فاتتني رحلة إلى الفضاء

السلام عليكم ورحمة اللهsky

اليوم اتكلم بحزن شديد على هذه الرحلة التي انتظرتها طويلاً وجهزت لها، وهي سفر إلى شمال السودان لحضور مناسبة اجتماعية هُناك، كنت أتوق إلى الخروج من هذا الزحام والعمل والرتابة والضوضاء إلى منطقة نائية خالية واستمتع بالنجوم والفضاء ليوم واحد فقط ثم أعود في اليوم التالي. حيث كان مقرر للرحلة أن تكون اليوم وهي نهاية شهر هجري ليس فيها قمر وإنما هلال، حتى نستطيع رؤية النجوم، حيث أن معظم سفري لهُناك كان يتوافق مع عيد اﻷضحى والذي يكون فيه القمر بدراً فيمنع رؤية النجوم، وآخر مرة رأيت فيها النجوم ، بل أول وآخر مرة كانت قبل أكثر من عشر أعوام، في عام 2008 بالتحديد، حيث وصلنا قريتنا بعد المرور بعدد من المحطات توقفنا فيها لزيارة بعض اﻷقارب، إلى أن وصلنا إلى محطتنا اﻷخيرة حوالي الحادي عشر مساءً، وعندما جلست في حوش البيت رأيت السماء والنجوم بطريقة لم أراها من قبل وشعرت بالقشعريرة، منظر لا يوصف، النجوم والسماء كأنها قريبة، شعور غريب إنتابني، كُنت أتوقع أن أراه الليلة، لكن الله لم يُرد ذلك، فعسى أن يكون خيراً. حتى الغبار النجمي أو جزء من مجرة درب التبانة كان يظهر في تلك الليلة الصافية. حكى لي أحد زملائنا أنه سافر مع شخص مهتم بالنجوم إلى قرية  في السودان وعندما وصلوا إلى البيت ورؤوا النجوم لم يستطع صديقه هذا النوم إلى الصباح بسبب النجوم.

بعد أن استعديت للسفر وتجهزت نفسياً – وأنا شخص أحب الطبيعة- إلا أني كُنت مريض بالحمى الاسبوع الماضي، وتوقعت أن تزول أعراض المرض في يوم أو يومين، لكن المرض استمر طوال خمسة أيام على اﻷقل، وخططت أن أقرر السفر أو عدمه ليلة الخميس إذا تحسنت صحتي، فكان القرار بين المغرب والعشاء أن أسافر يوم الجمعة، صليت استخارة بعد صلاة المغرب، وكُنت مصاب بإعياء شديد بسبب أني نزلت إلى العمل بعد إجازة مرضية يوم الخميس، وانتظرت إلى صلاة العشاء وخططت بعدها أن أذهب لأشتري بعض اﻷغراض للبيت وللسفر، لكني لم استطع، بسبب التعب، فقررت إلغاء السفر، ولم احزن وقتها لأن هذه نتيجة الاستخارة ولعل في اﻷمر خير، وسألت الله أن يعوضني إلى رحلة بديلة للشمالية.

السفر للشمالية من أصعب اﻷسفار بالنسبة لنا لبعد المسافة وعدم وجود خيارات غير السفر بالسيارة أو بالبص، ولا توجد محطات كثيرة في طريق السفرالصحراوي المُقفر، مما يتطلب سيارة يُعتمد عليها وليست قديمة ومُعرضة للأعطال مثل سيارتي. ومع أنه لدي بيت هُناك بنيناه قبل عدد من السنين إلا أني لم أزره كثيراً، وبت فيه مرة واحدة قبل عامين، وهو بيت مبني من الطين ومعروش بسعف النخيل، مثل البيوت المحلية هُناك، لكنه أكبر من البيت الذي نسكن فيه في الخرطوم، ويتطلع أبنائي بشدة أن يروا هذه القرية والبيت الذي نملكنه لكننا لا نستطيع زيارته.

عزمت على أن اصطحب معي أحد أبنائي الذين لم يروا شمال السودان والذي هو موطن آبائنا وأجدادنا، وحتى نخرج من المدينة الخانقة التي اصبحت تُمثّل سجن لنا، كذلك حتى نري المزارع والنيل والصحراء، فاليوم اصبحت حزين جداً مع أنها ليست المرة الأولى التي لم نوفق فيها للسفر، حيث كانت آخر مرة لم نوفق فيها عيد اﻷضحى الماضي والذي قبله، لكني لم أحزن كل هذا الحزن، ربما لأني أعلم أنني سوف لن أستفيد من يوم الجمعة والسبت ببقائي في الخرطوم إنما أجلس أتحسر، والحُزن هو من دفعني أن أكتب هذه المقالة لعلها أن تخفف عني. كلها سفريات وتخطيطات تتكلل بالفشل، لكن الطريق شاق خصوصاً على من لديه أطفال، وهو يبعد من الخرطوم حوالي 450 كيلو متراً، كذلك في الصيف السفر صعب والمنطقة هُناك من أسخن مناطق السودان حيث تصل درجة الحرارة فيها ما يزيد على 48 درجة، كذلك في الشتاء غير مناسبة لأنها منطقة مكشوفة وتهب بها رياح جافة في الشتاء لا نتحملها نحن أبناء المُدن، فكلها أسباب تتجمع لتجعل السفر إلى هُناك نادر الحدوث، وهذا بالاضاف لارتباطاتنا في العمل والمدارس، وأفضل وقت هو بداية الشتاء أو فترة الربيع، وقد بدأ الشتاء عندنا اليوم.

ومما زاد حزني أني أصبحت اليوم أفضل من اﻷيام السابقة وأفضل من مساء أمس – ولله الحمد والمنّة-، لكن دائماً في المساء تكون قراراتي حذرة تختلف تماماً عن القرارات التي آخذها بالصباح فهي تكون مع بداية النشاط الجسدي والروحي، فتكون القرارات أكثر جرأة.

نحن محبوسون في المُدن دون أن نشعر، ننتهز الفُرص الاجتماعية أو الإجازات الصيفية – حتى لو كان الصيف غير مناسب للسفر- حتى نُسافر ونستنشق هواء عليل في فضاء اﻷرض الواسعة، لكن حينما لا يتعذر تنفيذ هذا السفر والحرية نشعر بالحزن لما ينتظرنا من مزيد من الحبس في رتابة العمل وازدحام المُدن.

ونذكر هُنا أبيات الشافعي التي تتكلم عن السفر:

تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا           وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ

تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ       وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ

وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ       وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ

فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ      بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ

6 رأي حول “فاتتني رحلة إلى الفضاء

  1. ربنا يديك الصحة والعافية ويزيل احزانك، للاسف سكان المدن ومنها الخرطوم محرومون من الاستمتاع بمنظر النجوم الجميل بسبب التلوث الضوئي( يسستحيل ان ترى درب التبانة في الخرطوم)
    >>لم يستطع صديقه هذا النوم إلى الصباح بسبب النجوم.
    🙂
    اخر مرة رأيت فيها منظرالنجوم الجميل كان قبل عدة سنوات (ربما سنتين او ثلاث) سافرت الى قريتنا في ولاية الجزيرة لحضور احدى المناسبات، لم يكن هنالك الكثير من النجوم في بداية الليل، لكنني استيقظت من نومي في تلك اللية لارى منظرا جميلا جدا، لم استمتع بالمنظر لفترة طويلة لاني كنت اشعر بالنعاس الشديد فعدت الى النوم.
    >>السفر للشمالية من أصعب اﻷسفار بالنسبة لنا لبعد المسافة
    ذهبت مرة في رحلة الى سد مروي، يوجد القليل جدا من المحطات في الشارع كما ذكرت
    >>نحن محبوسون في المُدن دون أن نشعر
    صحيح
    يسعدني وجود من من يشاركني الاهتمام بالنجوم، شكرا على المقالة الرائعة.

  2. لا أدري كيف سيكون شعوري لو رأيت مثل هذا المنظر! سبحان الله
    أسأله الله أن يعوضكم بمفاجأة برحلة أخرى جميلة 🙂

      1. بشكل عام نعم الحمدلله، هناك منظر أروع مما يظهر في العاصمة عمان، لذلك في العادة أسير وأراقب السماء😎
        لكنني لم أجرب قبل ذلك الذهاب للمساحات الزراعية (غير المسكونة) ليلًا
        في الحقيقة هذا اقتراح جميل، علي تجربته😁
        في الأردن عمومًا أفضل مكان لمراقبة النجوم هو “وادي رم”، المنظر هناك مذهل 🙂

        1. وادي رم سمعته أو شاهدته في اليوتيوب، مكان يذهب إليه السياح الغربيين على ما أظن.
          لمشاهدة النجوم يجب عليك اختيار أيام ليست مقمرة، نهاية الشهر الهجري أو بدايته

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s