فرصة لإعادة تقييم استفادتنا من الوقت

السلام عليكم ورحمة الله

في ظل هذه اﻷزمة والحجر الصحي انقسم الناس إلى قسمين رئيسين: قسم قل عمله وقل إنتاجه وكانت فترة الحجر فترة إجازة لا يفعل فيها شيء، وقسم آخر بقي عمله كما هو لم يتغير وربما زاد انشغاله بسبب هذه اﻷزمة، وربما هناك من هو بين القسمين، أي يكون أحياناً من القسم اﻷول وأحيان أخرى من القسم الثاني.

في هذه المقالة أنا لا أتكلم عن الوظيفة حيث أن بعض الوظائف تعطلت أثناء الحجر الصحي وأخرى لا يمكن الاستغناء عنها ويحتاج إلها الناس لحياتهم، مع أن هذا كان هو الموضوع الرئيس الذي نويت الكلام عنه في هذا الصباح، إلا أني غيرته في آخر لحظة لأني وجدت أن التقييم الذي كنت سوف انتهجه لا ينطبق على كل اﻷمثلة، فمثلاً لا نستطيع أن نقول أن من يعمل في بقالة تمد الناس بقوتهم الذي لا يستطيعون العيش بدونه أن عملهم هذا أهم ممن يعمل في التعليم والذي توقف اﻵن أو تعطل بدرجة كبيرة بسبب هذه الأزمة. لذلك احتاج إلى إعادة التفكير وصياغة جديدة لهذا الموضوع ربما في مقالة أخرى. لذلك عزلت درجة أهمية العمل أو الوظيفة – أثناء اﻷزمة- عن هذا الموضوع وركزت على مفهوم أكثر تجريداً، وهو عن الشخص نفسه وعن ورؤيته واستفادته من وقته.

فرصة إعادة التقييم قصدت بها أن يراجع الإنسان نفسه في هذا الاختبار الاستثنائي الذي نمر به، هل جعلنا هذا الوضع نزيد من إدراك أهمية الوقت واستغلاله أم كان عذر لنا لتمضيته بدون فائدة وانتظار رفع الحجر الصحي حتى نرجع ونستفيد من وقتنا. إذا كانت فترة الحجر هي شهر أو شهران أو ربما أكثر، هل سوف نرضى أن تمر هذه الفترة الطويلة من عمرنا بدون فائدة! لو قال لنا أحدهم أن عمرنا سوف يقل شهرين أو سوف نفقد منه شهر، ما هي ردة فعلنا تجاه هذه المعلومة! تخيل أن العالم في سباق ثم فجأة جاءت هذه اﻷزمة وتوقف الناس فترة، ثم رجعوا لمواصلة هذا السباق، عندها سوف لن تعني فترة التوقف هذه شيئاً لأن الجميع توقف نفس المدة الزمنية ثم واصلوا بعد فترة، سوف لن يستفيد متسابق ويتضرر آخر. لكن هذا ليس الحال اﻵن، لا نستطيع أن نوقف العالم بسبب هذه اﻷزمة، ما زال الناس يعملون ويتعلمون ويُنتجون، لذلك بعد أن تنتهي هذه اﻷزمة بإذن الله سوف نجد أن الموازين اختلفت وأن الناس تغيرت بين متقدم ومتأخر، و بين مستفيد ومتضرر.

من يُدرك أهمية الوقت يستطيع أن يتكيف مع كل الظروف بل ظرف كهذا ربما يجعل البعض أكثر إنتاجاً، أو يجعلهم ينجزوا أعمالاً أو أنشطة أو حتى هوايات لم يجدوا لها وقتاً عندما كانت حياتهم طبيعية. لكن ربما كان هذا الكلام متأخراً بعض الشيء، كان يمكن أن نتكلم عن أهمية الوقت مع بداية اﻷزمة، لكن ماذا نفعل بالتقييم مع نهاية اﻷزمة! هل ننتظر أزمة حتى نستفيد من نتيجة التقييم هذه؟

نتيجة التقييم هذه لأزمة قادمة، إنما نستفيد منها عندما ترجع الحياة إلى طبيعتها، فالشخص الذي وجد أن حياته ووقته ثمين ولم يفرط فيه أثناء الأزمة سوف يكون أكثر حرصاً على أن يستمر على هذا النهج عند انكشافها، والشخص الذي وجد أن تقييمه سلبي أثناء الأزمة لديه فرصة أن يعيد التفكير في طريقة حياته ليجد حل لطريقة إدارته لوقته قبل أن يمضي عمره سدى دون أن يستفيد منه فائدة حقيقة ودون أن يفيد الناس والمجتمع ودون أن يحقق الخلافة في اﻷرض والتي هي السبب الثاني لخلق الله لنا، أن نكون خلفاء في اﻷرض.

بالنسبة لي لم أتوقف عن العمل أثناء هذه اﻷزمة، بل حتى أيام الجمعة والسبت صرت أعمل فيها، ربما لدي إدمان للعمل – لكن هذا موضوع آخر يحتاج مقالة منفصلة حول السؤال عن هل إدمان العمل شيء سيء أم به محاسن- لكن مع ذلك لم أستطع إدارة كل الوقت كما تمنيت ولم استطع إدارة وقت أبنائي بالطريقة المثلى، انشغلت بنفسي وبعملي أكثر من انشغالي بباقي أفراد الأسرة، وربما هذا ناتج سلبي عن إدمان العمل. كنت استغرب عن أن البعض أصيب باكتئاب أثناء هذه الفترة، إلى أن جاء العيد وأجزت يومين فقط ولم أفعل فيها شيئاً و أحسست بالملل الشديد والأثر السيئ للعزلة وعدم القدر على للعمل أو الاستفادة من الوقت، ثم عدت للعمل في اليوم الثالث كما تكلمت في تدوينة سابقة لتجربة العمل في المزرعة. وكان نصيبي من التوقف عن العمل هو يومين فقط أثناء هذه الجانحة، أتمنى أن لا يتكرر علي مثلهما، لكن كان يمكن إنجاز أكثر من ذلك، وربما ساهمت بعض الظروف سلباً في التقليل من اﻹدارة المثلى للوقت مثل التحول إلى العمل الفردي أو البيئة الفردية مقابل البيئة الجماعية التي كانت قبل الحظر، لكن هذا ليس عذر، الشخص الناجح لا يبحث عن اﻷعذار، بل يبحث عن الفرص، اﻷزمات بها فُرص، وهذا ليس كلاماً نظرياً بل واقع جربناه و عشناه، ويمكن لأي شخص أن يبحث عن هذا الجانب في أي أزمة.

أحد النتائج المهمة – ربما هي ثانوية، لكن مهمة- وهو الأثر النفسي للاستفادة من الوقت، كلما استفدنا من وقتنا بطريقة مخطط لها وطريقة مرضية أو حتى بطريقة غير مخططة- المهم أن نستفيد- نجد أن لها أثر نفسي إيجابي كبير جداً، وكلما فقدنا الوقت ولم نفعل شيء ولم نفعل ما خططنا له يؤثر ذلك سلباً على تماسكنا النفسي، وهو شيء من اﻷهمية بمكان، مع أن الحالة النفسية ليست هدف، ليس الهدف من عمل اﻹنسان أن يرتاح نفسياً، لكنه أثر وناتج ثانوي مهم مثله مثل أي ناتج ثانوي آخر كإيجاد مقابل مادي بسبب العمل.

3 رأي حول “فرصة لإعادة تقييم استفادتنا من الوقت

  1. كل الشكر لهذه التدوينة☘
    النقطة الأخيرة لفتتني جدًا وأجد أثرها على حياتي شخصيًا
    بارك الله في أوقاتنا وأعمارنا ونفع بنا وبكم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s