استكشاف العالم بالخرائط-3: أماكن ليست لسكن البشر

السلام عليكم ورحمة الله

خلال آخر سفر لي بالبر قبل أشهر قليلة تأملت المساحة الكبيرة الفارغة بأنها أكثر من التي نسكنها، حيث خلال ثماني ساعات من تلك الرحلة الطويلة، كانت الساعة الأولى التي مررنا بها وسط مدينة مكتظة بالسكان يليلها مباشرة مناطق فارغة تماماً من أي ساكن ومن أي إنسان إلا نادراً ما ترى بعض الرعاة بعد كل نصف ساعة أو ساعة كاملة، تكاد لا ترى قرية طوال خمس ساعات. فتسائلت وتفكرت كيف أن هذه الأرض لم تُسكن طوال هذه السنوات وكيف أن هذا الكوكب شبه فارغ ومع ذلك يُفكر الإنسان باستعمار المريخ. فكانت هذه المقالة لنفتكر معاً لعلنا نعرف الحكمة من خلق الله لهذه الأراضي الشاسعة التي لا تصلح لسكن البشر، سواءً كانت صحاري قاحلة، أو جبال وعرة، أو غابات موحشة، أو أراضي جليدية يكاد يتجمد فيها الهواء.

ما جال في خاطري إلى الآن عدة أفكار منها ما هو متناقض مع بعضه وعدة تفسيرات ونظريات، وهي كالتالي:

١. الأراضي الصحراوية القاحلة مثل الصحراء الكبرى في شمال إفريقيا أو صحراء الربع الخالي في الجزيرة العربية هي مناطق يدخرها الله لنا لأجيال لاحقة عندما تمتلىء الأرض بالسكان وعندما يجد الإنسان سُبل للتكيف للعيش فيها، مثلاً باستخراج المياه من الآبار الجوفية العميقة، والاستفادة من الطاقة الشمسية الوافرة بالنهار لبناء مُدن وتحويل تلك الطاقة بدلاً من أن تكون حرارية فقط، لتمتصها الخلايا الشمسية فتتحول إلى طاقة كهربية يمكن الاستفادة منها في عدة أشكال، مثل الطاقة الحركية لتشغيل وسائل نقل، واستخدامها في الاتصالات والتواصل، وتحويلها إلى طاقة تُستخدم في التبريد، وتشغيل محركات وموتورات لضخ المياه وزراعة مساحات جديدة لم تكن لتُستغل في السابق. كذلك يمكن إنشاء محطات طاقة نووية في هذه المناطق غير المأهولة مما يُقلل خطر التلوث في حال حدثت مشكلة أو تسرب، فيستفيد منها كامل القطر بإمداد الطاقة المتواصل، ويأمنوا شرها بأنها بعيدة عن أي سكن أو مناطق مأهولة. مثل هذه الصحاري لا تتضرر بالسكن إذا أحسن الإنسان التعامل مع البيئة ولم يلوثها.

٢. بالنسبة للغابات عندما أُفكر فيها وما تحتويه من تنوع بيئي ومياه متوفرة طول العام من أنهار وأمطار فأُفكر أن الله خلقها لتكون أرضاً بكراً وبيئة لهذه الكائنات المختلفة، وأهميتها هي المحافظة على توازن البيئة الأرضية من أكسجين وتنقية من كل السموم التي نتجت عن استعمار الإنسان لباقي مساحات الكوكب، كذلك للمحاظفة على التنوع الأحيائي من طيور وثديات وزواحف وحشرات، وأشجار ونباتات مختلفة سوف يستفيد منها الإنسان في يوم من الأيام. فنجد أنها محروسة بكائنات تُعد خطراً للإنسان مثل السباع، وبعض الأمراض والحشرات، مثل البعوض ومرض الملاريا و غيرها من الأمراض القاتلة، بل حتى الأفاعي ذات السموم الفتاكة، فتجد أنها كلها تُساهم في أن تُبقي الإنسان بعيداً عن تلك البقعة البيئية الحساسة التي لا تتحمل أن يعبث بها الإنسان، وتمنعه من أن يستعمرها. فهذه هي فكرتي في أهمية تلك الكائنات وحتى الأمراض، فلم يخلقها الله عبثاً. أحياناً تجد من يسكن بطريقة بدائية تلك المناطق قد تكيف مع تلك البيئة لكنه لم يستنزفها، فتساهم تلك التحديات لإبعاد أي مستعمر خارجي يُريد أن يُفسد عليهم بيئتهم هذه، كما حدث في أدغال أفريقيا لم يستطع المحتل الغربي العيش في تلك المناطق، ولا المناطق الصحراوية القاحلة، فأصبحت تلك التحديات البيئية حاجزاً لأن لا يطغى شعب على شعب وأن يكون هُناك توزع وتوازن في استعمار الأرض لمساحات محدودة تناسب كل عصر وكل شعب من الشعوب. فلو كانت كل الأراضي مبسوطة وسهلة التعمير وكلها مناخ واحد فيمكن أن يطغى شعب على كل الشعوب ويحتل أراضيهم، لكن هذا الاختلاف في الجغرافيا والمناخ أوقف كل شعب عند حدود جغرافية و مناخية مناسبة معه. يقول الله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّـهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴿٢٧

٣. الفكرة الثالثة أن تكون هُناك مناطق بكر ذات شكل جميل مثل الجبال والأودية والأنهار وسواحل البحار، جمالها في أن يمر الإنسان بها ويراها ويعبرها عند السفر، يمكث بها قليلاً ، لكن لا يقيم فيها مستعمرات له، وتكون فاصلاً بين حضارات وثقافات حتى لا يحدث تداخل وعندما تفسد حضارة أو شعب لا يؤثر ذلك على باقي الشعوب وباقي الأرض، بأن يكون هُناك حاجز جغرافي يحجز هذه التغييرات مثل الأمراض حتى لا تكون سريعة الانتقال وتعم جميع الأرض.

خلال رحلتي الأخيرة لقرية ديم المشاخة التي تكلمت عنها في تدوينة سابقة، وكانت هُناك رحلة قبلها لنفس المنطقة قبل بضعة سنوات، في طريق الرجوع شدني منظر غابة على جهة النيل تمنيت أن أعرج عليها بالسيارة، لكننا كنُا مستعجلين عند الرجوع مع زملائي، وفي رحلتي الأخيرة كان معي مرافق من المنطقة، وسألته عن تلك الغابة، فقال لي أنها بالضفة الثانية للنيل، فتأسفت وسلمت أني لن أراها، لكن الآن تصفحتها في الخريطة فوجدتها أنها ليست في الضفة الأخرى من النيل، بل في نفس الضفة التي يقع فيها الشارع، ووجدت طريقاً فرعياً يمر بحافة تلك الغابة، فهذه دعوة لأن أمر عليها وأُشاهد تلك الغابة التي تمنيت رؤيتها طوال سنوات ماضية، في رحلة قادمة إذا أذن الله لي. وهذه فائدة من استكشاف العالم بالخرائط فهو يعطيك معلومات أكثر تأكيداً وأكثر دقة حتى من ساكني تلك المناطق الجغرافية.

لاحظت كذلك اليوم أنه يوجد رابط جغرافي بين الهند وجزيرة سيلان -أو سيريلانكا كما تغير أسمها مؤخراً- أتذكر تغيير الإسم هذا أثناء دراستي في المرحلة المتوسطة، أن هذه الجزيرة أو البلد تغيير أسمها، الرابط بين الهند وهذه الجزيرة مجموعة من الجزر الطبيعية الترابية كما يظهر في الصورة تتخللها مياه المحيط الهندي:

لفت انتباهي كذلك نهر بالقرب من هضاب خضراء في المنطقة الشمالية الغربية لدولة جنوب إفريقيا، يظهر أنها بكر بهذا الشكل الجميل لم يتدخل الإنسان بتغيير تلك المناطقة الطبيعية، لكن يوجد جسر يعبر النهر، لا يُفسد المنطقة إنما هو ممر ليعبر بها الإنسان ويتأمل تلك الطبيعة:

فكرتي عن الجنة – نسأل الله أن يجعلنا من أهلها- أنها منطقة بكر طبيعية لم يمسسها بشر، كتلك الجنان الموجودة في الأرض، فهي صورة مصغرة عنها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s