أزمة الوقود في السودان

السلام عليكم ورحمة الله

يمر السودان منذ نهاية عام 2018م بأزمة حادة في الوقود تزيد وتنقص بين كل فترة وأخرى، لكن قبل الكلام عن هذه اﻷزمة الحالية دعونا نتكلم عن تاريخ السودان القريب مع النفط.

أُنتج النفط في السودان قبل انفصال الجنوب بصورة تجارية في عام 1998م وأصبح من الدول المُصدرة للنفط لأول مرة، وقد حدث انفراج اقتصادي كبير لدخول هذا العُنصر المهم في الصادرات بسبب ما أضافه للبلد من عملة أجنبية. كان 85% من اﻹنتاج يقع في أقاليم جنوب السودان التي لم تنفصل بعد في ذلك الوقت، ومُد خط لنقل النفط من الجنوب إلى شمال شرق السودان لميناء بورتسودان للتصدير . استمر هذا الوضع إلى انفصال الجنوب عام 2011م ليفقد السودان 85% من إنتاج النفط وبالتالي يفقد أهم بند من بنود الصادر ليتحول إلى مستورد للوقود لأن ما تبقى من إنتاج في الشمال لا يُلبي حاجة البلد من الوقود، وحدث بعد ذلك بداية تدهور اقتصادي كبير.

خريطة النفط في السودان

منذ توقف حصة النفط التابعة للجنوب لم تحدث أزمة في الوقود، على اﻷقل للسيارات والمركبات العامة، لكن في نهاية عام 2018 بدأت أزمة خانقة في الوقود وأصبح استهلاك المركبات أكبر من ضخ المحطات بالوقود، ومما زاد الطين بِلّة هو تغيير سلوك المستهلكين، حيث كان في القديم أن يشتري صاحب المركبة وقود حسب حاجته، بمتوسط نصف خزان وقود لسيارته، وكُنا لا نملأه كاملاً إلا عند السفر ، أما بعد اﻷزمة فأصبح كل شخص يملأ الخزان مما زاد الاستهلاك وزاد الشح في المحطات، وأصبحت هُناك صفوف طويلة تصل إلى ساعتين أو ثلاث حتى يستطيع الشخص أن يصل إلى المحطة ويملأ خزان مركبته. في ذلك الحين كانت الأزمة تستمر أسابيع ثم يحدث انفراج أسابيع أخرى عند توفر الوقود في المحطات والضخ إليها بكثرة، ثم تحدث مرة أخرى أزمة عند تعرقل الاستيراد.

من اﻷسباب التي ساهمت في هذه اﻷزمة أن الجنيه السوداني أصبح في انحدار كبير مقابل الدولار، وذلك لقلة الصادرات وزيادة الواردات، وحسب رأيي أن فترة تصدير النفط ساهمت سلباً في زيادة اﻹيرادات ولم تُشجع على الصناعة المحلية، حيث أن تصدير النفط يزيد قيمة العملة المحلية مقابل العملات اﻷجنبية مما يجعل الاستيراد أرخص من الصناعة المحلية. لذلك فإن هذه المشكلة هي عبارة عن قنبلة موقوتة للدول المصدرة للنفط إن لم تنتبه لها في الوقت المناسب، و الوقت المناسب يمكن أن يكون عشرة أعوام – مثلاً- قبل أن تحدث أزمة في تصدير أو إنتاج النفط في هذا البلد.

من اﻷشياء التي فاقمت من هذه الأزمة أن الوقود مدعوم، أي أن سعره الذي يُباع به للمستهلكين أرخص من السعر العالمي، أي أن الحكومة تدفع مقابل كل جالون وقود للمستهلك، فكانت أحد الحلول التي طُبقت في بداية 2020 هو رفع الدعم جزئياً عن الوقود، فقفز سعر الجالون من حوالي 27 جنيه إلى 130 جنيه تقريباً، أي أصبح من كان يملأ خزان وقود سيارته بمبلغ 300 جنيه، اﻵن يملأه بقيمة 1400 جنيه. بعد رفع الدعم الجزئي انفرجت اﻷزمة فترة من الزمن، وصاحب ذلك اﻹغلاق بسبب كورونا وكانت نتيجته سلبية في تعطل استيراد الوقود، وإيجابية بالتقليل من استهلاك الوقود للمركبات.

بعد فتح اﻹغلاق الذي حدث بعد جائحة كورونا بدأت اﻷزمة تظهر مرة أخرى خصوصاً مع استمرار التدهور في سعر الجنيه مقابل الدولار حيث بلغ رقماً قياسيا وهو 250 جنيه مقابل دولار واحد، فبلغت اﻷزمة قمتها وأصبح هُناك شح شديد مقابل الطلب للوقود. وكان الحل أن ترفع الحكومة السعر ليتوفر بسعرين: سعر تجاري يبلغ 540 جنيه للجالون، وسعر مدعوم جزئياً بسعر 250 جنيه للجالون. هذا خفف من الشح وقلل من الاستهلاك، لكن ما زالت هُناك صفوف طويلة للتزود بالوقود خصوصاً للوقود المدعوم.

هذه اﻷزمة التي لم تُحل بعد، و سوف تغيير أو يجب أن تغيير من سلوك المستهلكين، ربما بالبحث عن بدائل للتنقل أو أي حلول أخرى للتقليل من صرف الوقود في تنقلات غير ضرورية، أو حتى بالاهتمام بشراء أو إبدال المركبات عالية الاستهلاك بأخرى أقل استهلاكاً. إذا قارنا بداية العام بنهايته نجد أنه بدأ بتكلفة ملأ خزان السيارة بقيمة 300 جنيه ليصل إلى 3500 جنيه مدعوم، أو 7000 جنيه بالسعر التجاري، وهذا يمكن أن يُمثّل نصف أو ربع مرتب موظف، لكن المشكلة أن الموظف الذي يسكن بعيداً عن مكان عمله يحتاج لأن يملأ خزان الوقود مرتين أو ثلاث مرات في الشهر!

هذه اﻷزمة إذا حدثت في السودان اﻵن، و هي يمكن أن تحدث لأي بلد آخر، خصوصاً مع التقلبات الاقتصادية والسياسية في العالم. والجدير بالذكر أن النفط هو نفسه مستهلك وغير متجدد وسوف يأتي يوم لا يتوفر فيه لكن قبل أن يتوقف إنتاجه أو يُصبح غير مجدي اقتصادياً، سوف يحدث شح بعد عدة عقود، وهذا الشُح سوف يزيد سعره مع الزمن إلى أن يصل إلى مرحلة يتعذر معها شراءه للمستهلك العادي، لذلك وجب التخطيط من اﻵن لبدائل للطاقة أكثر اقتصادية وأكثر ديمومة و صديقة للبيئة و متجددة.

في مقالة أخرى – بإذن الله- سوف أتكلم عن تجربتي الشخصية مع هذه اﻷزمة وكيف أثرت علي وكيف تعاملت معها.

المصادر:

نفط السودان- وكيبيديا

صفوف الوقود أصبحت تظهر في خرائط قوقل

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s