك أن أخاها قد أصابته صاعقة وتوفي ، وكان أخاها -رحمه الله- يعمل في اﻷرصاد في مطار الخرطوم، فذهب لأخذ قياس كمية اﻷمطار وهو في طريق العودة في ساحة المطار أصابته الصاعقة. وبفضل الله اﻵن اصبحت التقنية الحديثة واﻹتصالات بديل لهذه المهام الخطرة. و بسبب هذه الحادثة اصبحت أخاف من الصواعق واﻷمطار خوفاً شديداً، وقد كان نوع الخوف المرضي الذي يُسمى فوبيا، فاصبحت لا أنام عندما تهطل أمطار إلى أن تتوقف، ومن سؤء حظي كنا نشهد جزء كبير من الخريف في السودان، ثم نرجع لبداية العام الدراسي في السعودية لنشهد موسم اﻷمطار الشتوية في جنوب السعودية، لكن كُنت استمتع بالوادي الذي يمر جوار البيت، اسمه وادي تعشر يمربين النجامية وصامطة يأتي من جبال في اليمن، أحياناً بدون أمطار نجد أن الوادي بدأ يندفع وله صوت هدير، فيخرج الناس ليروه، وكان هذا الوادي بيننا وبين النجامية التي كُنت أدرس فيها فينقطع سبل الوصول للمدرسة في ذلك اليوم.

 

أتابع بصورة مستمرة مشروع سد النهضة اﻷثيوبي والذي سوف تتأثر به هذه البلاد الثلاث: دولة المنبع: أثيوبيا، ودولة العبور: السودان، ودولة المصب: مصر. المشكلة تكمن في ملأه، حيث يحتاج لحوالي 65 مليار متر مكعب من المياه، والتي تعادل تدفق النيل لعام كامل، وهنا تكمن المشكلة! حيث أنه كلما سارعت أثيوبيا بملأه – بعد الإنتهاء من بنائه- كلما تأثرت السودان ومصر بنقص المياه في النيل والذي تعتمد عليه السودان بشكل كبير ومصر بشكل أكبر، وكلما جزأت أثيوبيا ملأه في أعوام عديدة كلما زاد من خسائرها باعتباره استثمار كبير يحتاج لأن يكون به مردود سريع. فلذلك هي معادلة صعبة، أتمنى أن يمن الله علينا بأن تُحل بزيادة فيضان النيل في اﻷعوام التي تلي اﻹنتهاء من تشييده والشروع في ملأه بالمياه. لو كان لي من اﻷمر شيء في ذلك المشروع لجعلت صلاة الإستسقاء جزء من الخطة حتى تمتلائ بحيرة الخزان، لكن للأسف كل هم المسؤولين في الدول الثلاث هي إتفاقية تقسيم المياه التي قررتها بريطانيا كحصة لكل دولة، لاأدي ما علاقة بريطانيا بهذا الامر، هل هي من جعلت النيل يجري أم تنزل الأمطار من السماء!

زيادة السكان والذين يعتمدون على نهر النيل في الشرب والزراعة وحتى الصناعة وإنتاج الكهرباء لابد أن يصحبه زيادة في منسوب تدفق النيل السنوي، لأن الله يقسّم الرزق بعدد الناس، لكن من بات يؤمن بهذا ويجعلها أحد أركان ما يُستند عليه في اﻹتفاقيات!. يقول الله تعالي : وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴿٢٢

بعد اﻹنتهاء من بناء خزان النهضة اﻷثيوبي سوف يكون هُناك تحكم في منسوب المياه ويزول عن السودان خطر الفيضان بإذن الله، كما أن السد العالي في مصر حجز عنها خطر الفيضانات، حيث أصبحت الفيضانات هي خير لمصر وليست مصدر خطر، لكنها اﻵن ما تزال مصدر خطر بالنسبة للسودان بالرغم من وجود عدد من الخزانات في النيل في السودان وهي سد الرصيرص والذي يقع مع بداية دخول النيل الأزرق السودان، وسد مروي في شمال السودان، إلا أن سد الرصيرص له مساحة تخزينية محدودة لا تجعله يستوعب كل مياه الفيضان.

هذه بعض الصور أخذتها أثناء زيارتنا لخزان مروي شمال السودان مع زملائنا في الشركة التي كُنت أعمل بها سابقاً:

 

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

وهذا فيديو لخزان مروي

وهذا تقرير من قناة الجزيرة عن سد النهضة:

اليمامة الماسية الزائرة، وهواية تربية الطيور

السلام عليكم ورحمة الله، وتقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير، وجمعنا الله جميعاً في بيته الحرام.

منذ الصغر -تقريباً في الثانوي- بدأت لدي هواية تربية الحيوانات وخصوصاً الطيور، وكانت هُناك مساحة غير مستغلة في المنزل فقمت بتربية عدد من الحيوانات إبتداءً من اﻷرانب، والدجاج، ثم الحمام وإنتهاءً بالبط. استمريت مع هذه الهواية إلى دخول الجامعة فقمت بالتخلص منها جميعاً، حيث أن هذه الهواية مرتبطة بمرحلة عمرية معينة وتحتاج إلى إلتزام بالاهتمام بهذه الحيوانات وإطعامها. بعد هذه الفترة لم أفكر بتربية طيور مجدداً، فقط أكتفي بمشاهدة الوثائقيات التي تتكلم عن الطيور خصوصاً في الطبيعة، حيث أني لا أميل لحبسها في قفص، حتى أني صرت لا أحبذ مشاهدة الطيور في حدائق الحيوانات، بل في الطبيعة.

قبل بضع سنوات ذهبت مع أبنائي إلى معرض الزهور، لكن بدلاً من شراء زهور ونباتات وجدنا طيور من نوع البادجي فطلب مني أبنائي شراء زوج منها، فقمنا بشراءها وأعادت لي ذكريات تربية الطيور، لكنهم لم يعتنوا بها – كعادتهم- إلا في اﻷيام اﻷولى، ثم صرت أهتم برعايتها بعد ذلك، واحيان قليلة يساعدوني في إطعامها، قمنا بالاعتناء بها لفترة طويلة لكن اﻷجواء الحارة لم تناسبها وكذلك موضع القفص فلم تُنتج خلال عام حيث أن موسم تكاثرها فقط في الشتاء، فقمت بإطلاقها.

مع أني لم أمارس تربية الطيور طوال هذه الفترة إلا أني كنت أطعم الطيور التي تأتي للبيت بباقي الخبز الجاف، حيث أقوم بوضعه في الماء لفترة ثم أخرجه وأضعه للطيور، فأصبحنا لا نلقي بأي خبز جاف في القمامة، كله يذهب للطيور التي تأتي من الجوار، وهي من نوع العصافير العادية وطائر البلبل والقمري، وأحياناً يأتي الحمام المطوق. وميزة هذه الطريقة أن الطيور حرة غير محبوسة وعندما أنشغل أو أسافر لا تكون هُناك مشكلة بتفويت يوم أو بضعة أيام بعدم إطعامهم. وهذا فيديو قمت بتصويره قبل عدة أعوام لهذه الطيور وهي تأكل الخبز:

خلال هذه الفترة وبعد تربية طيور البادجي، زارنا طائر جديد  في فناء المنزل يشبه القمري لكنه صغير الحجم لم أره من قبل، قمت بأخذ هذه الصورة له، ثم بحثت عنه في النت:

diamondDove

أعتقد أن البحث بالصورة لم يفلح، لكن بحثت بدلالة الدائرة الحمراء حول عينه، لكن لا أذكر العبارة بالضبط ما هي، ثم ظهر عدد من الطيور ووجدت الطير الذي أبحث عنه ضمنهم، وظهر أن اسمها اليمام الماسي Diamond dove ووجدت أن أصلها من أستراليا وهي أصغرأنواع اليمام أو الحمام، ووجدت أن معظم أنواع الطيور التي تُربى للزينة أصلها من أستراليا، لا أدري ماهو السر وراء ذلك.

بعد أطلاق طيور البادجي، ذهبت بعد فترة إلى سوق الطيور جنوب الخرطوم – سوف أضع رابط الخريطة في اﻷسفل لمن يريد معرفته و زيارته-، و كانت رغبتي شراء عصافير زيبرا بعد مشاهدتها في اليوتيوب، فقمت بشراءها وتفاجأت بأن اليمام الماسي موجود عندهم، لكن لا أدري لماذا لم أقم بشراءه بدلاً من الزيبرا. طيور الزيبرا لم تمكث طويلاً في القفص، حيث طارت إحداها أثناء تقديم الطعام لها فهي كثيرة الحركة، فقمت بإطلاق اﻵخر بعده، ثم بعد فترة رجعت لشراء اليمام الماسي، لكن للأسف أيضاً طارت إحداها بعد أيام أثناء فتح القفص فقمت بإطلاق اﻵخر. لكن مع ذلك أصررت على تجربة تربيته، ذهبت بعد عدد من الشهور إلى سوق الطيور لشراء زوج آخر ومعه عش، وبعد حوالي عشرة أيام بدأت بوضع البيض، وفقست فرخة بعد إسبوعين تقريباً، وفرحنا بها جداً وكبرت بسرعة، حيث أنها طارت بعد عشرة أيام فقط من الفقس، ثم وضعت أمها بيضتين أخرتين بعد عشرة أيام. فهي طيور كثيرة الإنتاج طوال العام ليس لها موسم مادام توفر لها الطعام واﻷمان.

الطيور حديثة الفقس بعد أن تكبر قليلاً وتعتمد على نفسها نقوم بإطلاقها لأن القفص ضيق أو أحياناً تطير لوحدها عند فتح القفص للإطعام. لكن بعد عام تقريباً طارت جميعها بسبب أن باب القفص كبير. بعد ذلك لم أفكر بتربية الطيور، حيث أن بعض الهوايات تنتهي بتجربتها، مثلاً تكون لك رغبة في تجربة شيء ثم تقوم بتجربته وتستمتع به فترة ثم يصبح شيئاً عادياً فتمل منه وتفكر في هواية أو رغبة أخرى أو أولوية أخرى. والجدير بالذكر أن تربية نوع معين من الطيور يصاحبه دراسة عنه ومشاهدة فيديوهات لكيفية التعامل معها والطعام الذي تفضله وزمن فقس البيض. ومن الغريب أن أحدها كان يرجع للقفص مرة أخرى بعد إطلاقه فأترك له القفص مفتوح كما يظهر في إحدى الصور أدناه:

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

أتمنى تجربة تربية نوع آخر من الطيور مثل الزيبرا الذي يتميز بألوان مختلفة، كذلك أتمنى أن يكون لدي قفص أكبر لتربية أكثر من زوج من الطيور وتكون لها مساحة أكبر للطيران، كذلك أتمنى أحياناً أن تكون لدي مزرعة فأقوم بعمل محمية فيها للطيور، لكن كل هذه أمنيات ربما فات عليها اﻷوان، مع زحمة العمل وزيادة المسؤوليات تبقى مجرد أمنيات كغيرها من الأمنيات التي لا نستطيع تحقيقها إما لسبب عدم وجود وقت كاف لذلك أو لا يوجد مكان أو مساحة كافية في البيت لهذا النشاط، أو بسبب أننا لا نفكر في تحقيق كل أمنياتنا عندما نكبر، حيث أصبحت اﻷولوية لتحقيق أمنيات وأهداف أبنائنا ومجتمعنا خصوصاً مع التقدم في العمر، لكن بعد فترة – عند سن المعاش- ربما يتوفر لنا وقت آخر نستطيع فيه تحقيق بعض ما فاتنا من الهوايات واﻷمنيات كما يفعل الغرب، فتجدهم يذهبون للسفر لرؤية أماكن كانوا يحلمون برؤيتها أيام شبابهم، لكن الفرق أنهم أقل مسؤلية منا من ناحية عائلية  وأقل ارتباطاً بأبنائهم.

معظم أصحاب المحميات التي أشاهدها في اليوتيوب هم من الخليج ، لم أجد صاحب محمية للطيور في السودان، وجدت مجموعات في الفيسبوك – قبل أن أغلق حسابي هُناك- توجد أكثر من مجموع مهتمة بالطيور لكنهم يشتركون في أن كل همهم البيع عن طريق الفيسبوك، وبالنسبة لي البيع والتكسب المالي ليس جزءاً من الهواية.

1024px-Crested_Pigeon_Nov09
Credit: https://en.wikipedia.org/wiki/User:Fir0002

بعد ترك هذه الهواية مستعد أن أرجع مرة أخرى إذا وجدت الحمام المتوج، وهو يشبه اليمام الماسي وأصله من أستراليا، وهو من الطيور النادرة ولا يوجد عندنا في السودان، وأتمنى أن أجده، ربما يوجد في السودان لكن لا توجد معلومة، لكنه وصل إلى الخليج عند أصحاب بعض المحميات، فبالإضافة إلى ألوانه الجميلة لديه صوت مميز لأجنحته في الطيران – فسبحان الله- شاهد هذا الفيديو. لكن كيف نسمع هذا الصوت إذا قمنا بتربيته في قفص!

 

سوق الطيور جنوب الخرطوم:

http://wikimapia.org/#lang=en&lat=15.550108&lon=32.533693&z=19&m=bs

هل تجدون أن الهوايات مرتبطة بعمر معين، أم أن بعض الناس لا يكبرون أبداً 🙂 كلما أذهب لسوق الطيور أصحب معي أبنائي، حتى لو كنت اشتري لنفسي وليس لهم، لأن معظم المشترين من اﻷطفال والشباب، لذلك فإن اصطحاب أبنائي يكون غطاءً لي 🙂

هل نستسلم لعدم تحقيق رغباتنا، أم أن هذا مرتبط فقط بمجتمعنا الشرقي، وهل للعولمة دور في تغيير هذا المفهوم!