رحلة قصيرة مع إياس تعلمنا منها الكثير، الجزء الثاني

السلام عليكم ورحمة الله

تكملة لقصة السفر إلى شمال السودان مع ابني إياس، والتي توقفنا بها عند صباح يوم الجمعة بعد شراء اللحم من الجزار وزيارة ثانية للبحر والمزارع، رجعنا للبيت ثم عمدنا إلى جهة الجبال قبل أن تسخن الشمس، وكانت رغبتي أن أمشي في الوادي بين الجبال، و إياس رغبته تسلق الجبال مرة أخرى كما فعلنا في الرحلة الماضية قبل ستة أشهر، ففكرنا أن نجمع بين اﻹثنين، نمشي في الوادي مسافة ثم نتسلق الهضبة والجبل. لكن كان الوادي مليء بالصخور، فالمشي فيه لم يكن سهل، فقررنا بعده الصعود إلى الهضبة، وكان في ذلك مشقة فتذكرت وجعلت أردد بيت الشعر الذي يقول: من يهب اﻷعالي يعش دوماً بين الحفر، وبالنسبة لي شخصياً أهاب تلك الأعالي، لكن من الحين للحين أفعل بعض المغامرة لأكسر ذلك الحاجز. بعد أن صعدنا إلى الهضبة رأينا قمة جبل قريب منا، في المرة الماضية كانت تلك القمة بعيدة ولم نحاول أن نتسلقه لخوفنا من تلك التجربة التي كانت أول مرة مع تلك الجبال. لكن هذه المرة بعد أن مشينا في الوادي أصبحت قمة ذلك الجبل قريبة، فبدأنا بالصعود وشعرنا ببعض التعب، وشعرت بالخوف من تلك المنطقة النائية المخيفة وتلك القمة المنحدرة، فإذا حدث لنا أي مكروه فسوف لن يسمعنا أي شخص، ولم نخبر أي من أهلنا أننا ذاهبون إلى الجبل حتى لا يغيروا خطتنا أو يؤخرونا، مجرد ما وجدنا فرصة ووقت قررنا الذهاب. وبعد تسلق تلك القمة وهي أعلى قمة في هذه الجبال والهضاب المحيطة بنا، بسبب الخوف قلت أني سوف لن أمكث طويلاً في تلك القمة وأنزل مباشرة، وتسلق الجبال ليس من اﻷنشطة المعتادين عليها، ربما يتسنى لنا مرة واحدة في العام لنصعد إلى جبل في طريق ما، لكن هذا كان بعيد جداً، لكن مجرد أن وصلنا إلى القمة انشغلنا برؤية الصخور وقررنا عمل علامة ببعض الصخور حتى إذا صعدنا مرة أخرى نتذكرها، وكان هذا نوع آخر من التكيف السريع والتأقلم على المخاوف. وأحسسنا أن هذه الجبال لا يصل إليها أي شخص من القرية أو من الزوار.

في طريق النزول وجدنا ممر يظهر عليه أنه مكان تجري به مياه اﻷمطار وهو مكان ظليل فجلسنا تحته حتى نشرب ماء، وقد وصّت ابنتي الصغيرة (هالة) إياس بأن يُحضر لها أحجار جيرية ملونة أو هي نوع من طين الصلصال المتحجر، فقال إياس عندما نزلنا إلى ذلك السفح أن هذا كنز من طين الصلصال، وسكب عليه بعض الماء ليختبره فوجده طين صلصال أصفر اللون، قال لي هذا من النوع الممتاز، ففكرنا أن نرجع مرة أخرى ونحضر معنا كيس لنملأه من هذا النوع من طين الصلصال ليلعب به أبنائي الصغار.

بعد أن رجعنا من الجبال انتظرنا الفطور ثم فطرنا وسألنا عن وقت صلاة الجمعة وكانت بعد ساعتين أو أكثر، وبدأ الجو يزداد حرارة، ولم أستطع النوم بسبب الحرارة برغم التعب وهذه الأنشطة التي بدأناها قبل شروق الشمس، وازدادت الحرارة في الارتفاع، وكان هذا أكثر وقت أحسسنا فيه بالملل والانتظار وقد مر بصورة بطيئة جداً، وكنا نخطط ماذا نفعل بعد الصلاة في هذا الحر. بعد ذلك تجهزنا لصلاة الجمعة، وذهبنا للمسجد صلينا ورجعنا ثم خرجنا رغم الحر و اشتداد حرارة الشمس إلى المزارع ونهر النيل لعلنا نجد مكان نسبح فيه، لكن لم نجد شاطئ مناسب للسباحة، فمعظم الشاطئ عميق ومغطى بشجيرات، ونسينا أن نأخذ معنا زمزمية المياه بعد أن ملأناها، فعطشنا عطشاً شديداً واصبحنا نمشي في الظل إلى أن جلسنا في ظل أشجار نخيل وكانت درجة الحرارة عالية لكن كان الجو شديد الجفاف مقارنة بالخرطوم وكانت تهب رياح شديدة الحرارة تسمى السموم وهي رياح موسمية وتصل درجة الحرارة إلى 46 درجة في تلك اﻷيام. بعد ذلك رجعنا إلى البيت وانتظرنا صلاة العصر والغداء، وكل فترة كُنا نستحم، بواسطة الدلو أو ما نسميه الجردل أو يسميه البعض السطل في بعض البلدان، وهي طريقة توفر المياه بدرجة كبيرة، وقد تأقلمنا على تلك الطريقة بسرعة، حيث لا توجد حنفيات للمياه، تأتي المياه مدة ساعة أو أكثر قليلاً كل يوم في وقت معين يُملأ بها البراميل ثم يربط ذلك الخرطوش بعد الملء، وسكان القرية مقتصدون جداً في استخدام المياه. في زيارتنا السابقة ظننت أن أبنائي خصوصاً الصغار منهم سوف يجدون صعوبة في التعود على استخدام المياه والحمامات بتلك الطريقة، لكن تفاجأت بأنها أعجبتهم، حيث سألت ابني الصغير محمد بعد أن رجعنا في المرة السابقة ما هو أكثر شيء أعجبك في الشمالية، فقال لي أننا كُنا نتوضأ بالإبريق، فعندما رجعت من العمل في ذلك اليوم اشتريت لهم أباريق وأصبحنا نتوضأ بها خصوصاً عند انقطاع المياه، فأصبحنا أكثر تكيفاً لمشاكل المياه في العاصمة بسبب هذه الزيارة.

بعد انتظار ممل آخر صلينا العصر وتغدينا، ونسيت أن أذكر أننا في الفطور أكلنا من لحم التيس وقد أعجبنا جداً طُبخ في ما نسميه دمعة مع قراصة وهي نوع من الفطير من دقيق القمح عندما آكله لا أجوع مرة أخرى في ذلك اليوم، لذلك لم آكل كثيراً في الغداء. بعد الغداء خرجنا من البيت نستكشف طريق آخر وكان لدينا أقارب في بداية القرية يبعدون حوالي أربع كيلومترات، فحاولنا الوصول لهم بأقدامنا ونستكشف مناطق جديدة أثناء مسيرنا، وفعلاً رأينا أشياء جديدة، مع أني ذهبت من هذا الطريق عدة مرات بالسيارة، وكانت تأخذ السيارة حوالي عشر دقائق أو أقل حتى نصل إلى بداية القرية، لكن عندما ذهبنا بأقدامنا مكثنا نصف ساعة ووصلنا فقط إلى نصف المسافة، أي إثنين كيلومتر، ورأيت القرية كما لم أراها من قبل، صورنا صورة في آخر نقطة وصلنا لها حتى نقيس بها المسافة عندما نرجع، حيث أن صور الهاتف بها معلومات المكان الجغرافي، ورجعنا بطريق آخر يمر بوسط المزارع، كانت لنا حرية كبيرة في المشي بسبب عدم سفرنا بالسيارة هذه المرة، فوجدنا أبقار ومزارع أكبر من المزارع الموجودة في منطقتنا، وعند التوقف عند بقرة معها عجل صغير لتصوريهما، قال صاحب المزرعة ولم أكن أراه: تفضل يا ابن عبد العظيم، فسلمت عليه ولم أعرفه، وقال لي أنه كان أمس في بيتنا، وأهم ما يميز القرية أن كل الناس يتعارفون، كان كل من يمر علينا يسلم ويقول لنا حمد الله على السلامة. بعد ذلك قررنا الرجوع بسبب تأخر الوقت مع أنه كان يمكننا أن نقطع مسافة 4 كيلومترات، ونحن فعلياً قطعنا تلك المسافة لكن ذهاباً وإياباً، وتركنا هذه المغامرة لوقت آخر. كان مجموع ما مشيناه في ذلك اليوم بعد أن قسناه بواسطة خرائط قوقل هو 7 كيلومترات، لم نحس بالتعب حينها، وهي مسافة لم أمشيها في وقت القريب ولم أتوقع أني استطيع أن أمشيها.

المزارع تُدار بطريقة بدائية لا توجد آليات، ومعظم المحاصيل للاستخدام المحلي ماعدا التمر، كذلك الماشية للاكتفاء الذاتي للقرية

في المساء لم يكن هُناك شيء نفعله، انتظرنا صلاة العشاء ونمنا بعدها بعد أن اعتدل الجو. نمنا بعد يوم حافل بالمغامرات والاستكشاف، والدي لم يكن يشكو الحر، فهو متكيف معه ويرى أن هذه القرية أفضل بكثير من الخرطوم، ويحس بالراحة النفسية فيها أكثر من أي مكان، ودائماً يقول لا يوجد مكان أفضل من هذا إلا مكة المكرمة. القرار الذي اتخذناه في النهاية أنه صعب على باقي أبنائي السفر بالباص لعدم توقفه إلا في محطة واحدة، كذلك هذا الحر سوف لن يطيقه معظمهم، وفي ذلك اليوم شربنا كمية كبيرة من المياه بسبب الحر لم أشرب مثله في حياتي، ففي العمل أثناء الثماني ساعات أشرب كوب ماء واحد فقط، لكن في ذلك اليوم الحار كُنت أشرب كوب أو كوبين كل ساعة إلى أن جاء وقت النوم، وقد أثر ذلك على عادتي في شرب الماء، حيث أصبحت أشرب ماء أكثر بعد الرجوع. بيتنا في تلك القرية لم يكتمل بعد ما زالت به أعمال بناء ومليء بالطوب ومواد البناء من سعف نخيل وجذوع أشجار، وأفضل وقت لزيارة تلك المنطقة هي الشتاء أو بداية الربيع. لذلك كان لابد من التخطيط لنشاط آخر في هذا العيد.

في الصباح الباكر ليوم السبت حجزنا للرجوع بالباص وطلبوا منا الحضور عند الشارع السادسة والنصف صباحاً، لكن كانت هُناك مهمة أخيرة لابد منها، وهي إحضار بعض طين الصلصال لأبنائي الصغار، فخرجنا بعد صلاة الفجر بعد أن بدأ الضوء بالظهور وتوجهنا لتلك المنطقة الجبلية التي تبعد حوالي 700 متر من البيت، وكُنا في عجلة حتى لا نتأخر عن الباص، لكن لم نجد تلك المنطقة التي وجدنا فيها ذلك الكنز من طين الصلصال الأصفر، إلى أن وجدنا بديل في منطقة أخرى وكانت أكبر من المنطقة اﻷولى، حيث تبين أن الجبل هو عبارة عن قشرة من الصخور تحتها يكمن كم كبير من طين الصلصال أو اﻷحجار الجيرية تتدرج ألوانها من اﻷصفر الفاقع إلى الفاتح إلى البنفسجي الفاتح. أخذنا كفايتنا من ذلك التراب والصخور الطينية ورجعنا بسرعة إلى البيت، شربنا الشاي بالحليب وحزمنا أمتعتنا وودعت والدي وذهبنا إلى الشارع ننتظر الباص والذي جاء في تمام السابعة صباحاً، وكان وضعه أفضل حيث كان شبه فارغ من المسافرين ولم يكن هناك أمتعة في الممر، وكان أكثر حداثة وراحة.

استفدنا فوائد كبيرة من هذه الرحلة القصيرة، ولو كانت أطول ربما أحسسنا ببعض الملل من تكرار المناطق التي نزورها، مع أننا أحسسنا أنه ما يزال هناك الكثير للاستكشاف، لكن ندعه في رحلات قادمة بإذن الله. وقد كان أهم الفوائد مرافقتي لإياس، فكان نعم الرفيق. قال لي أحد زملائي منذ عدة أعوام أنه كل مرة يذهب إلى مطعم مع أحد أبناءه أو بناته ليريهم أن كل واحد منهم مهم، ففكرت في تلك الفكرة منذ ذلك الوقت أن يكون لي نشاط أفعله مع أحد أبنائي، والمطاعم ليست النشاط المفضل لدي، لكن السفر وقته أطول ويتيح لنا فترة أطول في التعرف على كل واحد بتفاصيل أكثر، حيث أنه عندما يكون كل الأبناء في السفر يحدث تشويش وعدم تركيز لأي واحد منهم، لكن السفر مع رفيق واحد يكون كل التركيز معه. ففكرت أني يجب أن أفعل ذلك النشاط أو أي نشاط مشابه مع كل واحد من أبنائي لأتعرف عليهم أكثر ويتعرفوا علي أكثر، وأتمنى أن أسافر مرة أخرى مع إياس المحب للمغامرة والطبيعة، وهو أكثر أبنائي اشتراكاً معي في الهوايات، مع أن الهوايات مرتبطة بالعمر، ففي كل عمر تتغير الهوايات، أنا عن نفسي ما زلت أغير هواياتي واهتماماتي. من اﻷشياء المهمة هي التفكر في هذه الطبيعة ومخلوقات الله، وتفكرنا في عبادة شكر الله، بعض النعم لا نتذكرها إلا عندما نبعد عنها، وقد اشتقت لباقي أبنائي والبيت والمسجد وإمامة المصلين، وزملائي في العمل، لكني لم أشتاق إلى العمل أبداً حيث تركته به مشاكل وعدم استقرار في بعض البرامج التي نعمل عليها، فقلت أني لم أنجح أن أرجع بروح جيدة للعمل.

يوم اﻷحد الصباح ذهبت باكراً إلى العمل وبدأت في العمل بنشاط بغير العادة، وحللت مشكلة كبيرة كنت تركتها في أحد البرامج، ومع أني لم أشتاق إلى العمل إلا أني مكثت طويلاً وأحسست بنشاط ورغبة في العمل استمرت طوال الإسبوع، و تساءلت حينها، إلى متى سوف يستمر تأثير تلك الرحلة على أدائي في العمل وفي الحياة عموماً، هل يجب أن أفعل مثل هذا النشاط والسفر كل شهر أو شهرين مثلاً أو نشاط مشابه، فلو فعلت ذلك لأصبح السفر نفسه روتين وبه نوع من الرتابة، فلابد من حل آخر.

في هذه الرحلة كما قال لي إياس أننا رجعنا بالزمن إلى الوراء، حيث عشنا حياة البساطة التي كان يعيشها أجدادنا، وكان لكل شيء طعم مختلف، حتى الماء البارد في تلك الحرارة العالية والجو الجاف كان لها طعمه ولذته، تختلف عن الماء الذي نشربه بتكلّف في العاصمة، فكنا نشرب الماء عن عطش حقيقي، من الثلاجة أو من الزير الذي يكون بارداً في الصباح في ذلك الجو الجاف. واﻷكل كذلك كان طعمه مختلف، نأكل ونحن جائعون بعد تلك المشاوير الطويلة على اﻷقدام، وننام ونحن مرهقون لكن بروح نفسية عالية بعد كل تلك اﻷنشطة. عشنا حياة يومية في قرية بسيطة تكيفنا بسرعة لم نتخيلها في تلك القرية التي لا تكاد تسمع فيها صوتاً، كل الأماكن التي نزورها تكون خالية من أي شخص، و شاطئ النهر ربما نجد فيه شخص واحد أو إثنين على اﻷكثر، وكذلك المزارع، أما الجبال فهي خالية من أي أثر لأي شخص. الحياة الفطرية كانت جميلة، لكنها متعبة جسدياً ومريحة نفسياً. وفكرنا أن تكون لنا إجازة طويلة، إسبوع مثلاً نعيشه كاملاً في تلك القرية.

وفي الختام نحمد الله أن يسر لنا تلك الرحلة التي خلت من أي صعاب تُذكر، ونسأله أن لا يحرمنا من تلك النعم والطبيعة والهواء العليل والماء العذب والسماء الصافية والجبال الشامخة، والخضرة الغنية، ونسأله أن نكون شاكرين حامدين له ونكون فيمن قال فيهم: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ‎﴿١٣﴾

3 رأي حول “رحلة قصيرة مع إياس تعلمنا منها الكثير، الجزء الثاني

  1. مجهود تُشكر عليه، وتوثيق رائع بحق؛ استمتعتُ بكل جزء في الرحلة، وكأنني كنتُ أحد أفرادها. ولا أخفي أن الجزء الأول سبب لي بعض الحزن لأنه انتهى قبل بدء الأحداث الأهم.
    طين الصلصال، هذه أكثر فقرة لفتت انتباهي واهتمامي، إن كان لديك معلومات أكثر فسأكون شاكرة لك نقلها🙏

    1. صحيح، لذلك كتبت الجزء الثاني في نفس اليوم حتى لا ينتظر القارئ طويلاً وينسى التفاصيل في الجزء اﻷول،
      وكان لابد من الفصل حتى لا يطول المقال، واحتجت لبعض الوقت حتى أصيغ تفاصيل الجزء الثاني بصورة أفضل والعبر التي خرجنا بها

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s