اﻹزدحام في حيّز ضيق من اﻷرض الواسعة

السلام عليكم ورحمة الله

استكمالاً لما تكلت عنه في موضوع سابق عن وباء كورونا والرجوع إلى الفطرة، فأريد أن أتكلم عن موضوع آخر مرتبط بهذا الوباء وبُعدنا عن الفطرة، وهو موضوع الإزدحام في المباني، والعمل والموارد، وهو اﻹزدحام في العواصم والمُدن الكبرى.

rular

 لفت نظري موضوع قرأته أمس عن مغادرة أكثر من مليون فرنسي مدينة باريس إلى الضواحي أو خارج العاصمة. هذه باريس التي تغنى لها الشرق والغرب اﻵن أصبحت منفّرة، وسبب شرود نسبة منهم ليس بسبب تفشي وباء كورونا لكن بسبب خوفهم من حالة اﻹكتآب بمكوثهم في منازلهم الضيقة في العاصمة، حيث وصفت إحدى المُغادرات أنها تسكن في شقة بمساحة 30 متراً مربعاً، أي 5 أمتار في 6 أمتار، ففضلت البقاء في الريف الوريف في بيت أهلها الواسع.   في نظري بيت بهذه المساحة هو زنزانة، فلِم نسجن أنفسنا اختيارياً في زنزانة؟ وربما ندفع ثمناً باهظاً على هذا السجن الاختياري. في نظري السكن في شقة أو بيت ضيق ليس فيه سماء هو سجن مهما كبرت مساحته، نحتاج في فطرتنا إلى رؤية السماء واﻹتجاهات اﻷربع، لا أشترط رؤية شروق الشمس وغروبها – مع أن أوقات الصلاة مرتبطة بشروق وغروب الشمس والشفق وتعامد الشمس وزاوية الظل- فهذا صعب حتى في البيوت الواسعة أو العالية في المُدن الكبرى والعواصم.

rular

إذا حسبنا من ناحية جغرافية وإحصائية لبلد متوسط المساحة مثل فرنسا فنجد أن نسبة الكثافة السكانية فيها هي 104 أشخاص لكل كيلو متر مربع، أي لكل مليون متر مربع، أي أن الشخص الواحد لديه مساحة أكثر من 9 آلاف متر مربع، ودولة مثل السودان فيها كثافة السكان فقط 21 شخص لكل كيلو متر مربع، أي أن الشخص لديه مساحة 47 ألف متر مربع، فإذا حسبنا أن ثلاث أرباع هذه المساحة هي مساحات طبيعية من غابات وأنهار وجبال ومساحات عمرانية مشتركة بين الناس من طرق ومرافق عامة، يتبقى  الربع وهو حوالي 12 ألف متر مربع للشخص الواحد أي 100 متر طول في 120 متر عرض مثلاً، هذا للشخص الواحد، فإذا كانت عائلة من خمس أفراد فلديها مساحة 500 متر في 120 متر أي 60 ألف متر مربع! فماذا يبحث الناس عن الزحام!

هل الفطرة السليمة هي تزاحم الناس في العواصم الضيقة أم أن الفطرة السليمة تدفع اﻹنسان إلى البحث عن المكان الواسع حتى نسكن فيه ونتنفس هواء فيه ونجد متسعاً لمساحة عمل تُناسب طموح اﻹنسان ولا تحد قدراته. هل يضطر الشخص إلى المكوث في هذه المُدن المكتظة هروباً من الريف الواسع ليعيش حياة أفضل من الريف! هل يستبدل أحدنا العمل لساعات متوازنة يتخللها راحة وعبادة وساعات للأهل وشمس وهواء بعمل طول اليوم وهواء ملوث وعدوى لتأمين ثمن المسكن والمأكل والمركبة، هل تخدمنا المُدن أم نحن من نخدم المُدن بطريقة السخرة!.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “مروا اﻷقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا” أي أنه أمر الناس أو نصحهم بالتباعد في المساكن وتعويض البُعد  بالزيارات، فبهذه الطريقة لا يتنافس الناس على الموارد.

هذا الضيق والازدحام أصبح بيئة خصبة لانتشار اﻷوبئة، وقد اعتاد العرب قديماً للسكن والتخييم في المناطق الصحراوية، حيث كان بسبب التنقل من منطقة إلى منطقة، أما اﻵن فمازال البعض منهم كنوع من الرفاهية يذهب إلى البر ليخييم أو يخييم أثناء السفر أو الرحلات. في الغرب يتخذ المُيسر منهم بيتاً في الريف يذهب إليه ليقضي إجازة بعيدة عن ضوضاء المُدن. لكن نادراً ما يكون الذهاب هو هجرة من المدينة إلى الريف بصورة دائمة.

المشكلة تكمن في ارتباط العمل بالمدن أو العاصمة، مثلاً في عملنا في البرمجة فإن السوق ينحصر فقط على العواصم، لا يوجد سوق خارج العواصم، سواءً عاصمة البلد أو عواصم الولايات في حال أن البلد بها إقتصاد قوي  وتوزع سكاني كبير في الولايات المختلفة. لكن توجد مجالات عدة لا ترتبط بالعواصم، مثل مجالات الصناعة والزراعة وحتى التعليم، فنجد جامعات في مدن أصغر من العاصمة أو حتى يمكن أن تكون هذه الجامعات أو كليات تابعة لها في القرى اﻷصغر، كذلك فإن مجال الصناعة فإن اﻷفضل فيه أن يكون في المدن الصغرى أو اﻷرياف، حيث اﻷيدي العاملة والتكلفة اﻹنتاجية اﻷقل مقارنة بالمُدن الكبري التي تتطلب تكلفة عالية للمعيش فيها.

في الختام نحتاج لنغير طريقة تفكيرنا في سكننا وعملنا اﻵن، حتى بعد أن ينحسر وباء كورونا بإذن الله فعلينا تغيير البيئة بما تتناسب لتجنب الوباء القادم، أو حتى بدون أن يكون هنالك وباء، نفكر في أن نعيش حياة أفضل من ناحية فطرية وجسدية فالجسد يحتاج للهواء النقي والشمس واﻷنهار والبحار و رؤية اﻷشجار والجبال، نحن لسنا آليين تحتاج إلى كهرباء وإتصال بالشبكة حتى يُتحكم فيها من بعد، نحن بشر خلقنا الله من طين، وطننا هو الطبيعة البكر وهذا الوطن لا يختلف باختلاف العصر الذي نعيش فيه.

وباء كورونا والرجوع إلى الفطرة

السلام عليكم ورحمة الله

لاشك أن حديث هذه اﻷيام هو الوباء التي يحدث للعالم من إنتشار سريع وقاتل لوباء فيروس كورونا، وكلٌ يتكلم من زاوية معينة لهذا الموضوع، فمنهم من يتكلم من ناحية طبية، ومنهم من يتكلم من ناحية إقتصادية ومنهم من يتكلم من ناحية إنسانية ومنهم من يهتم بالجانب السياسي له. لكن دعونا نتكلم اليوم من جانب الفطرة السليمة التي فطرها الله في الناس، فطرة اﻹسلام الذي ارتضاه الله ليكون حياة لنا وليس عبادة فقط كما يظن بعض الناس.

quran

خلق الله السماوات واﻷرض وخلق الناس وهو أعلم بما يُصلحهم وما يضرهم، وأرسل الرسل وختم الرسالة برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنزل القرآن ليكون آخر هدي يهتدي به الناس على اختلاف حضاراتهم واختلاف أزمنتهم، لكن يظن البعض أن موضوع الشرع مرتبط بالعبادة ويُنادي بفصل الدين عن الدولة، ومنهم من يظن أنه يصلح للزمن الفائت ولا يصلح لزمننا الحالي زمن التكنلوجيا واﻷختراعات وزمن إرسال الناس إلى الفضاء. إلا أن شرع الله يدخل في كل حياتنا وممتانا، وصحتنا ومرضنا، بل حتى نومنا وأكلنا وشرابنا، فقد دل الله الناس وأمرهم بإتباع الفطرة السليمة، واﻹسلام دين الفطرة فهو لا يتنافي معها. فلم تنفع التكنلوجيا في التعامل مع المرض، ولم تنفع تلك اﻷقمار الصناعية، ولا الصواريخ، ولا التسابق النووي، بل رجع الناس اﻵن إلى الفطرة البسيطة التي كان الناس عليها منذ قديم الزمان، وثبت أن اتباعها هو من أنجح السبل في مكافحة مثل هذه اﻷوبئة، من طهارة يأمر بها الله عباده أن يتطهروا للصلاة ويتوضون خمس مرات في اليوم، بل وقبل النوم وبعده، وقص اﻷظافر، وتغطية الفم عند التثاؤب، وتغطية اﻷنف عند العطس. كل هذه اﻷشياء وغيرها ربما كان لا يهتم بها الناس في غير هذا الوقت، لكن اﻵن اصبحت شغل الناس حتى غير المسلمين فإنهم رجعوا إلى الفطرة السليمة لتفادي إنتشار هذا المرض. بل حتى حظر التجول في المساء متأصل من فطرة اﻹسلام، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعده، فلم تكن هُناك نشاطات جماعية بعد صلاة العشاء، حتى العبادة مثل قيام الليل فهي عبادة جماعية وليست فردية.

منع اﻹختلاط بين الجنسين والمصافحة بينهما هي كذلك من فطرة اﻹسلام، و الخوض في ما لا نفع فيه، بل ونقل الشائعات دون التثبت من اﻷمور المنهي عنها في شرع الله، وحتى مفهوم الحجر الصحي فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا. وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التنفس في اﻹناء او النفخ فيه، وربما لم يفهم الناس سبب هذا النهي لكن بعد إنتشار هذا الفيروس وأنه ينتشر بالتنفس فاصبح معني هذا الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم واضح السبب، لكن يجب عليها أن نأتمر بما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وننتهي عن ما نهى عنه حتى لو لم نعرف السبب، فلا ننتظر أن يحل بنا وباء ثم نبحث عن ما يأمر به وعن ما ينهى عنه.

نحن نحتاج إلى الرجوع إلى الفطرة السليمة ليس فقط لمواجهة هذا الوباء، وليس فقط لما يهم صحتنا، بل لجميع مناحي حياتنا، من ترشيد لاستخدام الموارد والحفاظ على البيئة، بل حتى للتقليل من إنبعاثات الكربون الذي يتسبب في الاحتباس الحراري، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قطع الأشجار، فقد قال: من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار، وحث على الزراعة، حيث قال: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إلاَّ كانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْه لَه صدقَةً، وَلاَ يرْزؤه أَحَدٌ إلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً

التعامل مع الناس والتعاملات التجارية بل حتى الإدارة فإن أفضل مرجع فيها هو الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان أفضل قائد، ولن ينافسه أحد من البشر في أن يكون أفضل منه، حيث قاد أُمّة وأخرجها من الجهالة إلى أفضل اﻷخلاق. وهناك أحاديث كثيرة في اﻹدارة والتعامل بين الناس، نذكر منها كأمثلة: حديث من غشنا فليس منا، وحديث: أللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به، وحديث لا ضرر ولا ضرار، أي لا يضر المسلم أحداً من الناس ضرراً مباشراً ولا ضرر غير مباشر. وهناك الكثير من المواضيع اﻹدارية التي تجعل الشخص ينجح في إدارته وقيادته باتباع نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

للأسف ليس كل الناس يتبع هذا النهج، وقد رأينا أن هذا المرض إنتشر في البلاد التي يُحارب فيها اﻹسلام وتُحارب فيها الفطرة السليمة، والتي يؤكل فيها ما حرم الله. فلعل هذا اﻷمر هو تنبيه لمن خرج عن طريق تلك الفطرة السليمة، وزيادة إيمان لمن يتبع هذه الفطرة. فنسأل الله أن يردنا إلى طريق الفطرة السليمة وأن يجنبنا ما حرم ولا يحرم علينا ما أحله لنا.

يقول الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴿٨٢ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ﴿٨٣ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا ﴿٨٤

اﻹنقلاب الربيعي

السلام عليكم ورحمة الله

اليوم 20 مارس 2020 هو اﻹنقلاب أو الاعتدال الربيعي لهذا العام، وهي ظاهرة فلكية تحدث مرة في العام الشمسي وذلك بمرور واعتدال وتعامد الشمس مع خط الإستواء، متجهة من تعامدها على النصف الجنوبي للكرة اﻷرضية في طريقها للتعامد مع شمال الكرة الأرضية حيث تتعامد مع مدار السرطان في فصل الصيف، ثم ترجع إلى إتجاه النصف الجنوبي مروراً بالإستواء مرة أخرى في تعامد أو إنقلاب خريفي، ثم تتجه جنوباً إلى مدار الجدي ليحل محلها فصل الشتاء في النصف الشمالي في حين يحل فصل الصيف في النصف الجنوبي.

أما من ناحية بيئية وناحية مناخية فيعتدل الطقس في تلك الفترة بما أنها بين الشتاء والصيف، ويتأثر بها اﻹنسان، وتتأثر بها الحيوانات والنبات، ومن يعيش في منطقة بها طبيعة نباتية يعرف ما هو فصل الربيع، لكن من يعيش في المُدن التي ليست بها طبيعة كافية فربما لا يحس كثيراً بهذا الإنقلاب ولا يعرف أهميته. ومن لديه هواية في زراعة النباتات يجد تغيير واضح في بداية هذا الفصل ويعرف أن الربيع قد حل، حتى لو كان اعتدال الجو ليس واضحاً أو كانت أيامه معدودة إلا أن أثرها على البيئة الطبيعية يكون أكثر طولاً.

20March-Aptenia
صورة لوردة تفتحت اليوم 20 مارس

تجد النباتات تزدهر ويزداد نومها في هذه اﻷيام وبعضها يُثمر أو يُزهر، وأكثر ما يميّز هذا الفصل هو كثرة الزهور والاخضرار والزهو في النباتات سواءً كانت نباتات زينة أم شجيرات خُضار أم أشجار فواكه، تجد أن معظمها بدأ في الازدهار والتكاثر واﻹثمار. ومن لديه هذه الهواية المرتبطة بالطبيعة يشاهد في فصل أثر مختلف وتقلبات واضحة يُشاهدها في هذه النباتات. ومن لديه هواية في التصوير فهذا الوقت من أنسب الأوقات لالتقاط صور طبيعية لأوراق وأزهار النباتات بإختلاف ألوانها وأشكالها.

orange-flower
صورة لوردة صباح الخير، تفتحت يوم 23 مارس

بالنسبة للأثر النفسي والروحي للإنسان في هذا الفصل، فهو يأتي بعد شتاءٍ بارد وطويل فيكون هذا الفصل تخفيف لنا من برد الشتاء وتمهيداً لفصل صيف طويل، ولا بد لأي إنسان أن يستشعر هذه التقلبات وهذه اﻵيات التي يعرضها الله علينا لعلنا نتذكر، حيث يقول الله تعالى:   إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٦٤ ، فلا بد أن نتفكر في هذه الأيات الكونية لنثبّت إيماننا بالله وبآياته وأن لا نكون في من قال فيهم:  وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥  ويقول الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ

hdr

يُقام معرض أزهار الربيع في الخرطوم كل عام إبتداءً من هذا التوقيت من الاعتدال الربيعي، لكن ربما هذا العام يُلغى بسبب الخوف من فيروس كورونا، ويتوافق مع نهاية العام الدراسي، لكن حتى نهاية العام الدراسي تأجلت، فنسأل الله أن يعيدنا إلى أمننا وأن يجعلنا ممن يتعظ بهذه اﻵيات وأن لا نكون من الغافلين

لفت إنتباهي بشدة قبل أيام صورة لعنقود من الورود لم أر مثلها من قبل في تدوينة للأخت نسرين، وبحثت بالصورة فوجدت أنها أزهار لنبات الكرز، شاهدو جمال هذه الورود في الصورة التالية، وقد طلبت منها أن تنشر مزيد من الصور، وقد فعلت في هذه التدوينة

وبهذه المناسبة أدعو لمن شاهد تفتح زهور أو ورود أو خُضرة في هذا الربيع أن يُشاركنا بها

pink-flowers

شجرة كرز

أطلب من مدوّن

السلام عليكمmiddleeast

هذه المرة لدي فكرة للخروج عن الطابع التقليدي للتدوين، فبدلاً من أن يكتب المدون مقالة عن ما يجول بخاطره أو بما مر به من أحداث يريد التعبير عنها وإفراغ ما بداخله من مشاعر، أو كتابة مادة يهدف أن ينتفع بها الناس، هذه المرة أريد أن يكون للمتابعين والقراء للمدونات المبادرة في صناعة ذلك المحتوى بأن يطلبوا مواضيع أو موضوع واحد على اﻷقل من كاتب معين أو من متبرع أن يكتب عن موضوع معين أو المشاركة في نشاط ثم الكتابة عنه، أو القيام بنشاط لشخص في منطقة بعينها. كمثال لذلك أن نطلب من شخص يسكن المدينة المنورة أن يوثق بكاميرته جبل أُحد ومكان المعركة المشهورة، أو شخص يسكن في مكة المكرمة أن يوثق لنا غار حراء – سواءً صور ثابتة أو فيديو- شرط أن يفعل ذلك بكاميرته وليس الاستعانة بصور من اﻹنترنت، نريده أن يحكي لنا القصة كاملة منذ أن خرج من بيته تلبية لطلب متابعيه إلى أن وثق وصور تلك اﻷماكن، فهذا النشاط والمحتوى له أثر مختلف مما لو بحثت في النت عن صور أو وثائقي أو مقالة بها نفس المحتوى الذي نُريد، بهذا يُساهم القاريء أو المتابع في إنتاج محتوى، محتوى هو يستفيد منه وساهم فيه، فبهذه الطريقة نجعل للمحتوى طعم خاص، مقارنة بمحتوى آخر بحتثاه في اﻹنترنت و ليس لنا علاقة بها أو بصاحبها.

لفعل مثل هذا النشاط – الخارج عن المألوف- لابد أن يسبقه تعريف بالأشخاص المتبرعين لهذا النشاط، ثم لا بد أن نعرف بعض المعلومات عنهم، مثل المُدن أو القُرى التي يقطنون فيها، وتخصصاتهم وهواياتهم، بحيث يتوافق هذا الطلب مع البعد الجغرافي للمدون ومتوافق مع ميوله العلمية أو مع ميوله الشخصية من هوايات و مقدراته، مثلاً شخص لديه مقدرة في تقديم محتوى فيديو وتعليق، أو ربما ليس لديه هذه المقدرات – مازالت هذه الفكرة طور اﻹنشاء- مثلاً شخص ليس لديه ميول تاريخية أو جغرافية نطلب منه تغطية موضوع جغرافي أو تاريخي في منطقته، وشخص لم يسبق له إنتاج محتوى مرئي أن نطلب منه المغامرة في إنتاج مثل هذا المحتوى بغض النظر عن جودة المحتوى، المهم أن يُشارك ويُنتج هذا النشاط بناءً على رغبة المتابعين أو مدونين آخرين، فيمكن لمحتوى من شخص غير متخصص وغير متقن لطريقة التصوير مثلاً أن يكون أفضل لنا من محتوى مقدم من قنوات ومؤسسات إعلامية، نحن نُريد رؤية العالم من أعين أشخاص مثلنا وأفراد وليس مؤسسات، صدقوني سوف يكون محتوى مختلف..

النشاط يُمكن أن يكون جغرافي، مثلاً يمكن لمتابع أن يبحث عن نقاط مميزة في الخريطة مثل نهر، أو بحيرة أو جبل أو شاطيء، أو بركان – شرط أن يكون بركان خامد مر على خموده مائة عام على اﻷقل- نحن لا نريد أن نتسبب في تعريض المدون للخطر 🙂 فيطلب ممن يسكن في تلك المنطقة أن يذهب إليها ويوثقها له بالصور والكلام عنها. أو نشاط تاريخي بأن نطلب من مدون أن يذهب لمنطقة تاريخية في بلدته ويوثقها ويتكلم عنها بطريقته وبإنتاجه وليس بالاستعانة بمحتوى جاهز أنتجه شخص آخر قبله. ويمكن أن يكون النشاط علمي بأن نطلب من شخص أن يعمل لنا نشاط فيزيائي أو ميكانيكي أو كيميائي – حسب التخصص-

beach

ما أميل إليه من النشاط هو نشاط يجعل المتبرع أن يخرج من البيت، لذلك لا أميل للنشاطات التي يُنجزها الشخص وهو جالس في مكتبه أو بيته ويستعين بفضاء اﻹنترنت لإنتاج مثل هذا المحتوى، نحن نريد أن يُنجز هذا النشاط في الفضاء الحقيقي الملموس والذي كدنا أن نتخلى عنه مقابل الفضاء غير الحسي المتمثل في اﻹنترنت، إحيانا يُصبح ثقيل عليها أن نخرج خارج المنزل أو خارج مكتب العمل، لكين نريد أن يكون هُناك دافع لفعل هذا.

 

يمكن أن يتبنى مثل هذه الفكرة من يجتمع عنده المدونين مثل اﻷخ عبدالله المهيري وذلك لأن لديه زاوية أو ملتقى للمدونين.

فما هو رأيكم بهذه الفكرة والنشاط، وهل يمكن أن تنجح الفكرة ويشترك فيها ويتبرع بتقديم مثل هذا المحتوى وتنفيذ ذلك النشاط حتى من ليس لديهم مدونة، بحيث ينشيء بعض المتابعين مدونات جديدة لغرض هذا الموضوع على اﻷقل، الغرض ليس للمسابقة، بل لتقديم محتوى بطريقة فريدة وأن نرى العالم بزاوية جديدة بمبادرات خرجت منا

 

تقنين الموارد يزيد الكفاءة

السلام عليكم ورحمة اللهpie

قبل يومين إنقطعت الكهرباء في الفترة الصباحية، وكنت أنوي الذهاب متأخر إلى العمل، حيث بدأت العمل من البيت، ثم في النصف الثاني من اليوم أذهب إلى العمل، وبعد انقطاع الكهرباء تبقى حوالي ساعة فقط لبطارية اللابتوب، وإنقطع اﻹتصال بالإنترنت عن طريق الـ ADSL ذو السعة غير المحدودة تقريباً، فاستخدمت إنترنت من موبايل بسعة محدودة، فكُنت في سباق مع الزمن حيث تبقى لدي ساعة واحدة فقط مع إنترنت محدود. استغليت هذه الساعة بنسبة أكثر من 90% حيث كان اﻹنترنت المحدود لكنه مناسب مع البحث وقراءة صفحات علمية و صفحات ويكيبيديا، ففكرت في أن هذه المحدودية في الموارد دفعني للاستفادة من الوقت إلى أبعد حدود.

لا شك في أن الموارد مهمة لإنجاز أي عمل، لكن زيادة الموارد عن ما نحتاجه يمكن أن تكون له نتائج عكسية، وأول هذه الموارد هو الوقت، لو قلنا لشخص لديك امتحان بعد إسبوع، فربما يستغل فقط 50% من هذا الإسبوع في القراءة والاستعداد للامتحان، لكن إذا قلنا له أن الإمتحان غداً فسوف تزيد نسبة إستغلال مورد الوقت هذا بنسبة مثلاً 80%. هذه ليست قاعدة أو نظرية إنما ملاحظة لاحظتها في تعاملنا مع الموارد في حال أنها متوفرة وفي حال أنها نادرة، فكلما كانت هذه الموارد شحيحة زادت معها كفاءة استخدامها، والكفاءة لا تعني الإنتاجية، حيث من الطبيعي أن تزيد الإنتاجية مع زيادة الموارد، مثلاً شخص بجواره نهر يسقي منه الزرع يمكن أن تكون إنتاجيته أعلى من شخص يعتمد على مصدر مياه شحيح مثلاً، لكنني أتكلم عن الكفاءة وهي نسبة الفائدة من هذا المورد، فيتم حساب أنه كم يستهلك من هذا النهر وكم يستغل منه للزراعة مقارنة بشخص آخر لديه مورد شحيح من الماء يستغله بنسبة 100 %.

قرأت مرة في مقالة عن شخص اختبر العمل في وضع الطيران، حيث لا يوجد إنترنت أو إتصال وكان في رحلة بالطائرة، تكلم عن أنه زادت إنتاجيته في هذه الرحلة مقارنة بما لو كان في المكتب ولديه كل الشواغل واﻹتصالات والملهيات عن العمل، ففكر أن يعمل بوضع الطائرة في اﻷيام العادية بدون أن يكون مسافر. وأضيف إلى تجربته هذه الحرية، بإفتراض أن الحرية هي أحد الموارد، فكلما زادت الحرية تقل الاستفادة منها، فهو في الطائرة ليس لديه الحرية في الحركة أو الذهاب إلى أمكنة كثيرة، إنما هي حرية محدودة، ولديه مساحة محدودة، تجعله يستفيد من تلك المساحة الضيقة وهذه الحرية القليلة في إنجاز كثير من اﻷعمال في وقت وجيز.

اﻷشخاص الذين لديهم موارد كثيرة وخيارات مفتوحة ربما يُحجمهم هذا التوفر للموارد عن إنجاز ما يفعله أقرانهم ممن ليس لديهم تلك الموارد وتلك الخيارات، نأخذ مثالاً لدولة لديها إنتاج كبير من النفط، وهذا مورد كبير للطاقة والدخل المادي للدولة، فنجد أن هذا التوفر في تلك الموارد يمنع نشاطات كثيرة مثل الصناعة والزراعة المكلفة والمتعبة التي تتطلب عملاً شاقاً، وحتى تمنع ابتكار بدائل للطاقة، حيث أن الحاجة أم الاختراع، فإذا كانت موارد الطاقة متوفرة فما هو الدافع للاستثمار الحقيقي في تلك البدائل!.

بالنسبة للتعليم مثلاً نجد أن زيادة الموارد لا تُساهم في زيادة التعليم، مثلاً توفر إنترنت لأطفالك في البيت أو في المدرسة، وتوفر اﻷجهزة الالكترونية المختلفة ربما يكون له نتائج عكسية مقارنة ببيئة تعليمية بها ترشيد للموارد حيث لا توجد بها إنترنت إلا للحاجة ومع مراقبة للاستخدام، ولا يوجد بها اعتماد على التقنية، إنما يُكتفى بها بالوسائل التقليدية اﻷكثر بساطة واﻷكثر عملانية.

كشاهد على هذه الملاحظة نجد دول ذات مساحات صغيرة مثل هولندا التي جففت جزء من البحر لاستغلاله للسكن وربما للزراعة، نجدها تمد العالم بمنتجاتها الزراعية ومنتجات اﻷلبان، فهذا يعني إستغلال يصل إلى نسبة يمكن أن تفوق 90% من اﻷراضي مقارنة بالدول الشاسعة التي لا تستغل أكثر من 10% من أراضيها في الزراعة والصناعة أو أي نشاط آخر يتطلب مساحة من اﻷرض.

من لديه موارد أقل من أقرانه أو ممن قدر له الله أن يكون في دولة أو مدينة أو حتى قرية ذات موارد شحيحة فليس لديه عذر في أن لا يكون منتجاً – هذا حسب رأيي – بل يمكن أن يكون دافعاً له للنجاح برغم الصعاب فيكون متفوقاً على أقرانه وقدوة لهم في إنجاز بكفاءة أعلى مقارنة بما لديه من موارد.

مركبات خلايا الوقود الهيدروجيني

السلام عليكم ورحمة الله

منذ فترة أُتابع بدائل الوقود للطاقة ومؤخراً تابعت سيارات تيسلا الكهربائية وغيرها من السيارات المعتمدة على البطاريات القابلة للشحن كبديل للسيارات المعتمدة على محركات الاحتراق الداخلي والتي تستخدم البنزين أو الجازولين أو حتى الغاز كوقود. وبما أن النفط سوف ينضب في مدة أقصاها 50 عاماً تزيد أو تنقص حسب زيادة أو التقليل من الاستهلاك، فلذلك لابد من البحث عن بدائل للطاقة وهذه هي من أهم المجالات التي تبحث وتتسابق فيها الدول والشركات الكُبرى، وسوف يكون لها تأثير في الحياة المستقبلية. ومع توفير هذه البدائل لا بد أن يصحبها تغيير في عاداتنا وطريقة استهلاكنا للطاقة حيث أن البدائل مكلفة جداً مقارنة بالوقود الإحفوري.

السيارات الكهربائية بها مشكلة البطارية، فبالإضافة لوزنها الكبير في السيارة بها، نجد أن لها عمر افتراضي قليل مقارنة بعمر السيارة، مما يزيد من التكلفة التشغيلية لتلك المركبة، فكانت أحد البدائل هي المركبات التي تعتمد على خلايا الوقود، وهذه الخلايا هي عبارة عن بطارية من نوع آخر تعتمد على سريان الهيدروجين فيها لتُنتج كهرباء تُشغل محرك كهربائي، فهي بذلك مشابهة للسيارة الكهربائية من حيث المحرك ومن حيث مصدر طاقة المُرحك، إلا أن مصدرها هو غاز هيدروجين في اسطوانة محكمة الغلق، والعنصر اﻵخر لإنتاج الكهرباء هو اﻷكسجين الموجود في الجو والذي يجتمع مع الهدروجين في خلية الوقود تلك أو المُحفّز المُحتوي على معدن البلاتين الذي يُنتج كهرباء بمرور الهيدروجين واﻷكسين في أقطابه الموجبة والسالبة وينتج عن ذلك التفاعل ماء، فهي بذلك تُعد من المركبات التي ليس لها أي إنبعاث ضار.

fuelcellcar

ما يُميّز تلك المركبات المعتمدة على هذا الوقود النظيف أنها أخف وزناً من المركبات المعتمدة على بطاريات الليثيوم، ومثلها مثل مركبات الوقود العادي يخف وزن المركبة عند استهلاك الوقود، أما المركبات المعتمدة على البطاريات والشحن فإن الوزن لا يقل عندما تفرغ البطارية وهذا يكون له آثر كبير في الاستهلاك خصوصاً في المركبات الحساسة للوزن مثل الطائرات والتي يقل استهلاكها للوقود كلما أصبح أقل في الطائرة.

ميزة أُخرى هي أن مركبات خلايا الوقود تُعبأ في خمس دقائق فقط  من مزود الطاقة مقارنة بنصف ساعة أو ساعة كاملة لمحطات الشحن السريع للسيارات الكهربائية. والميزة الثالثة هي أن خلية الوقود الهيدروجيني عمرها يكون مساوياً لعمر المركبة أي لا يحتاج تبديل.

المشكلة التي حالت دون انتشار مركبات وقود الهيدروجين هي مشكلة اقتصادية حيث أن تكلفة إنتاج الهيدروجين في المحطات مكلف ويحتاج لطاقة كبيرة، ويصحبه ضياع للطاقة عند تحويلها إلى هيدروجين ثم من هيدروجين إلى كهرباء مرة أخرى ثم إلى طاقة حركية بواسطة المحرك، أي أن كفاءة التحويل أقل بكثير مقارنة بالسيارة الكهربائية والتي تتحول فيها الطاقة الكهربائية مرة واحدة فقط بعد شحنها إلى طاقة حركية مباشرة.

أمريكا متمثلة في شركة تيسلا وغيرها من الشركات تُراهن على السيارات الكهربائية، واليابان تراهن على اﻹثنين حيث نجد أن شركة تويوتا استثمرت في إنتاج سيارة تعمل بخلايا الوقود الهدروجيني إسمها ميراي.

هذه المنافسة بين محركات الهيدروجين ومحركات البطاريات يكون في صالح تطوير اﻹثنين وجعلهما أكثر كفاءة لتكون بدائل مستقبلية للوقود اﻹحفوري، ويمكن أن يستمر النوعان لأغراض مختلفة حيث أنه لا يوجد حل كامل، بل كل حل لديه ما يُناسبه من التطبيقات، وكلما كان تبني الاعتماد على البدائل أسرع زاد معه عمر توفر الوقود الأحفوري إلى أن يُصبح هذا اﻷخير أقل البدائل كفاءة وأماناً في إنتاج الطاقة

المصادر

https://en.wikipedia.org/wiki/Fuel_cell_vehicle

https://en.wikipedia.org/wiki/Fuel_cell

النشاطات الجماعية والفردية

السلام عليكم ورحمة اللهteam

تكلمت قبل تسعة أعوام عن الفرق بين العمل الجماعي والفردي بطريقة حيادية، تعكس حالتي حينها، حينما كُنت موظف أو شخص في بداية استقلاله الوظيفي، لكن اﻵن تغير الوضع بعد أعوام من العمل اﻹداري، عرفت أهمية العمل الجماعي، لذلك سوف يكون الحديث فيه تحيّز لصالح العمل الجماعي بناءً على تجربة، لكن مع تعاطف مع النشاطات الفردية، وفي هذه المرة غيرت الإسم من عمل إلى نشاط وذلك لأن النشاط أكثر عمومية من العمل، فيدخل في النشاط الترفيه مثلاً، وهذا ما دفعني لكتابة هذه المقالة.

إذا بدأنا بالجانب الترفيهي فنجد أن النشاطات الجماعية يكون لها طعم أفضل وذكريات أكثر رسوخاً، تخيل شخص ذهب إلى رحلة مع صديق، أو صديقين مقارنة بشخص ذهب مع عدد كبير من اﻷصدقاء أو كل زملاء العمل، أو رحلة عائلية مقارنة برحلة فردية أو بها أفراد قليلون، فنجد – حسب تجربتي- أنه كلما كان العدد كبير كان الاستمتاع والفائدة من الرحلة أكبر. لكن في المقابل نجد مثلاً من يقدم محتوى مرئي ويُسافر لوحده أو معه شخص واحد أو إثنين، فنجد أنه يستمتع بالسفر لكن أحياناً يشعر بالوحدة، فنجده يملاء فراغه بالكلام أمام الكاميرا مخاطباً آلاف المشاهدين، ففي هذه الحالة دافعه لتلك الرحلة وتخطيه للمصاعب ساهم فيها العدد الكبير من المتابعين والمشاهدين، فكلما كان عدد المشاهدين أكثر كانت صعاب المغامرة تستحق العناء وتسهل لشعوره بروح الجماعة. في كثير من اﻷحيان عندما يعجني محتوى – خصوصاً المرئي- لا استمتع به إلا عندما أشاهده مع غيري من الناس، سواءً العائلة أو اﻷصدقاء، وفي بعض اﻷحيان أعيد ما شاهدته لوحدي لأشاهده مرة أخرى مع الجماعة لأن الشعور يكون مختلف وأثر ذلك المحتوى والتعليقات والتفاعل يكون أكبر. في أحيان أخرى عندما أجد محتوى جيد أتوقف عن مشاهدته وأدخره إلى الوقت الذي أتواجد فيه مع أبنائي فأحفظه لمشاهدته لاحقاً، لكن أحياناً يكون الوقت ضيق مثلاً وليس لديك نشاط آخر أوأن الشخص ليس لديه رفقة وهو لا يريد أن يتعطل عن الاستفادة من المحتوى، في هذه الحال ليس لنا إلا أن نتعاطف معه أو نتعاطف من أنفسنا بأننا وحيدون – وهذا يحدث كثيراً حتى لشخص اجتماعي محاط بالناس- .

بالنسبة للعمل فحسب تجربتي اﻹدارية فإن العمل الفردي دائماً ينتج عنه إحراج للمؤسسة عندما يغيب الشخص الذي يعمل لوحده في هذا العمل أو المشروع ولا يتوفر شخص آخر يحل محله ويعرف كيف كان يعمل زميله الغائب. وكتجربة آخرى في العمل الجماعي أنه كلما كانت هُناك جماعة كبيرة في مشروع يكون التشجيع على الاستمرار فيها أعلى، مثلاً توجد طريقة في البرمجة تُسمى pair programming وهي أن يعمل مبرمجين أو أكثر على برنامج واحد، ويكون شخص واحد هو الذي يكتب في الكمبيوتر والثاني والثالث يشاهدوه ويوجهوه أثناء كتابة البرامج ويفكروا معه وينتبهوا للأخطاء ، فحسب تجربتنا يمكن أن يعمل المبرمج  أربع ساعات فقط في اليوم ثم يمل، لكن باتباع تلك الطريقة الجماعية يمكن أن يستمر ثماني ساعات بدون أن يمل من كتابة البرنامج.

قابلني كثير من المبرمجين ممن لا يحبون العمل الجماعي ولا يحبون أن يكون معهم شخص آخر أثناء كتابة كود البرامج، لكن حسب ما شهدت فإن هؤلاء اﻷشخاص لا يتطورون إدارياً ولا يستطيعون قيادة فُرق برمجية، بل تصبح برامجهم عبئاً على المؤسسات لإنعدام روح الجماعة والاستمرارية فيها، فعندما يترك تلك المؤسسة تموت تلك البرامج والمشاريع التي كان يعمل فيها لأنه لا يوجد شخص آخر شاركهم لذلك لا يحمل هم تلك المشروعات والأنشطة شخص آخر.

الفاصل في هذا الموضوع وهذه الخيارات ليست التجربة فقط، إنما نرجع لنرى ماذا قال الله تعالى و قال رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن. فنجد أن الله تعالى يقول وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ”. فمن رحمة الله ومن نعمه أن ألف بين قلوبنا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يد الله مع الجماعة“، وقال ” عليكَ بالجماعةِ فإنَّما يأكلُ الذئبُ منَ الغنمِ القاصيةَ” وهي المنفردة، و في العبادة فإن بعض العبادات يكون فيها الجماعة أفضل مثل الصلاة المكتوبة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة” أما صلاة النافلة فهي فردية ويمكن صلاتها في البيت، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً”، كذلك فإن الصدقات عبادة فردية، والدعاء، بل اﻷفضل فيها اﻹخفاء، والحج من العبادات الجماعية، بل هي أعظم جماعة يجتمع فيها المسلمون.

فنجد حسب ما يوصي به الدين فإن اﻷفضل هي الجماعة، لكن هُناك وقت للفردية في بعض النشاطات حيث يكون أدائها أفضل من أن تكون جماعة.

قرأت كتاباً عن الشبكات وقرأت فيها اقتباساً يقول “أن أهمية الشبكة تزيد بطريقة أُسيّة بزيادة عدد المستخدمين”، لذلك نجد أكبر شبكة هي اﻷكثر قيمة وهي شبكة اﻹنترنت.

يوجد نوع آخر لتأدية النشاطات أو المهام: أن تكون فردية في بيئة جماعية، وهذه عن تجربة، فعندما أعمل في عمل فردي يختلف عندما أكون في البيت أو في العمل، ففي العمل أكون أكثر تشجيعاً واستمراراً منه في البيت. فهذا النوع يمكن تصنفيه بأنه نشاط فردي – جماعي، فتجد أن بعض المقاهي مخصصة للأفراد الذين ليس لديهم مكاتب ويريدون اﻹحساس برسمية العمل المكتبي. ويشابه هذا النوع عكسه: عمل جماعي لكن في انعزال، مثلاً مشروع يعمل عليه أكثر من شخص لكنهم متفرقون كل شخص في مكتب منفصل أو بلد منفصل، فتجد أن به روح العمل الجماعي يُثابر كل شخص أن ينتهي من واجبه الذي أوكل إليه ليشاركه للآخرين.

وصايتي في الخلاصة الاتزام بأفضلية الجماعة لمعظم اﻷنشطة، لكن في النشاطات التي تحتمل اﻷفضلية في النوعين – وهو يريد أن يزيد قيمتها – عليه أن يدرس أيهما أفضل: فإذا كانت الجماعة فاليبحث عن الجماعة، وإذا كان فردياً فيمكنه تأديته فردياً، وإن كان لديه وقت يمكنه تجربة اﻹثنين ثم يقرر أيهما أفضل